الاعلام الحربي – غزة
تعكس حكايتا الأسيرين المحررين عادل صادق ومصعب البريم من مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة إرادة الحياة التي يمتلكها الأسيرين كبقية الأسرى والتي تغلبت على واقع الموت الذي يفرضه السجان "(الإسرائيلي)" إذ اعتقلا شابين وخرجا أكثر تعليما وفقها وصبرا وتصميما وإصرارا على السير على درب الجهاد والمقاومة وإكمال حياتهما من جديد رغم المعاناة التي واجهتهما في سجون الاحتلال.
وكانت سلطات الاحتلال أفرجت عن الأسيرين "صادق، والبريم" الأربعاء الماضي بعد انقضاء مده محكومتيهم البالغة عشر سنوات بعد اعتقالهم عام 2003من على حاجز أبو هولي البائد في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة بتهمة الانتماء لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي.
وولد الأسير المجاهد عادل كامل حافظ صادق بمدينة خان يونس عام 1977 م، لينشأ ويترعرع في كنف أسرة فلسطينية ملتزمة بتعاليم دينها، الأمر الذي انعكس على سلوكه وسائر شؤون حياته، فكان عزيزا يرفض الظلم والاستكبار.
تلقى الأسير صادق تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس محافظة خان يونس، وكان خلال هذه الفترات التعليمية مثالاً للطالب الملتزم الطيب الخلوق، لكن اعتقاله حال دون إكماله لمسيرته التعليمية.
الأمل يبدد الألم
رغم محاولة الاحتلال حرمانه من عروسه واعتقاله بعد أيام من زفافه، لكن قدر الله بأن تكون زوجته قد حملت بطفلة التي جعلته يتحمل الألم والمعاناة لتكون مفتاح الصبر والأمل الذي تمسك بهما طوال سنوات اعتقاله المريرة.
وما زاد من صعوبة سنوات سجن الأسير صادق عدم سماح قوات الاحتلال له برؤيته أبنته "رانيا" لكنه حاول أن يرسم على جدران وجدانه ملامح طفولتها البريئة، ويحاول تغيرها كلما مرت السنوات لتكون مطابقة للصورة الحقيقة.
أصر صادق على حمل طفلته منذ لحظة وصوله الجانب الفلسطيني، حتى وصوله البيت، رغم التعب والإرهاق الشديد الذي بدا واضحاً عليه، مبينا أنّ لحظات احتضانها وسماع كلمة "بابا" من شفتيها وملاعبتها كانت مشاعر شديدة العاطفة كونه لم يستطع تكحيل عيناه برؤيتها منذ اعتقاله قبل عشر سنوات.
وتساءل المحرر صادق في حديثه لـ"الاستقلال " كيف لأسير غاب خلف قضبان الاحتلال أعوام طويلة يرى ابنته لأول مرة وقد بلغت عشرة أعوام تلك لحظات مؤلمة ولكنها سعيدة ولا تصدق في نفس الوقت".
نصرة قضيتهم
وحاول المحرّر صادق أن ينقل جزءا من مشاعره " قائلا "لم أرَى في حياتي موقفا عزيزا وسعيدا كالذي عايشته ليلة الإفراج عنّي، وما زاد من سعادتي وجود جماهير غفيرة في استقبالي شيبا وشبابا وأطفالا ونساء، واصفا تلك اللحظات بأنّها لحظات فخر وعزّة وأمل، بوقوف الجميع بجانب الأسرى والمحرّرين وإبقاء قضيتهم حيه وعلى أجنداته المستوى الشعبي الذي يتعاطف مع هذه القضيّة التي تحتاج إلى دعم ومساندة باستمرار.
وعاهد صادق رفاقه الأسرى الذين ما زالوا قابعين خلف سجون الاحتلال بأن يبقى على عهدهم وأن لا ينساهم لو للحظة واحدة في حياته، مؤكّدا أنّ حياته بالخارج الآن لا يمكن أن تعفيه عن تذكّرهم والعمل من أجل نصره قضيّتهم العادلة.
السير على نفس الطريق
أشار أنّ لديه الكثير من الواجبات الملقاة على كاهله بعد تحرّره، خاصّة إيصال رسالة الأسري إلى الجميع وتنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه بعمل من أجل تحريرهم والعودة إلى صفوف المقاومة كونه السبيل الوحيد لتحرريهم قائلا " الحديد لا يفله إلا الحديد، فلابد من تحرير كامل فلسطين من المحتل الغاصب".
لم تبدّد سنوات الاعتقال الطويلة من داخله حلم الدولة والعيش بعيدا عن ظلم الاحتلال، مشيرا إلى أنّه ما زال يطمح بأن يعيش في دولة فلسطينية تحت علم فلسطيني بعيدا عن أيّ مظهر للاحتلال، وتكون القدس المحرّرة عاصمة لهذه الدولة الفلسطينية.
النوم مرتاح البال
بدوره والد الأسير قال " إن الإفراج عن ابني كان أمنيه تراود خيالي ويمكنني الآن النوم قليلا بعد الإفراج عنه، لكن لم يهنئ لنا المبيت بهدوء طالما هناك أسرى في سجون الاحتلال "الاسرائيلى".
وأضاف والد الأسير في حديثه لـ"الاستقلال"" في الماضي كنا أنا ووالدته نمضى الليالي سهرا وحزنا ندعو بأن يعود لبيته وزوجته وقد من الله علينا بهذه الأمنية والحلم واستجاب لدعائنا المتواصل"، مشيرا إلى أنه يعيش حاله من الفرح لم يعشها في حياته من قبل.
مشاعر جياشة
من جانبه لم يستطع الأسير المحرر مصعب البريم إخفاء مشاعره الجياشة لحظة الإفراج عنه قائلا " إنني عدت للحياة من جديد بعدما أيقنت بأن الموت هو قدري جراء المعاناة الكبيرة في الآسر وطول سنوات الاعتقال"، معربا عن سعادته بعودته إلى حضن أهله وشعبه خاصة عندما وجد الأهل والأصدقاء وعامة الناس في استقباله.
وعن فترة اعتقاله أوضح الأسير البريم في حديثه لـ"الاستقلال"أنها كانت صعبة للغاية،حيث أمضى داخل غرف التحقيق قرابة الشهرين ولم تتمكن عائلته من زيارته إلا بعد مرور سبعة أشهر على اعتقاله، مبينا أن الأسرى يعانون معاناة يومية تبدأ من قلة الزيارات والتهميش من قبل إدارة السجن والإهمال الطبي بحق المرضى وقضاياهم.
الإصرار على الحياة
ورغم حرمان الاحتلال الأسير البريم من إكمال دراسته في تخصص الشريعية الإسلامية في الجامعة الإسلامية إلا أنه تمكن خلال سنوات محبسه العشر من حفظ القران الكريم كاملا مع السند وايجادته اللغة العبرية وكثير من العلوم الأخرى وكذلك إنهائه دبلوم تأهيل دعاة ومحفظين ويدرس تخصص التاريخ من جامعة الأقصى وتبقى عليه ثلاثة فصول دراسية والتحاقه بالجامعة العبرية لكن الاحتلال منعه من إكمال الدراسة، وله العديد من المؤلفات منها وقفات مع الشقاقي" ودراسات أمنية عدة.
وعن حياته المستقبلية ينوي الأسير إكمال نصف دينه ودخول عش الزوجية ومتابعة دراسته الجامعية الذي لم يتمكن من إكمالها داخل المعتقل، وكذلك ادخار كل ما يملك من وقت وجهده من أجل خدمة أبناء شعبه.
التحليق في عنان السماء
من جهتها أم الأسير قالت" أنها قضت عشرة سنوات من المعاناة والتعب وما زاد من مرارتي وآلمي رحيل والده وهو داخل الآسر حيث لم يتمكن من عيش لحظة الإفراج بعدما كان ينتظر تلك اللحظات بفارغ الصبر ".
وأشارت والدة الأسير في حديثها لـ"الاستقلال" أن لحظة رؤيتها لابنها شعرت بأنها تحلق في عنان السماء من شدة الفرح، وطوال عمرها الخمسين لم تشعر بها أو تعيشها، متمنية أن يتحرر باقي الأسرى وأن تتذوق كافة الأمهات هذه الفرحة الكبيرة.
الأسير البريم، تعرض خلال فترة اعتقاله عدا عن التعذيب القاسي إلى العديد من المحن، حيث توفى والده، وتعرضت أسرته كذلك لتنكيل والاعتداء على أيدي جيش العدو الذي اجتاح بلدته خصيصاً لتفتيش منزله ومصادرة كافة محتوياته، لكن ذلك لم يفت من عضده شيء، فأكمل مشواره وتعليمه الجامعي.
وترقى أسيرنا مصعب البريم داخل سجون الاحتلال، حتى بات أحد أبرز قادة حركة الجهاد الإسلامي داخل سجون الاحتلال، وعضو الهيئة القيادية العليا لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

