لم ينل الاحتلال البغيض والعدوان من صمود وعزيمة غزة في الدفاع عن نفسها كما شهدناها في الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة العام الماضي، حيث لقنت الجيش الإسرائيلي أقسى دروس في العسكرية وكسرت القاعدة الإسرائيلية القائلة :"الجندي الإسرائيلي الذي لا يقهر" أو"إن الجيش الإسرائيلي أقوي رابع جيش في العالم". فرجالات المقاومة في غزة هم بسطاء في الإمكانات والعدة والعتاد والمال والاستراتيجية والإعداد العسكري، مقارنة بالعدو الذي يمتلك الأسلحة الأكثر تطوراً في العالم، وهي غالبا أمريكية الصنع بالإضافة للمناورات العسكرية المتواصلة التي تجريها على الأسلحة الاستراتيجية غير التقليدية، وامتلاك تكنولوجية عسكرية متطورة، ناهيك عن الميزانية السنوية التي تخصصها للجانب العسكري والتي تعتبر من أعلى الميزانيات العسكرية في العالم.
فكانت الحرب حرب إبادة بكل المعاني والمقاييس، ولم تحقق أياً من بنك أهدافها التي أعلن عنها العسكريون الإسرائيليون عشية الحرب، وكل ما استهدفته هو أعداد كبيرة من المدنيين فقط واغلبهم من الأطفال، كما ودمرت جميع المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة، حدث ولا حرج. والسبب الأول في فشل (إسرائيل) في تحقيق أي من أهدافها في الحرب، هو تسلح المقاومة ورجالات المقاومة بسلاح الصمت والسرية في تنفيذ خططها وعملياتها، على شكل مفاجآت تخرجها واحدة تلو الأخرى في مواعيدها، ولحرصها على العمل السري نجحت في نشر شبكة اتصالات خاصة بها منفصلة عن شبكات الاتصال المحلية المعروفة، حتى لا تكون محلا للاختراق والتجسس، وأيضا عدم كشفها عن أنواع الأسلحة التي بحوزتها، أو اتباعها السرية في العمل التكتيكي، حتى أن إذاعاتها التي تعرضت للقصف المستمر بقيت تبث إرسالها حتى اللحظة الأخيرة، بالإضافة لسلاح العقيدة والصلابة والإرادة وحب الشهادة.
والصمت هو أسلوب جديد على الساحة الفلسطينية التي اعتدنا ألا يكون فيها أسرار. فكل شيء مكشوف، وطبعا سيكون مكشوفا (لإسرائيل) بسبب الجواسيس التي زرعتها. حتى أن الفصائل الفلسطينية لم تجد ضرورة بعد انتهاء الحرب وحتى الآن للكشف عن مفاجأتها التي لم تنفذها وتحتفظ بها لحينها. ومن بين هذه المفاجآت ما شهدناه في معركتي جبل الكاشف بمخيم جباليا و جبل الريس شرق مدينة غزة، فقد أكل الجيش الإسرائيلي الطُعم: فبدلا من أن يجد رجال المقاومة في وضع الدفاع خلال تصديهم لتوغلاته، فوجئ بأنه في وضع الهجوم المكثف الذي جعله يفكر ألف مرة في التقدم في العمق.
هل تعرفون كم مقاوماً كان على تلة الكاشف في إحدى تلك المعارك؟ الرائع أن مقاوماً وحيداً كان على تلك التلة كامناً في مكان آمن، وزاده تمر وماء، وقد تم تجهيزه بنظام تفجير آلي يصل إلى معظم نواحي المنطقة، وهذا المقاوم الشجاع هو الذي فاجأ القوات الغازية في أكثر من ناحية، وبينما كانت قوات (إسرائيل) تنتفض غضباً، باعتقادها أن هناك ألفاً من المقاومين يتصدون لها، فإن رجلاً واحداً قد أوجعهم وكسر غرورهم، مقاوم وحيد هزم نخبة أقوى جيوش المنطقة.
أما باقي المقاومين فكانت وظيفتهم أن يبلغوه بمناطق التقدم الإسرائيلي وإحداثياتها، وكذا إشغال الجنود الإسرائيليين ومهاجمة أطرافهم. نفس الشيء حيث كان مقاوماً واحداً مرابطا على جبل الريس زاده تمر وماء، مجهز لمباغتة القوات الخاصة الإسرائيلية (الكوماندوز) التي توغلت في المنطقة، واستطاع تفجير عدد من العبوات المضادة للأفراد، واستطاع حمل جندي إسرائيلي مصاب كأسير قبل أن تقصفه طائرة أباتشي إسرائيلية، وترديه شهيدا مع الجندي.
فهذه الأسطورة من البطولات والفداء والشهادة تخالف المثل القائل:" الكثرة أو القوة غلبت الشجاعة"، بل أصبحت الشجاعة تغلب القوة والكثرة (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون). ومن الآن فصاعدا، فليعلم الجميع أن غزة ليس لقمة سائغة لفم الغزاة، وستبقى أبية وشوكة في حلق الأعداء.

