أحد قادة السرايا يكشف لـ"الإعلام الحربي" تفاصيل جديدة عن هوية العقل التقني للسرايا

السبت 28 ديسمبر 2013
الإعلام الحربي -  خاص
 
نعيش في هذه الايام ذكرى استشهاد قائد عسكري من الطراز الأول سخر حياته جلها لخدمة المشروع الإسلامي المقاوم على ارض فلسطين، فعمل لسنوات طويلة على تطوير قدرات وإمكانيات المقاومة العسكرية بسرّية وصمت بعيداً عن الضجيج والأضواء، فكان استشهاده في السابع والعشرين من ديسمبر لعام 2007 في عملية اغتيال جبانة نفذتها طائرات الاستطلاع بحقه وعدد من الشهداء القادة .
 
ويعتبر الشهيد القائد محمد عبد الله "أبو مرشد" احد ابرز القيادات العسكرية لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي التي تركت بصمات واضحة في تطور المنظومة الصاروخية للمقاومة الفلسطينية، وصاحب الفضل في تصنيع قذائف الهاون والعبوات المواجهة، وأحزمة التفجير الناسفة، التي أوجعت العدو الصهيوني وكبدته العديد من الخسائر البشرية والمادية.
 
"الإعلام الحربي" بعد رحلة بحث مضنية وشاقة للتوغل في حياة المخ اﻟﺘﻘﻨﻲ للمنظومة الصاروخية لسرايا القدس"أبو مرشد" الذي سخر الاحتلال إمكاناته الاستخباراتية ونشر عملائه على الأرض من أجل اعتقاله حياً أو قتله، وصل الى "أبو محمد" القائد في سرايا القدس ورفيق درب الشهيد الذي بدوره كشف لنا عن الكثير من الأسرار التي تبرز حقيقة هذا القائد الأشم الذي مرغ أنوف قادة بني صهيون في التراب على أكثر من جبهة ومحور وكانت له بصماته الواضحة فيهما.
 
وبدأ القائد "أبو محمد" الذي التقينا به بعد إجراءات أمنية معقدة في أحد الأماكن الخاصة بسرايا القدس، حديثه بعد الثناء والحمد لله على نعمة الإسلام والجهاد في سبيله، قائلاً : "مهما تحدثنا عن الشهيد القائد "أبو مرشد" ( رحمه الله) لن نفيه حقه، فهذا الرجل قدم حياته رخيصة لله وللإسلام وللوطن، كانت نهاية حياته أن اصطفاه الله بعد رحلة طويلة قضاها في خدمة المقاومة على ارض فلسطين، الشهادة في سبيله"، مبيناً أن ما سيكشفه من معلومات عن حياة القائد "أبو المرشد" شيء قليل من مجهوده وعطائه الذي لا يزال الكثير منه طي الكتمان والسرية لدى سرايا القدس، وأخرى ذهبت ودفنت معه أو مع الدائرة التي كانت تحيط به.
 
وفضل أبو محمد أن يتحدث عن بدايات الشهيد القائد أبو المرشد مع المعلم الشهيد د. فتحي الشقاقي، قائلاً:" كانت العلاقة قوية وعلى مستوى عالي من السرّية والتفاهم، فكلاهما كانا على درجة عالية من العلم والثقافة والوعي، وهو ربما ما دفع الدكتور الشقاقي، تنظيم لقاءاته السرّية في بداية دعوته الجهادية في منزل أبو المرشد بمخيم البريج في الفترة الواقعة في عامي( 1982،1981م )"، مؤكداً أن الكثير من ملامح العمل الجهادي المنظم بدأت تطفو على السطح وتهدد أمن الكيان الصهيوني في تلك المرحلة الصعبة من بداية تأسيس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
 
وأشاد أبو محمد خلال حديثه بعقلية الشهيد القائد "محمد عبد الله"وقدرته على استقطاب الشباب الفلسطيني الواعي والمثقف للعمل في تنظيم الجهاد الإسلامي، رغم ما كان يشكله اسم هذا التنظيم من خطر يجعل من كل من يقترب منه التفكير كثيراً قبل الانضمام إليه، نظراً لحجم الحرب الشرسة التي جوبه بها منذ بدايته من العدو الصهيوني.
 
وأكمل حديثه متطرقاً بإسهاب حول شخصية الشهيد القائد أبو المرشد، قائلاً: كان الحلم والغموض جزء من شخصيته كتوم لأبعد الحدود، قليل الكلام، رغم تفوقه في الدراسة وحصوله على أعلى المستويات في كافة المراحل الدراسية والجامعية ،إضافة إلى حبه الشديد للقراءة والمطالعة في جميع المجالات وخاصة المتعلقة بالنواحي الأمنية وعلم النفس منها".
 
وأضاف " كان (رحمه الله) منظراً من الطراز الأول وخاصة مع بداية انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في الجامعات وتأسيس إطارها الطلابي الذي أطلق عليه حينها (المستقلين)، ووقتها كان الدكتور رمضان عبدالله شلح ( حفظه الله) محاضراً في الجامعة الإسلامية وكان تربطهم ببعض علاقة قوية حيث كان أحد طلابه المتفوقين"، مشيراً إلى أن العلاقة بين الدكتور رمضان شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، والشهيد أبو المرشد كانت قوية واستمرت لبعد المرحلة الجامعية وإبعاد الدكتور رمضان شلح لخارج الوطن.
 
قائد أمن الحركة
أما عن الشق الأمني في حياة الشهيد "أبو المرشد" في صفوف الحركة وجناحها العسكري سرايا القدس، فقال القائد أبو محمد: "تميز أبو مرشد بحسه الأمني منذ اللحظات الأولى لانضمامه في صفوف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، مما أهله في مرحلة البدايات تولي مسؤولية جهاز الأمن في قطاع غزة وذلك في فترة الثمانيِات"، مؤكداً أن الشهيد عكف في تلك الفترة على إعداد وتجهيز جهاز امني يحفظ حركة الجهاد من الاختراق، ولكن المشروع لم يكتمل بسبب اعتقاله وأكمله إخوة من بعده.
 

وذكر القائد في سرايا القدس أن الشهيد "محمد أبو مرشد" مع بداية تكوين( القوى الإسلامية المجاهدة) "قسم"، كأول ذراع عسكري منظم لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، كان له بصمات يعرفها قادة الجهاز جيداً، فلم يكن يوماً يحب أن يتحدث عن نفسه أو طبيعة عمله، حيث كان يحب العمل بصمت، و زاهداً لا يهتم للمظاهر كثيراً مسخراً وقته كله للعمل في سبيل الله .
 
مهندس التصنيع الأول
وعن طبيعة عمله في سرايا القدس خلال الانتفاضة الحالية أوضح أبو محمد، أن الشهيد "أبو مرشد" نفذ وشارك في عمليات عسكرية كبيره للسرايا في قطاع غزة وقد اشرف على العشرات منها والتي أذاقت العدو الويلات وأوقعت القتلى والجرحى في صفوفه.
 
وبين خلال حديثه إلى أن الشهيد أبو مرشد أعطى جل وقته واهتماماته بالتصنيع وخاصة بعد اندحار العدو الصهيوني عن قطاع غزة عام 2005م، حيث كان يؤمن بأنه لن تكون سرايا القدس قويةً إلا إذا امتلكت قدرات عسكرية من إنتاجها هي ، فبدأ رحلة تجاربه على صناعة قذائف الهاون ثم الصواريخ وخلال فتره قصيرة بدأ يعد ويجهز المجموعة الأولى التي كان لها دور بارز في تطوير الوحدة الصاروخية.
 
وتطرق "أبو محمد" بشيء من التفصيل عن أهم البصمات التي تركها "أبو المرشد"، كاشفاً عن دور الشهيد في صناعة القنبلة البلاستيكية الفرنسية، وصناعة قذائف الهاون البلاستيكية التي قطع فيها شوطاً كبيراً، مؤكداً أن صناعة قذائف الهاون البلاستيكية تسجل للشهيد أبو المرشد لأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية.
 
أما عن دوره في تطوير الصواريخ ، ففضل "أبو محمد" عدم الحديث عن هذا المجال لدواعي أمنية، ولكن أكد انه كان لابو مرشد بصمات قوية مازالت حاضرة في هذا العمل.
 
وختم أبو محمد حديثه برسالة وجهها إلى مجاهدي سرايا القدس والمقاومة الفلسطينية طالب فيها إبقاء جذوة المقاومة مشتعلة مع العدو الصهيوني وعدم الانشغال بأي أحداث أخرى ومنها التي تهدف الى تقويض مقاومتنا ووأدها.
 
عنوان للتواضع
وللاطلاع على الجانب العلمي والفكري للشهيد القائد ابو مرشد، كان لـ "لإعلام الحربي" لقاء مطول مع القيادي في حركة الجهاد الإسلامي "أبو الحسن" أحد المقربين من الشهيد القائد محمد عبد الله (أبو مرشد ) الذي تحدث بشيء من التفصيل عن حياة أبو مرشد العلمية قائلاً: "بعد خروج أبو مرشد من الأسر عام 1993م، عملت معه في مركز فلسطين للدراسات، و كنت أرى فيه الرجل المتدين الملتزم في كافة أمور حياته, ومما تميز به الشهيد أيضاً الدقة والإخلاص والتواضع، في كافة أنشطته، إضافة لقدرته العلمية والمهنية ".
 
وأشار أبو الحسن إلى أن الشهيد أبو مرشد (رحمه الله) كان متواضع كثيراً في شكله الخارجي وسلوكه وفي طريقة تعامله مع الآخرين وفي طريقة لباسه, وكان يتحسس لأي مظهر خارجي غير مألوف، وكان يقول: "إن الناس ينظرون إلى المسئول في مأكله وملبسه وطريقة عيشة " لذلك كان يختار أسلوب أوسط الناس في كل ما يتعلق بمظهره الخارجي وسلوكه, كما كان باستمرار "رحمه الله" ينحاز للفقراء والبسطاء والمستضعفين .
 

وأضاف أبو الحسن " كان للشهيد القائد أبو مرشد بصمات ودور كبير ومميز في مركز فلسطين للدراسات وكان باحث وكاتب من الطراز الأول حيث قام بإصدار العشرات من الأبحاث والدراسات والكتيبات وتنظيم الندوات السياسية والتنسيق مع كافة فصائل العمل الوطني والإسلامي للكثير من الورش الثقافية والسياسية والفكرية" .
 
رجل عسكري
وتابع القيادي في الجهاد حديثه عن الشهيد أبو مرشد قائلاً: "إن العمل بصمت كان من صفات ذلك الشهيد القائد حيث كان لديه الاستعداد للجلوس ساعات دون أن يتفوه بكلمة وخاصة عندما كان يرى أن النقاش لا فائدة منه "، واصفاً إياه بالرجل المفكر والمثقف المبدع من الدرجة الأولى.
 
وختم أبو الحسن حديثه قائلاً: "رحم الله الشهيد أبو مرشد واسكنه فسيح جناته وهو يلتحق بركب الشهداء القادة فتحي الشقاقي وهاني عابد ومحمود الخواجا وماجد الحرازين وطوالبة ليسطر بدمائه صفحة من صفحات العزة والبطولة على أرض فلسطين فإلى جنات الخلد مع الشهداء والأنبياء والصديقين .
 
قصة استشهاده
حرص الشهيد القائد محمد ابو مرشد على الاختفاء عن الأنظار في الفترة الأخيرة من حياته، بعدما تعرض لعدة محاولات اغتيال باءت بالفشل، ففضل التواري تاركاً الأهل والبيت والعمل وكل شيء ومضى في مشواره الجهادي دون كلل أو ملل، وفي مساء يوم السابع والعشرين من ديسمبر عام 2007م، خرج القائد أبو مرشد للاعداد والتجهيز للثأر والانتقام لإخوانه ورفاقه الشهداء الذين اغتالتهم قوات الاحتلال بمدينة غزة وشمالها حينها، فما أن خرج حتى أطلقت طائرات الاحتلال صاروخ استهدف رفاقه الشهيدين محمد فوزي أبو حسنين، ومحمد أحمد أبو حسنين، فهرع أبو مرشد نحو منطقة القصف لإنقاذهما، لكن صاروخ ثاني استهدفه ورفيقه الشهيد إبراهيم اللوح، ولم يصب أبو مرشد، لكنه أبى ترك رفاقه وأصر على نقلهم من مكان الاستهداف، لينال منه الصاروخ الثالث، فارتقى شهيداً مدرجاً بدمه الطاهر، ليكون دمه ودم رفاقه الشهداء نوراً لدرب المجاهدين وناراً على اعداء الله.