بقلم/ أبو النور
رائد..نعمان..أيمن..أسماءٌ مجبولة بالقيد والذكريات ولهفة العاشقين..
هم الأسرى.. أسماء يلذّ لنا تلحينها وتعذبُ في السمع والبصرِ..
منذ سنين والسيلة الحارثية تنام على وعدٍ وتصحو على أمل... ترسمهم أطيافاً من شهامة، ومواعيد من عشق، وأغنياتٍ من فجرٍ لا يزول.
هم حديث العاشقين، هم لهفة الأمهات، وهم دموع عينٍ لم تزل تبكي عليهم من ربع قرن!!
هم الأسرى.. وقود الثورة والحرائق.. هم الأسرى..وجع الأحباب وجمر الدقائق!!
هم نشيد أطفالٍ كبروا مع الأسماء دون أن يروها.. وهم رؤى أمهاتٍ ما خانهنّ الوعد والأمل.
حديثُ الأهل الذي لا يُملّ.. حنين أخواتٍ شدهنّ الوجد.. وسؤالات أحبابٍ طال على شرفة الوعد انتظارهم.
هم شريطُ الذكريات...هم ملامح الوطن المتمرّدِ على الباعة والطارئين، وهم صفاءُ الثورة من غير دجلٍ ولا خياناتٍ ولا مراوغة.
من ربعٍ قرن والسجون تحملهم وهناً على وهن..ترقبهم في ساعة العسرة عيونٌ تكتحل بالقدس، وتخبئهم في الشغاف قلوبٌ لا تعرف الانكسار.
هم الأسرى...يأتون في عُتمة اليأس أناشيدَ من أمل،وشموسا من إباء!!
السجن يا أماه ذئبٌ جائعٌ سفاح..
من ربع قرن ونحن نحتمي باليقين من اليأس..ونتشبّث بالأمل لنقاوم كل دواعي الموت التي تملأ فضاءات السجن وزرد السلاسل.
يتناقص الهواء في رئاتنا..تضيق في وجوهنا فُرَصُ الحياة، ويترك القيد والأمراض الفتاكة والغربة آثارها الدامية..تسافر بنا الحافلات ( البوسطات ) المجهزة بالجوع والبرد والاهانات..تطوف بنا أرجاء الأرض المقهورة بحثا عن قيدٍ أكثر سوءا وقسوة، وأكثر غربة وضياعا.
ثمّة مَن يوغل السرطان في جسده، وآخرون يشاهدون أطرافهم تتآكل، وتتوقف قلوبهم عن الحياة!!
السجن يا أماه وحشٌ قاتل سفّاح..
سمومُ الأدوية..غطرسةُ السجان..وحداتُ القمع..العزلُ والقهرُ والغازُ الخانق وغفلةٌ ذوي القربى..وقوائمُ القهر التي لا تَملّ ولا تنتهي!!
القلقُ الدائمُ... والآمالُ المشلولةُ... والأطرافُ المبتورةُ... والأحلامُ المعطوبةُ والذكريات...كل شيء موجعٌ في السجن يا أماه...وكل شيء محزنٌ حدّ الخرافة.
السجن موغلٌ في البؤس يا أماه...وقوافل المرضى على أطراف قبرٍ ينامون...يحلمون بالحياة كما يحلم الناس، ويرقبون الوعد كما ترقبين.
هل سنعانق الأحباب؟..يتساءل الفرسان خلف القيد والموت البطيء...يتساءل رائد وفي أحشائه جيوشٌ من ألم وأمراض مزمنة...تشرئبّ أعناق نعمان وأيمن عساهم يبصرون السيلة وقد تمترس القيدُ دونها...لكنهم سيعودون...من ألف جرحٍ يولدون..ومن ألف قيدٍ سُيبعثون..
هي مرحلة وستمضي... هي محنة ولا بد لها من نهاية..وعلى السيلة أن تتهيأ للعائدين..للقادمين فجرا من أملٍ وحُبٍ وأمنيات.

