الإعلام الحربي- خاص
بين فترة وأخرى تطفو ظاهرة (العملاء) على السطح، وبخاصة حين ارتكاب جريمة اغتيال هنا أو هناك، أو اكتشاف أو قتل أحد العملاء، ودائماً ما تظهر ردة الفعل، بالتصفية، وبين فترة وأخرى نأخذ بالبكاء على الشباب والأطفال الذين يقعون ضحايا (المخابرات) التي مهمتها تجنيد العملاء، وكما قال احد ضباط المخابرات "هذه مهمتي" ولكن ما هي مهمتنا في مواجهة هذه الظاهرة ؟!
سؤال ظل بلا إجابة، منذ بدء الاحتلال وحتى اليوم، هل حاولنا وضع إستراتيجية في مواجهة تجنيد (العملاء) أو الإسقاط؟! هل حاولنا تقديم دراسات علمية عن هذه الظاهرة؟! وهل علينا البقاء في دائرة (رد الفعل بين الفترة والأخرى)؟!
الإجابة معروفة، ما زلنا نركض في نفس المربع، وفي المقابل ما زالت المخابرات تجد سهولة في تجنيد العملاء، وتلقائياً ما زالت الظاهرة موجودة، دون أي اقتراب جدي منها؟!
أساليب المخابرات في تجنيد العملاء، واضحة ومكشوفة ولا تحتاج لكثير من الاجتهاد، وعمودها الفقري (الجنس) في مجتمع محافظ، ويعاني من عقدة الجنس، وكلما ازداد الوضع الاقتصادي بؤساً انحدرنا نحو ، اجتماعياً وتلقائياً ازدادت التربة سهولة في تجنيد العملاء، وربما يأتي في الدرجة الثانية (المادة) وسط وضع اقتصادي يزداد سوءاً.
وإذا كانت الأساليب واضحة، فان الفئة المستهدفة أيضا أكثر من واضحة، وهي فئة (الشباب الصغار) أو فئة المراهقين بالدرجة الأولى، دون أن يعني ذلك أن الفئات الأخرى غير مستهدفة، لدرجة يمكن القول معها أن كل الفلسطينيين مستهدفون، ولكن التركيز يتم كما دلت كل التحقيقات على فئة المراهقين.
وضوح الأساليب ووضوح الفئة المستهدفة، يقود للتساؤل، حول كيفية مواجهة هذه الظاهرة والحد منها، وبخاصة أن كل المؤشرات تدل على أن جهاز المخابرات الصهيوني ينشط في مجال (تجنيد العملاء)، ولا يترك باباً إلا ويحاول الدخول منه؟!
إن سياسة لعن السلطة أو الفصائل أو أي شيء لا تنفع في مواجهة هذه الظاهرة، التي تعتمد على أربع دوائر أساسية:
الدائرة الأولى: "البيت"، فالخلل الأساسي يبدأ من داخل البيت، وهنا تقع المسؤولية على الأب، بالدرجة الأولى أولا في توعية أبنائه، وثانياً في مراقبة مسلكياتهم، وإذا ما تم ضبط البيت، فان المدخل الأساس للإسقاط يتم إغلاقه، ولكن الحاصل، إن غير قليل من الآباء يتركون أولادهم في مواجهة القدر، وحين تقع الواقعة، يأخذون باللطم على (خدودهم) أو الدفاع عن الابن، وهذا الدفاع كما دلت تجارب عديدة يشكل عامل دفع للابن للمضي في طريق العمالة، بدل العودة عنها.
الدائرة الثانية: "المدرسة" ورغم وجود منهاج التربية الوطنية وغير ذلك، فان واقع توعية (الطلاب) في المدارس نحو سياسة تجنيد (العملاء) هو الغائب الأكبر، دون أي سبب واضح، فلا يكفي توعيته وتعليمه حقيقة الانتماء للوطن، بل هناك ضرورة لتوعيتهم باتجاه تحصينهم في مواجهة الإسقاط، وبذلك يتم إغلاق مدخل آخر.
الدائرة الثالثة: "الفصائل الفلسطينية" التي تنشط في اتجاه التعبئة الشوفينية ضد بعضها البعض، ولكن التعبئة في مواجهة سياسة تجنيد العملاء، ما زالت ارتجالية ولم تقترب من المنهاجية العلمية، رغم إن اختراق الفصائل ومجموعاتها العاملة هو (الهدف) الأول من وراء تجنيد العملاء، وفقط حين تقع الواقعة، ترتفع دعوات الانتقام، والقصاص، فلماذا لا تتجاوز هذه الفصائل ذاتها، ولو خطوة صغيرة للاقتراب من مواجهة سياسة الإسقاط، وبالتالي توفير حماية اكبر لنفسها.
الدائرة الرابعة: "السلطة بأجهزتها الأمنية" سواء تلك الموجودة في غزة أو في رام الله تقع عليها مسؤولية كبيرة في مواجهة هذه السياسة، فالبطولة ليست في كشف المرتبطين مع المخابرات (العملاء) فقط، وإنما أيضا في تحمل مسؤوليتها كاملة في التوعية والتثقيف والتعبئة للحد من سياسة المخابرات الصهيونية في تجنيد العملاء.
ليس من الصحيح، القول (الاتكالي) و(القدري) أن كل الشعوب التي تعرضت للاحتلال لا بد أن تظهر بينها ظاهرة العملاء، وذلك في تبرير مستفز لعدم مواجهة هذه الظاهرة، ان كون عمل المخابرات، وتلقائياً تجنيد العملاء، هو عمل سري بالدرجة الأساس، فان الناس العاديين لا يعرفون ماذا يجري حولهم، وتلعب العشائرية دوراً في التغطية على العملاء، والتي تبدأ من البيت وتمتد إلى العائلة لتصل إلى "العشيرة" وأيضا تلعب الفصائلية (العشائرية) دوراً في بعض الأحيان في التغطية، والكتمان، وبخاصة إذا كان الاختراق وصل لدرجة متقدمة، كما دلت بعض التجارب.
ربما ينطوي القول بعدم إمكانية تنظيف المجتمع الفلسطيني من العملاء، ما دام الاحتلال هو سيد الموقف، على نوع من الصحة، ولكن هذا لا يُلغي المسؤولية في الاستيقاظ على إستراتيجية توعية شمولية ومستمرة لمواجهة سياسة تجنيد العملاء، تستهدف البيت والمدرسة والفيصل وجهاز الأمن أيضا.
وغير ذلك، فإننا سنظل نُجيد سياسة البكاء على ضحايا المخابرات الذين سيتحولون إلى مجرمين عبر المشاركة في الاغتيال، أو الاعتقال ...الخ.

