أسرانا أجساد تتحلل وأرواح تنشد باريها

الخميس 16 يناير 2014

كتب الأسير المحرر جعفر عز الدين

 

أكثر من ثلاثون عاماً عدت بالليالي والساعات والدقائق على الكثير ممن أمضوها داخل جدران مظلمة وزنازين رطبة تنخر الصخر ويصدأ الحديد من رطوبتها وفوق كل ذالك تضرب بمطرقة من حديد وترش بين الفينة والأخرى بفوهات الغاز السائل عليهم، الذي يلتصق على الأجساد والفراش وكل محتويات الغرف من أواني للطهي وملابس ومستلزمات الحياة.

 

هذا بالإضافة للقمع المتواصل والتفتيش والتنكيل المستمر دون أن يسمح لهم بالاستقرار والعيش الكريم، كيف لهذه الأجساد الطاهرة أن تتحمل كل ذلك وكيف لهذه الأرواح أن تبقى على قيد الحياة أعواما وأعوام وكأن المعجزات اللاهية غرست بهذه الاجساد لتشهد على وحشية وصلف هذا السجان المجرم .

 

إنهم أسرانا المقاومون من يتذوقون مرارة الظلم والقهر من ذلك السجان الذي يُمارس كل أساليب القمع والقهر دون الالتفات لقوانين ومواثيق تُحرم ذلك العدوان، فكل يوم يخرج عليهم ذلك السجان بألوان متنوعة من أساليب القهر والتعذيب للأسرى ويتفنن كيف يُوقع الألم المتزايد على نفوسهم الصامدة.

 

ليحاول أن يحطم الأمل بالتحرر والوجود، الاحتلال يستخدم أسرانا ليكونوا ورقة ضغط وابتزاز في أمور التفاوض لتحقيق ما يريده من الجانب الفلسطيني وصفقات التبادل، فيستخدم وسائل ضغط وعدوان إما على أهالي الأسرى الفلسطينيين أو على السلطة وعلى من يتولون شؤون وقضايا الأسرى.

 

هم من يقعون تحت تجارب ذلك المحتل ليتعدى على حقوقهم وكرامتهم الإنسانية ليصل لأدنى مستوياته عندما يحاول إجبارهم لأخذ الدواء الفاسد والمنتهي الصلاحية وإجراء تجارب طبية تخدم مصانع أدوية وشركات لبيع الدواء ومعرفة ما إذا كان هذا الدواء ناجع ويصلح للاستخدام البشري أم لا، والذي من المفترض أن يتم إجرائه أعزكم الله على الحيوانات وغيرها.

 

أسرانا هم المعذبون هم من يُسنّ عليهم قوانين وقرارات الكنيست الصهيوني، ويتلذذون في سن ما يَسلب حق الحرية والوجود فتُحَرم الإفراج عمن تُسميهم بموازينها من تلطخت أيديهم بالدماء ومن يُحرم عليهم أن يغادروا سجونها لأنهم تحت قوائمها السوداء الموسومة بقوائم الإرهاب، هم من يقعون تحت التهديد من قبل المستوطنين الذين يسعون لاغتيال من تحرر منهم وحرمانه من حق الحياة لأنه في موازينهم يُشكل الخطر الجسيم على أمن وجودهم وسيطرتهم على الأرض والإنسان.

 

هم من يجعلون من أجسادهم سلاحا يدافعون به عن حقوقهم وحريتهم بإضراب عن الطعام قد وصل إلى خطر الموت المحتم بطول أيامه وساعاته حيث وصل إلى أشهر كما حصل مع خضر عدنان و سامر العيساوي والشراونة وطارق قعدان وجعفر عز الدين وبلال ذياب وثائر حلاحلة وهناء الشلبي والقائمة طويلة من المجاهدين الذين سطروا أروع البطولات والصمود الأسطوري بأجسادهم.

 

وضعوا تحت سلاسل الزنازين لأنهم تحركوا بضمائرهم الحية وشعورهم بالمسئولية اتجاه وطنهم لاسترداد الكرامة والتحرر من ظلم المحتل والدفاع عن حق الأجيال القادمة.

 

هم من يُحرمون من حقهم بالممارسة اليومية لحياتهم كما يمارسها جميع الأحرار، فغُلق في وجوههم باب الحق في التعليم والمعرفة، والحق في العلاج المناسب والسريع، وحق زيارة الأهل والأصدقاء، وحق في الغذاء الصحي السليم والمتوازن، وحق حرية التعبير عن الرأي، وحق العيش في مكان صحي يحمي من الأمراض والعاهات، وحق الدفاع عن النفس بالاستئناف أو الاعتراض على التهم والأحكام، وحق التطلع للنور والخروج في مساحات الضياء لتغذي وجوههم نور الشمس الغائب طويلاً عن الأبدان.

 

تلك الحقوق وغيرها ممن نوعت تشكل المعاناة بين الألم النفسي والجسدي الذي وقع على كل أسير فلسطيني حَرمّته القوانين والتشريعات الإنسانية لكن ذلك المحتل لا يُلقي بالاً لها فهو يُسن ما يُقرره ويسعى لتحقق ما يُريد دون مراعاة للإنسانية وحقوقها على حساب حياة وأعمار أسرانا.

 

إن أكثر من خمسة آلاف أسير فلسطيني يُحاصرون ببنادق الموت الصهيوني ويُسلبون حقهم بالحياة والتمتع بالحرية فلا يلتفت لهم أحد إلا القليل من عالم يدّعى فيه أنه يدافع عن الإنسان ويسعى لبث قيم العدالة وحقوق الإنسان وسيادة الحريات، فالعالم وخاصة المجتمعات العربية صامتة بصوتها عن قضية أسرانا الذين يصرخون كل يوم بصوت آلامهم ومعاناتهم التي لا تنتهي ولا تجيب أصواتهم إلا صدى ألمهم فلا أذن واعية لحجم معاناتهم لتتحرك نحو تحريرهم وفتح أبواب السجون لإطلاقهم نحو فضاء حريتهم ووجودهم.

 

هم من تتحلل أجسادهم الطاهر وهي حية ويشعرون بذوبانها وهشاشة عظامهم ووخزات الإبر المسمومة بعروقهم واستفحال السرطان والأمراض الخبيثة المرسلة لأجسادهم عبر جزارين بلباس ابيض ووحوش بهيئة حمائم لا تعرف الرحمة.

 

صرخاتهم لامست كل مخلوقات ربهم ولم تلامس ولم تلامس قلوب البشر الرحمة، صرخاتهم لامست كل مخلوقات ربهم ولم تلامس ولم تلامس قلوب البشر.