صور.. الشهيد عبد الله السبع: حكاية قائدٌ سطر ملاحم لا زالت حاضرة

الإثنين 24 فبراير 2014

الإعلام الحربي – خاص

 

شرف عظيم أن نفتح صفحات من سير الأكرمين العطرة في ذكرى رحيلهم.. لنجعل منها وقوداً لكل السائرين على درب العظماء.. الذين عشقوا الإسلام والجهاد وفلسطين.. وما بخلوا عنهما حتى بعظيم دمائهم وأشلائهم.

 

نقف اليوم وإياكم على محطة خالدة.. وذكرى عصية على النسيان.. مع قائد فريد قدم أغلى ما يملك في سبيل الله.. ومن أجل مرضاته والفوز بجنانه.. فقدم نجله استشهادياً ونفسه شهيداً وبيته في معركة بطولية شهد لها التاريخ.. عندما أبى الاستسلام والخروج من بيته إلا شهيداً محمولاً على الأكتاف.. كما تمنى وأحب للقاء الله.

 

نلتقي اليوم لنتذكر عنفوان شهيدا لم يعرف للرّاحة سبيلاً.. شهيدٌ عرفناه عنْ قرب حيث كان يعشق الشهادة ويتمنى لقاء الخلود كلّ لحظة.. نلتقي اليوم لنحفر في ذاكرتنا هذا القائد الأصيل الذي عشق حبّ الجهاد ليُحافظ على كرامة الوطن وليُحافظ على جذوة الجهاد مشتعلة.. فمسْكه الطّاهر ما زال يفوح في كلّ أرجاء الوطن المبارك.. ليزرع فينا سنبلة العشق لطهارته وأصالة معدنه.. فمنْ منّا ينْسى هذا القائد الفذ، سبع فلسطين، انه الشهيد القائد عبد الله السبع "أبا مصعب". 

 

الأب القائد.. الابن المجاهد

يومان فقط فصلا  بين استشهاد الابن المجاهد والأب القائد، حيث استشهد الابن البكر "مصعب" فجر يوم الجمعة ٢١ / ٢/ ٢٠٠٣ م، خلال تنفيذه عملية استشهادية لسرايا القدس في معبر بيت حانون "ايرز"، قبل أن يجن جنون الاحتلال وجنوده ليعلنوا الحرب على بلدة بيت حانون، للانتقام من والد الشهيد الذي كان يقف خلف عملية ابنه "مصعب"، ومع ذلك رفض الشهيد القائد الكبير مغادرة البلدة وأصر على البقاء داخل منزله ليواجه جنود الاحتلال وجها لوجه، رغم النداءات الكثيرة التي طالبته بالانسحاب من المكان.

 

وظل ينتظر تقدم قوات الاحتلال المدججة بالدبابات والطائرات والصواريخ صوب منزله، وعندها بدأت المواجهة التي استمرت نحو سبع ساعات خاض خلالها شهيدنا قتالا ضاريا ضد قوات الاحتلال الغازية، قبل أن يتمترس في أحد زوايا المنزل متزنرا بحزام ناسف وقطعة سلاح من طراز (كلاشينكوف) وعدة قنابل يدوية ليفجر نفسه في قوات الاحتلال حال دخولها المنزل، إلا أن تلك القوات المسكونة رعبا وخوفا وجبنا، لم تجرؤ على دخول المنزل وعملت على قصفه بالصواريخ عن بعد مما أدى إلى استشهاد المجاهد الأشم "أبا مصعب" لتبكيه بيت حانون ببياراتها وحواريها وشبابها وشيوخها، وليخرج في وداعه عشرات الآلاف من أحباب الشهيد ومشروعه الجهادي المقاوم.

 

لحظة انتظرها منذ 50 عام

وفي تفاصيل المعركة التي خاضها الشيخ القائد ابو مصعب تحدثت زوجته الصابرة لـــ"الإعلام الحربي" قائلة: " لقد علم قبل ساعات أن جيش الاحتلال اعد عدته لاجتياح المنطقة لاعتقاله أو قتله، على اثر العملية الاستشهادية التي نفذها نجله مصعب، لكنه رفض بشدة الهروب، وأصر على البقاء في المنزل متزنراً بحزامه الناسف، وسلاحه (الكلاشينكوف)، وبعض القنابل اليدوية".

 

وتابعت الزوجة قولها: "طلب مني بعد أن عانق كل طفل من أطفاله عناق حار، وبعدما رسم على جبهتهم قبلة الوداع، أن أذهب وإياهم إلى منزل جدهم الذي يبعد عنا بضع مئات من الأمتار، لكنني رفضت بشدة الخروج من البيت، وأصررت على البقاء معه، لكنه ألح علي بالذهاب من أجل رعاية أبنائنا من بعده، قائلاً "إنها اللحظة التي انتظرها منذ خمسين عاماً، ألا تحبين أن تريني في الفردوس الأعلى مع الحبيب المصطفى "صلى الله عليه وسلم؟".

 

وأضافت الزوجة الصابرة والمحتسبة:" لقد تضاربت الأنباء وقتها عن مصير زوجي بعد سبع ساعات من المواجهة والصمود، فبعضهم ادعى انه هرب من المنطقة لحظة وصول رتل الدبابات، والبعض الآخر اعتقد انه اعتقل بعد إصابته، لكنني كنت واثقة أنه نال شرف الشهادة في سبيل الله".

 

وأشارت أم مصعب إلى أنها رغم مرور 11 عاماً على استشهاد زوجها ونجلها البكر، لم يغب طيفهم عنها للحظة.

 

سبقني بالشهادة

ومن جانبه تحدث نجله "مجاهد" ٢٦ عاماً عن اللحظات الأخيرة من حياة والده المفعمة بالتضحية والفداء، قائلاً لـ"الإعلام الحربي":" لقد استقبل والدي نبأ استشهاد شقيقي مصعب بكل صبر وافتخار، حيث كان يطلب من القادمين إلى عرس شقيقنا أن يهنؤنه باستشهاد فلذة كبده، لا أن يعزوه، لكنني تفاجئت عندما استيقظت لصلاة الفجر، ورأيته يضع يديه على رأسه وهو يبكي بحرارة، فقلت له " يا أبي لماذا تبكي؟، وأنت من كنت بالأمس توزع الحلوى وتطلب من الناس أن تهنئك باستشهاد شقيقنا، فقال: أنا لا ابكي على فراق شقيقك، لكنني ابكي لأنه سبقني إلى الشهادة في سبيل الله".

 

وأكد "مجاهد" أن والده كان حريصاً على تربيتهم تربية إسلامية، من أجل ايجاد جيل قرآني فريد قادر على تحمل الصعاب وقيادة السفينة من بعده، مشيراً إلى انه كثيراً ما كان يجلس معهم بعد صلاة العشاء ليعلمهم قراءة القرآن، و يقدم لهم النصيحة على شكل قصة من قصص الصحابة رضوان الله عليهم، من أجل الاقتداء بهم والسير على خطاهم.

 

في حين عبر نجله "مقاتل" عن فخره واعتزازه بما قام به والده وشقيقه من عمل جهادي في سبيل إعلاء راية التوحيد والدفاع عن فلسطين، مؤكداً أن والده زرع فيهم صفات الإيمان والطاعة والرجولة وحب الوطن.

 

وقال "مقاتل" قد بدت عليه رباطة الجأش والشكيمة :" لقد استشهد والدي وأنا في السادسة عشرة من عمري، ولكنني لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي جلس فيه معي ليحدثني عن فضل الشهيد ومكانته وما أعده الله له من ثواب وأجر عظيم".

 

سأحقق أمنيته

بينما تذكر نجله "شهيد" اللحظات التي عاشها مع والده، قائلاً " لقد استشهد والدي وأنا عمري لا يتجاوز السبع سنوات، لكنني لا زلت أذكر تلك اللحظات التي كان يصطحبنا فيها إلى المسجد، ويجلس معنا ليعلمنا قراءة القران"، مؤكداً انه رغم ما تقوم به أمه وأشقاؤه من دور عظيم إلا انه كثيراً ما يشعر انه بحاجة إلى حنان والده، ولكن ما يصبره أن والده قد اختار طريق الشهادة في سبيل الله.

 

أما نجله الصغير"رضى الله" فقال :" أنا لا أذكر والدي لأنه استشهد وأنا طفل صغير، لكنني أحبه كثيراً لأنه مات بطلاً "، وأضاف " والدي كان يتمنى أن أصبح مهندساً، هكذا قالت لي أمي، وأنا حريص على تحقيق أمنيته".

 

                                         سيرة عطرة    

كان شرف عظيم للشهيد القائد عبد الله السبع أن يكون ضمن النواة الأولى التي آمنت بخيار الإيمان والوعي والثورة ويعمل دون كلل أو ملل ليرسي قواعد تلك المعادلة السامية في قلوب وعقول "جيل العقيدة" العائد من عبق التاريخ ليعيد صياغة المرحلة من جديد بدمائه وأشلائه وآهاته التي تملأ الدنيا.

 

فقد انتمى الشهيد عبد الله السبع إلى حركة الجهاد الإسلامي في مطلع الثمانينات، وكان من الأوائل الذين تتلمذوا على يد الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي. فتشرب أفكار الجهاد الإسلامي وتربى عليها فزادته وعياً وإدراكاً فكان من الجنود المخلصين والمتفانين. ومضى مع حركته مجاهداً وأفنى معها زهرة شبابه فأضحى قائداً من قادتها، ورمزاً من رموزها الفاعلة والنشطة في كل الميادين.

 

كما اعتقل الشهيد من قبل الاحتلال الصهيوني في العام ١٩٨٥ لمدة ٦ أشهر على خلفية نشاطه المقاوم  كما اعتقل الشهيد مرة ثانية في العام ١٩٨٧ من قبل الاحتلال الصهيوني وحكمت عليه المحكمة الصهيونية بالسجن سبع سنوات قضاها كاملة في سجون الاحتلال. وذلك بتهمة تقديم المساعدات والسلاح للشهيد القائد مصباح الصوري وإخوانه الشهداء الذين كانوا قد حرروا أنفسهم من سجن غزة المركزي في أيار/ مايو من العام ١٩٨٧ .

 

وعقب خروجه من سجون الاحتلال تعرض لمحنة الاعتقال مرة أخرى ولكن هذه المرة على أيدي أجهزة الأمن الفلسطينية حيث أمضى في سجونها قرابة العامين بتهمة الانتماء لفلسطين التاريخ والهوية والعقيدة. وقد شغل الشهيد مناصب عدة في صفوف حركة الجهاد الإسلامي كان آخرها عضوية مجلس شورى الحركة في قطاع غزة.

 

لقد كان ميلاد شهيدنا نور ونار، نور أضاء سماء فلسطين بجهاده وتضحياته، ونار أحرقت بلهيبها الاحتلال، فقد ولد الشيخ المجاهد عبد الله محمد محمود السبع في ٢٩ / ٣/ ١٩٥٣ م. حيث ينتمي لأسرة مقاومة هجّرت من قريتها في الأراضي المحتلة منذ العام ١٩٤٨ ، قبل أن يستقر بها المقام في بلدة بيت حانون البوابة الشمالية لقطاع غزة. وتلقى شهيدنا مراحل تعليمه المختلفة في مدارس البلدة وحصل منها على شهادة الثانوية العامة.

 

وينتمي شهيدنا المجاهد إلى أسرة عمّدت تاريخها بالجهاد والمقاومة، حيث استشهد اثنان من أشقائه التسعة، وهما يدافعان عن ثرى الوطن المبارك، كان أولهما شقيقه البكر "طلال" في العام ١٩٧٦ م، في عملية فدائية، و"جبر" الذي استشهد في ١٣ / ١٢ / ٢٠٠٠ م، مطلع انتفاضة الأقصى المباركة، على حاجز التفاح غرب مدينة خان يونس.