الإعلام الحربي – خاص:
لكل حادثة حكاية، ولكل حكاية رواية خاصة، ولكل رواية أبطال جسدوا بطولاتهم ضمن هذه الحكاية ،ولكن عظم الحادثة غيبت ولو لوهلة من بزوغ فجرهم للأمة، ولكن حسبهم أن الله يعلم سرائرهم ونجواهم ، فلم تضعف عزيمتهم رغم حجم الحرب الذي تعرض لها قطاع غزة، بل صبروا وثبتوا وتمترسوا في مواقع رباطهم، إلى أن اصطفاهم الله شهداء، يتنعمون بالفردوس الأعلى ، بعدما تجهزوا في دنياهم، وساروا على درب القادة العظماء.
الحديث عن الشهداء صعب، فهم جذر الأمة وملح الأرض، وملامح فلسطين. فكيف نبدأ عن هذه الأشلاء المباركة والفتات المقدس، لا يمكن أن نجد أفضل من قول الله تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عن ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
ولا يمكن أن نجد استهلالاً أفضل من هذا للحديث عن الشهداء، وللحديث عن هذه النسمات الطيبة المباركة التي يطيب مسكها وجع قلوبنا ويحجر الدموع في مآقيها.
كلما أريق دم الشهداء لينغرس في ثرى فلسطين ويتلاشى في أحشائها تتمايل أغصان الشجر على أنغام الشهادة، وتخلد الطيور في أعشاشها لتعزف لحن الحياة والخلود.
كلما أريق دم الشهداء خفت ضوء الشمس النابض، وتلاشى خلف الغيوم السوداء، ليفسح لبريق الشهداء دروباً تنير أرجاء الكون بنورها الأخاذ، وتغمر الكون السكينة، ويملأ عبق الشهداء الأرض، ولا يبقى على وجه الخليقة إلا ملامح الشهداء يوزعون رحيقهم وأشلائهم، ويملئون الأرض صفاء وضياء، ويعتلون أيامنا وثواني عمرنا، ويعلموننا كيف نكتب سطور العيش بدمائنا، وكيف يبقى شلال الدم زاحفاً على وجه الأرض ليوزع على جنبات الكون معنى الحياة الجميل، وينبت زرعها الأخضر ليثمر براعم الأمل ويفك رموز أحلامنا الجميلة.
الشهداء وحدهم لا يعرفون معنى الهزيمة والانكسار، الشهداء وحدهم تبقى هاماتهم تعانق قمم السماء، الشهداء وحدهم يوزعون زهرات الربيع وينثرونها فوق هاماتنا ليعلمونا كيف نشق طريق النصر وسط الجبال والصخور.
وللفارسين " عوض أبو نصير" و" حسن القطراوي" تنحني الأقلام إجلالاً وإكباراً لصنيعهم فلا يمكن لمداد البحر أن يكفي ليعطي لهم حقهم مهما تعالت الكلمات، وبحثت العقول في قواميس اللغة، فهم أكبر من كل الكلمات.
السلام على دمك المنثور نوراً "أبا همام" ..
السلام على أشلائك الملتهبة ناراً" أبا مسلمة" ..
"عوض" و "حسن" رجالُ لم يتركوا للتاريخ أن يصنعهم بل هم صنعوا التاريخ بدمائهم وأشلائهم الطاهرة الزكية وسطروا اسطع صفحات المجد والبطولة والفداء والبذل في سبيل الله رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فهم يمضون في طريق ذات الشوكة بل إقدام وبسالة هكذا تربوا علي موائد الإيمان والوعي والثورة.
إنه العطاء الذي لا ينضب, عطاء شقه " أبو همام" و " أبو مسلمة" بدمائهم الطاهرة , وسلكه العابدون والمجاهدون من بعدهم بإيمانهم وإخلاصهم, ليجودوا بأغلى ما يملكون ؛ الأرواح التي لا تباع إلا لله لأن سلعتها الجنة وإنا لنراها دون فلسطين , فطريقنا لا يعرف سوى شعبتين جهاد حتى الشهادة أو مواصلة حتى النصر والتمكين.
قدرنا التضحية والفداء ..!!
ففي بيت عزاء الشهيد عوض أبو نصير وقف والده الحاج أبو أكرم "60" عاماً يستقبل وفود المعزين ولسانه ينطق بكلمات الحمد والثناء على اصطفاء الله لفلذة كبده، وقال :" لم أتفاجئ باستشهاده نجلي، لأنني كنت أتوقع سماع هذا النبأ المؤلم في كل لحظة يخرج فيها من البيت".
مؤكداً أن نجله تعرض لعدة محاولات اغتيال فاشلة، وأصيب إصابة خطيرة في عنقه أثناء تصديه لأحد التوغلات في المخيم.
حينما سألتُ الحاج أبو أكرم عن صفات ابنه صمت قليلاً ، ثم تساءل بحسرة من أين يبدأ ؟، فقال " عوض كان مثال للابن البار المعطاء بلا حدود، يؤثر أهله ومن حوله على نفسه، وكان هادئٌ متواضع متزن راض بقضاء الله وقدره مثال للرجل الصابر المؤمن المحتسب البار المطيع ".ويذكر أن أبو نصير متزوج وزوجته حامل في شهرها الخامس.
ويكشف مسئول في سرايا القدس عن وقوف عوض أبو نصير على رأس مجموعة من مجاهدي سرايا القدس وراء تنفيذ عشرات العمليات الجهادية ضد قوات الاحتلال على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة.
ألم الفراق
قد خيمت أجواء من الحزن والأسى الممزوجة بمشاعر الفخر والاعتزاز بيت عزاء الشهيد حسن القطراوي الذي جاء استشهاده في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد شقيقه علاء، وفي الوقت الذي كانت أسرته تتهيأ لإتمام مراسم زواجه المقرر عقده نهاية هذا الشهر، ليأتي نبأ استشهاده فاجعة وصدمة شديدة ألمت بأسرته الملكومة.
وحاولت الحاجة أم شادي أن تلملم جراحها وتستجمع قواها في محاولة لإخفاء ملامح الحزن الذي ارتسمت على قسمات وجهها وطغت على نبرات صوتها قائلة:" إنني كما كل أم فقدت فلذة كبدها، ينتابني شعور بالحزن والأسى، فقلبي يكاد يتفطر ألماً على فراق أبنائي، لكن ما يخفف حزني ويهون عليّ مصيبتي أنهم قد نالوا شرف الشهادة في سبيل الله".
وأضافت الأم :" هذا قدري أن أكرمني الله بأبناء مجاهدين لأودعهم الواحد تلو الآخر شهداء على مذابح والحرية والفداء".
فيما قال والده الحاج أبو شادي الذي بدأ رابط الجأش رغم حزنه الشديد:" نحن ودعنا ابننا بكل فخر، لأنه اختار دربه درب الجهاد والمقاومة، درب الشهداء العظام، على قناعة وإيمان، و سلكه ابتغاء لمرضاة الله" .
في حين تحدث شقيقه "شادي" عن اللحظات الأخيرة التي قضاها مع الشهيد، قائلاً :" كان أخي حسن من الشباب التواقة للقاء الله فلم أكن في الآونة الأخيرة من حياته أراه أو اجلس معه بسبب غيابه المتواصل عن البيت، ونظراً لمشاركته المتواصلة في الرباط على الثغور".
وأضاف :" ولكن شاءت الظروف أن أذهب وإياه قبل يوم من استشهاده إلى قبر شقيقنا الشهيد علاء، حيث جلسنا في ذات المكان الذي دفن فيه، وهناك بدأ يتذكر رفاقه الذين سبقوه بالشهادة، قائلاً " كنا وإياكم نزور مقابراً، فمتم وزرناكم وغداً سيزورونا"، وكأنه بتلك الكلمات كان ينعي نفسه" مؤكداً أن شقيقه طالما حدثه عن الشهادة وفضل الشهداء عند الله، وإلحاحه عليه بالدعاء له بنيل هذا الشرف العظيم، واللحاق بركب الشهداء ممن سبقوه على ذات الشوكة.
سلام عليكم في الخالدين " أبا همام" وأبا مسلمة" ، سلام على الأرواح التي سالت مسكاً لتنير لأمتنا عتمة الليل الطويل إنا على العهد ، لن نبيع ولن نهادن ونقول بأعلى أصواتنا سيخلف القائد ألف قائد ويحمل اللواء فارس جديد ، ولن نبيع الأرض وسنبقى نقاوم ولن ننكسر مهما حِيك ضدنا وسنمضى بإذن الله نحو الفردوس بأشلائنا المتناثرة، بأرواحنا الصاعدة لبارئها ونشدد على أن القتل في سبيل الله حياه، فما أعظم اللقاء على حوض الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، ما أجمل أن نجتمع ونحن نردد الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر، طوبى لكم أبا همام وأبا مسلمة وطوبى لجهادكم وجهاد سرايانا المظفرة الضاربة في عمق يهود.

