66 عاماً على النكبة .. وما زالت الدماء تنزف
بقلم/ أحمد اسماعيل
في كل عام يحتفل الشعب الفلسطيني في كل بقاعه بذكرى النكبة.. لتبقى بلاده حاضرة في ذاكرته، ولكي تبقى شعلة الذكرى في الوجدان حتى لا تنساها الأجيال القادمة.. لكنها تجيء هذا العام بشكل مختلف عما سبقها وبشكل آخر يبشر بالخير القادم بإذن الله.. تجيء الذكرى هذا العام وقد شاهدنا جميعاً ربيع التغيير قد اجتاح المنطقة وأحدث ما أحدث.. لكي تنتهي حقبة نكدة في تاريخ الشعوب العربية بشكل عام وفي تاريخ القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بشكل خاص.. فتلتقي دماء الثوار هناك مع دماء الأحرار هنا لكي يمتزج هذا الدم فيولد ثورة حقيقية تشعل الأرض تحت أقدام العدو وأعوانه في كل المنطقة.. فالشباب الثائر هو الذي قاد ويقود المعركة اليوم وفي كل مرحلة، وهو الذي يحرك المسيرة بالشكل الذي يريد بعيداً عن دهاليز السياسة المرتهنة لقوى الشر في العالم.. الشباب الثائر هو الذي أخد بزمام الأمور ليقول للعالم كل العالم، بأننا نحن جيل أسامة الذي أطلقه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.. نحن جيل البعث الذي سيسوم المجرمين سوء العذاب ولن نتنازل عن أي حق من حقوقنا، وسنقود المعركة دون وجل من أي قوة على وجه الأرض مهما كلفنا ذلك من ثمن.. وها هي بشائر هذا الجيل تعم المنطقة وقد اجتاحت منذ سنين كل العواصم تلبية لنداء الحق بالتغيير.. وتحقيقاً لقول الحق في هؤلاء المجرمين وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً فها هو جيل الشباب يجابه قوى الطغيان وعلى كل الاتجاهات وفي كل المحاور لا يأبهون بإجرام هؤلاء الطواغيت الذين لا يعيشون إلا إذا سفكوا الدماء، ظناً منهم بأن سفكهم لدماء الأبرياء سيبقيهم على عروشهم التي لن تجلب لهم إلا العار والذلة والمهانة..
ها هي الذكرى تأتي في لحظات تاريخية من تاريخ الأمة، حيث عروش الأنظمة نُكّست بعد سنين طويلة من الظلم والقهر والعذاب.. فتُخلع عن عروشها بعد أن نفضت الشعوب الغبار عن كاهلها، وبعد أن قتلت الخوف الذي زرعته قوى الاستبداد في نفوسها، لتقول لكل العالم بأنّ الثائر الحرّ لا بد وأن يصرخ صرخة الحق في وجوه كل الطواغيت والمستبدين.. ويجب أن يرفع سيف الحق في مجابهة أنظمة الاستبداد والقمع ليقاتل من أجل أن تعيش الأمة بحرية كاملة بعيداً عن التبعية المذلة والتي جعلت الشعوب تقف على أبواب الطغاة يستجدون حقهم ولقمة عيشهم؟!.. تأتي الذكرى وبشكل مختلف عما سبقها، حيث كل الحدود اليوم تثور على هذا الكيان الغاصب لهذه الأرض الطيبة والمباركة.. فيشتعل حدود الوطن ليشهد بالدم الزكي الذي سفك على أبوابه على إجرام هذا العدو وعلى نيران الغدر التي أصابت ثوار الحدود في بعض المحاور من قبل؟!.. تأتي الذكرى ليبتكر جيل البعث خطوات جديدة ليحيط بكل حدود الوطن فيرتبك هذا الكيان حتى يفقد صوابه، فيسفك دماء الثائرين بكل صلف وعنجهية ليثبت بأنه عدو لا يعرف للإنسانية معنىً.. وليثبت بأنه كيان لا يقوم إلاّ على سفك دماء الناس الذين لا ذنب لهم سوى أنهم يطالبون بحق العودة لديارهم التي هُجروا منها، حيث أنهم متمسكين بها مهما على صوت الرصاص الغادر والجبان.. تأتي الذكرى في ظل وحدة اللحمة بين الشعب الفلسطيني بعد هذا الفراق الأليم، لتكون صفعة جديدة لهذا العدو الذي سخر كل شيء من أجل أن ينهي هذه اللحمة ليسود جبروته وطغيانه وظلمه.. فتخرج الجماهير في كل بقعة من بقاع هذا الوطن المبارك والمنكوب، في مشهد كنا نتعطش إليه منذ زمن لا يفرقهم أي لون، بل كل الألوان مجتمعة وكأنها لون واحد في وجه هذا الكيان الغاصب.. تأتي الذكرى وبيت المقدس يئن وجعه وألمه فينادي على العاشقين ليصطفوا صفاً واحداً فلا فرقة بعد هذا النداء العظيم.. فبنداء القدس نجدد لقاءنا.. وفي عام جديد للذكرى نشق طريقنا لتزدهر حياتنا بأهازيج القدس الراسخة في وجداننا.. ولنبدأ صباحه بنغمات الوطن التي تبعث في القلوب إيماناً وحباً وعشقاً وثورة..
بنداء القدس وبخيوط هذا العام للذكرى نلتقي.. لنواصل درب محبوبتنا منذ سورة الإسراء وعشق الشهداء.. مروراً بصلاح الدين وابن الخطاب.. وثورة القسام ومسك الشقاقي.. هذا عهد الأحرار نمضي به لم ولن توقفنا صيحات اللاهثين وراء حلول السراب.. هذا عهد النبوة نقشناه في أعماقنا ولن تجبرنا كل نداءات الخائبين الذين يتراقصون على أنغام الجراح والعذابات، من أجل أن يُكرسوا ذواتهم المشحونة بالسُمنة، والتي تنفّخت كروشهم من معاناة من يتباكون على جراحهم.. ويتغنون بآلامهم.. فلا فرق بين تباكيهم وبين ضحكات من أبكوهم.. فشعبنا ليس بحاجة إلى دموع مزيفة لا ترقى إلى سحابة عابرة تمطر بخيرها نحو الفقراء والمساكين، ليرووا قلوبهم بعد سنين التعب والآهات بنسمات عبيرها المتدفق من عمق السماء..
بنداء القدس نواصل مشوارنا لنرسم بسمة على شفاه المحرومين، ليكسوها عبق الشهداء الذين رسموا في أيامنا أمل النصر القادم من عنبر دمائهم المتناثرة على جدران الوطن.. فهم عنواننا الكبير نحو المجد والعشق، مُحصّنون في أعماق قلوبنا، لن ننساهم كما النّاسون!.. ولن نخذلهم كما المتباكون على الوفاء لأرواحهم التي جعلت منّا عنواناً للأمة.. هم نداؤنا.. وهم عشقنا.. هم فرح المنكوبين والصابرين، وهم نجوم ومصابيح ليالينا..
بنداء القدس نزرع سنابل الزيتون على ربوع الوطن المستباح، ليُضيء بسراجه نفق التائهين العاشق للقتامة المنبعثة من سواد لياليهم.. وليعطي للفقراء طعماً جديداً لخبز الطابون الذي ملأ حياتهم كدحاً وشوقاً وعشقاً.. فهو عزّ أيامهم.. وكرامة حياتهم.. ومنه نشتم مسك الزعفران لتفوح رائحته أزقة وشوارع من عشقوا جراحهم.. وعزفوا بها لتكون نشيداً صباحياً يشدوا به كل من عشق الوطن، وسار نحو هذه المحبوبة التي شغفت قلوبنا حباً، لنعرج بعشقنا متلألئين بنجوم أرواحنا التي نمت على هدي محمّد، وشربت لبن المجد، لنرسم فطرة الحياة في قلوب من ضلوا وفرّقتهم أوهامهم..

