جاء رمضان وهلّ قدومه المبارك.. والأمّة تعيش حالة الانقسام والتشرذم والتّيه.. غير آبهين بتاريخهم المُشرق.. جاء رمضان برحماته، وعفوه ومحبته، وأواصر الأمّة مُقطّعة، وهذه المعاني النّبيلة، غائبة تماماً فيما بين النّاس.. والوطن مقسّم ومشتّت، وحالة الضياع جليّة لا ريب فيها..
جاء رمضان.. الموحِّد لكلّ الجهود ومُلملمها، والأمّة تعيش حالة الفلتان الرّهيب وعلى جميع المستويات.. حيث أنّ كلّ الجهود اليوم مُبعثرة هنا وهناك.. وكلٌّ يدّعي لنفسه أنّه صاحب الحقّ، والحقّ منْهم براء..
جاء رمضان.. ليعلّمنا كيف نجسّد معاني الإخوّة الحقيقيّة فيما بيننا، وليعلّمنا كيف نتعالى على جراحاتنا، وآلامنا وآهاتنا، وليعلّمنا أنّ العفو والتّسامح، هي سمة المؤْمنين، الصّادقين، الخالصين المُخْلَصِين، خاصة ونحن نعيش تحت هذا الاحتلال الغاصب لديارنا ومقدّساتنا.. ويُمارس أشدّ أنواع العذاب، والقتل، والتّدمير بحقّنا.. وليعلّمنا أنّ المحبة، والمودّة، والإخاء والإيثار، هي الأصل بين أبناء الأمّة كلّ الأمّة.. جاء ليكون هدىً للنّاس، وملهماً، وروحاً بكلّ ما يحمل منْ معانٍ جميلة وعظيمة..
جاء رمضان.. ليمسح مسحة رفق وحنان على هذا الوطن المسكين، واليتيم والحزين.. وليعطيه دفعة ربّانيّة، للثّبات أمام كلّ المؤامرات التي تُحاك ضدّه.. وليكون عصيّاً على كلّ المهاترات التي تحدث في ربوعه المباركة.. ياربّ.. أتيناك مُقبلين، نقف على بابك.. نطمع في نظرة منْ نظراتك المباركة.. فلا تخيّبنا يا إلهنا ونحن الذين نحبو حبوَ المتعطّشين لمغفرتك ورضوانك، لنجدّد العهد المقدّس مع إلهنا المقدّس..
فيا رمضان.. يا شهر الجهاد.. يا حُبّ الأيتام والمساكين.. يا دفء الفقراء والتّائهين.. ويا مِلح العاصين المذنبين.. جئتنا ونحن في أشدّ الشوق إليك.. ننتظرك منذ زمن، لتعيد لنا كرامتنا التي هانت على الجميع.. فيا ياسمين العبادات.. ويا مسك السّالكين البكّائين.. يا رياحين الأرواح.. يا مُطهر القلوب منْ أدْرانها.. يا عنبر أفواه المؤمنين.. يا توبة المجدّدين.. يا فرحة ورزق الفقراء والمسحوقين.. يا سواك الطّاهرين المُطَهَّرين.. جئتنا لتزيدنا تقرّباً لخالقنا، علّه ينظر إلينا برفق وحنان، بعد أنْ عشنا زمناً من القهر، والحرمان والعصيان..
جئتنا لتدفعنا أنْ نقف وقفة صدق بين يدي الله، مالك الملك.. ليغفر لنا ما قدّمنا وما أخّرنا.. ولنتوجّه له سبْحانه وتعالى، ونحن نعيش حالة الذّلّ والقسّوة والانكسار.. علّه يعطف علينا، ويعزّنا، ويرحمنا ويجبرنا.. جئتنا ونحن مشتاقون للياليك المباركة، لتجدّد روح القيام في نفوسنا.. ومسْك البكاء في عيوننا..
فتوجّهنا إليْك يا ربّ.. وأنْت تنظر إلى عبادك في كلّ ليلة.. لتجدنا ننتظر رحماتك.. فتنادي نداء المشفق على عباده.. في لحظات يسودها السّكون الدّافئ.. نداء يملأه رأفتك، وحنانك المقدّس والمبارك.. هلْ منْ تائب فأتوب عليه.. هلْ منْ مستغفر فأغفر له.. هلْ منْ داعٍ فأستجيب له.. فنناجيك، وعيوننا تذرف دموع التّائبين والمستغفرين.. ونهتف بشغف واشتياق وحنين..
يا ربّ.. يا إلهنا ومولانا وخالقنا.. منْ لنا غيرك يرحمنا.. منْ لنا غيرك يشفق علينا.. جئناك ونحن الذين عصيناك، نرجوك ونتوسّل إليك، أنْ تغفر لنا خطايانا وذنوبنا، وأنْ تمسح بلطفك على قلوبنا بعد أنْ غطّاها الدّرن.. وأنْ ترشق في أرواحنا شفافيّة البكّائين.. ندعوك، ونرجوك، ونناجيك بقولك الحقّ ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾. فبهذا القُرب يا ربّ امنحنا غفرانك، وتوبتك، واعطف على عبادك المحرومين.. فليس لنا سواك يا الله.. أنْت وليّنا ومرشدنا.. أنْت ناصرنا ومعزّنا.. فاجْعلنا منَ الذين كُتب لهم رحمة في أوّله.. ومغفرة في أوْسطه.. وعتق منَ النّار في آخره.. واجْعلنا منَ الذين نالوا ثوابه العظيم..
فهذا شهر البيعة.. فلنجدّد بيعتنا مع الرّحمن الرّحيم

