من الواضح أن هناك من يريد بيع إصرار السلطة (حتى الآن بالطبع) على رفض العودة إلى طاولة المفاوضات بوصفه نوعاً من البطولة والصمود والإصرار على الثوابت، متجاهلاً أنه بذلك يدين نفسه أكثر من أي شيء آخر، إذ لماذا لم يكن هذا الشرط قائماً منذ أوسلو، ولغاية الآن، وهي المرحلة التي شهدت أكبر عملية استيطان في تاريخ الاحتلال للضفة الغربية، ولماذا لم يوضع هذا الشرط على الطاولة بعد مسيرة أنابوليس، وبخاصة سنوات أولمرت الذي كانت حكومته الأكثر نشاطاً على هذا الصعيد باعتراف الدوائر الصهيونية ذاتها؟
ليس مهما ذلك كله، فهم يعولون دائماً على ذاكرة الجماهير القصيرة، لا سيما ذلك الجزء الذي يرفض الاعتراف بفشل خيار التفاوض والاعتراف المجاني، في حين يصعب علينا نحن أن ننسى، ليس فقط لأن القصة أصلاً لا تزال حديثة، ولم يتطاول عليها العمر، بل أيضاً لأننا مقتنعون بأن عودة القوم إلى التفاوض ليست بعيدة بحال تبعاً لنبذهم الحاسم للخيار الآخر.
أسوأ ما في هذا المشهد الذي ورثناه من أوسلو، وتالياً أنابوليس في ظل القيادة الجديدة التي سيطرت على منظمة التحرير بعد عرفات وأعلنت القطيعة مع خيار المقاومة والانحياز الكامل لخيار التفاوض، أسوأ ما في المشهد المذكور هو أنه لا يلد غير المصائب، سواء فاوض القوم أو تمنّعوا واشترطوا وقف الاستيطان.
إذا فاوضوا وباعوا وهمْ السلام، وسمحوا لدولة العدو بتسويق نفسها كدولة محبة للسلام، فإن النتيجة هي المزيد من التطبيع مع العالم العربي والإسلامي، والأسوأ مزيدا من الاستيطان والتهويد الذي يتحرك بشراسة في ظل المفاوضات، بينما يتراجع في ظل المقاومة والانتفاضة.
أما إذا رفضوا العودة إلى طاولة التفاوض قبل وقف الاستيطان، فإن هذا الأخير لن يتوقف، اللهم إلا بطريقة نتنياهو التي أعلن عنها (تجميد جزئي لمدة عشرة أشهر يستثني القدس ويستثني قرارات البناء القديمة التي تخرج من الأدراج تباعاً، مع رفض المستوطنين الالتزام الفعلي بقرار التجميد).
سبب ذلك أن الاستيطان لا يتوقف كما قلنا إلا في ظل المقاومة والانتفاضة، وهذه غير موجودة ولا متوفرة باستثناء "الشو" التقليدي في بلعين ونعلين، وعدم وجودها لا يتعلق بتقاعس الشعب الفلسطيني وتراجع قابلية التضحية بين أبنائه، بل يتعلق باستمرار التنسيق الأمني ومطاردة المقاومين من الفصائل، وأخذ التعهدات من الفتحاويين منهم بعدم العودة إلى "العنف".
إذا كان التنسيق الأمني ماضياً بكل تلك الحماسة، ومعه مطاردة المقاومة وتهدئة الوضع، والحرص على الاستثمار وبناء المؤسسات، بحسب تعبير سلام فياض، فلماذا يوقف الصهاينة الاستيطان؟ نعم لماذا يوقفوه بينما يطارد عدوهم مسار الدولة العتيدة، ليس على حدود الرابع من حزيران، وبالشروط الثمانية كما يردد كبيره في كل خطاب، بل على (مناطق أ و ب) أو حدود الثامن والعشرين من أيلول عام 2000، أي تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى؟، هذا هو ما يطاردونه عملياً برعاية الجنرال دايتون، والسيد توني بلير، بينما يتوسل السيد جورج ميتشيل إلى نتنياهو على أمل أن يمنح القوم مزيداً من الحوافز (إزالة بعض الحواجز، تسليم الإدارة الأمنية لمزيد من المناطق، الإفراج عن بعض المعتقلين)، وذلك كي يحسّنوا وضعهم الداخلي ويعودوا بجرأة إلى طاولة التفاوض.
من أراد أن يوقف الاستيطان بجد، فعليه بالمقاومة، إن لم يكن بالمقاومة المسلحة، فليكن بالمقاومة السلمية (ألم يوجعوا رأسنا بهذا المصطلح زمناً طويلاً؟)، لكن ذلك يتناقض كلياً مع التنسيق الأمني، ومع مطاردة خيرة أبناء الشعب الفلسطيني، كما يتناقض مع اعتبار بناء المؤسسات مقدماً على تحرير الأرض.
لن نتحدث هنا عن عبثية خيار التفاوض في ظل نتنياهو، مع أنه كان كذلك أيضاً مع باراك ومع أولمرت وليفني، فتلك حكاية باتت مملة، وهم لا يخجلون منها، إذ ما دامت الحياة مفاوضات وبناء مؤسسات، فإن استمرار هذه اللعبة ليس مشكلة، ولو إلى يوم الدين ما دامت أمور القوم ومن يحبون في أحسن حال وأهدأ بال، إذ لا يوقفون عند الحواجز، ولا يُمنعون من السفر، ولا يُحرمون من رخص الاستيراد وبناء الشركات، وحتى المدن، وأقله الأحياء "الراقية".

