الاعلام الحربي – غزة
حلم بات شبه مستحيل في قلب طفل صغير رسمه مع والده قبل أن يرحل عن الدنيا شهيدا في حرب ضروس, لم ترحم الحجر ولا الشجر ولا حتى البشر, فحلمه كان أن يصبح مهندسا يفخر به أباه أمام العالم أجمع, لكن تبددت هذه الرغبة في نفس الطفل محمد بردع (9 أعوام) ليرغب بأن يكون مقاوماً حراً يثأر من قتلة والده الذين حرموه منه ومن ساعات كانت تجمعهما صباحا في بداية العام الدراسي, حينما كان يوصله إلى المدرسة ويعطيه مصروفه اليومي ليشتري به ما يشاء.
الطفل "محمد" الذي ما إن وطئت قدماه مدرسته "معين بسيسو" في شارع المنصورة بحي الشجاعية حتى بدأ بالبكاء الشديد دون توقف, حيث رأى أصحابه يشبكون أيديهم بأيدي آبائهم, الذين أوصلوهم لمقاعدهم الدراسية واطمئنوا عليهم في حين جلس هو على مقعد دراسته يلتفت يمينا ويسارا ينظر إليهم بحسرة شديدة.
بعيون ملأت بدموع الحزن والحرمان، قال محمد: "أول يوم بالمدرسة لم يكن جميلاً بالمطلق, لأن والدي كان يوصلني ويجلسني على المقعد الذي اختاره, ولكنه استشهد الآن وأعلم أنه لن يأتي ليصطحبني من المدرسة إلى البيت، ولن يعطني مصروفي الذي اعتدت أن أخذه منه".
وأضاف وملامح الوجع بدأت تخيم على وجهه البريء: "هذا العام لم اشتري ملابس مدرسة جديدة، لأن والدتي لم يكن لديها المال لشراء الملابس الجديدة لي ولأخوتي, حيث اعتاد والدي إعطاء والدتي المال لشراء كل كسوتنا المدرسية".
مرر الطفل "محمد" أنامله الصغيرة على وجنتيه ليمسح دموعه، وتابع بالقول: "الله يرحمك يا بابا, كان قد وعدني إذا حصلت على معدل دراسي عالي هذا العام، بأنه سيشتري لي جهاز كمبيوتر، استطيع اللعب عليه خلال الإجازة الصيفية مثل بقية أصدقائي الذين يملكونه, لكن أنا أعده أنني سأنجح واتفوق في دراستي حتى يفرح وهو في الجنة".
تساءل هذا الطفل الصغير بحسرة كبيرة على فقدانه لوالده، عن من سيلبي احتياجاته واحتياجات أخوته من قرطاسية مدرسية ومصرفات متعددة, ومن سيتابع نشاطه المدرسي في كل شهر ويطمئن عليه ويكفاه بنجاحه وتوفقه بشكل دائم، ومن سيمنحه الحب والحنان الأبوي الذي سلبه منع الاحتلال الصهيوني.
لم يتوان هذا البريء عن كفكه دموعه التي كانت سيدة الموقف حينما سألناه عن طموحه في المستقبل، فكانت إجابته غريبة نوعاً ما ليقول: "كنت متفق مع والدي أن أكون مهندساً حتى أبني البيوت، ولكني غيرت رأيي بهذا الأمر، وعهدت نفسي أن أكون مقاوماً حتى أقتل الجنود الصهاينة الذين قتلوا أبي".
بابتسامة رسمها على وجهه الوسيم تكاد ملامحها لا تبدو ظاهرة، قالت الطفل "محمد": "أتمنى أن يكون خبر استشهاد والدي أكذوبة وأن أراه أمامي الآن وأن نخرج سوياً إلى منتجع النور الذي كنا نتردد عليه دائماً، ولكن هو الآن عند الله وهذا أفضل من كل شيء في هذه الحياة السيئة".
ويختتم "محمد" حديثه بصوت يملؤه الحنين لوالده ويقول: "عمري في حياتي ما راح أنسى بابا وشهامته وحنانه علينا، عندما كان يحقق لنا كل شيء نريده ونتمناه وما يحرمنا من شيء أبداً، سأتمنى كل ليلة النوم في أحضانه".

