لا زالت الحكومات الاسرائيلية تتعاطى مع الأسرى الفلسطينيين في السجون كأرقام أو أصفار وليس بشرا لهم حقوق إنسانية وقانونية وجزءا من قضية وطنية ينتمون الى هوية وشعب يناضل في سبيل تقرير مصيره.
ولا زالت تستخدم الأسرى كبالونات تنفيس سياسي بين فترة وأخرى، كأن تطلق سراح المئات وفق معاييرها وشروطها كإغراء لاستئناف المفاوضات، أو لتعزيز الثقة بين الجانبين وفي مبادرات أحادية الجانب، كأن الأسرى ليس لهم عنوان سياسي ومرجعية قيادية واستحقاق سياسي لا ينفصل عن أية تسوية أو حل عادل بين الطرفين.
لهذا لا زلنا في المربع الأول الذي صنعته السياسة الاسرائيلية فيما يتعلق بقضية الأسرى، فهم بالنسبة لها خارج النص، أسرى غير شرعيين ليس لهم أي مساحة في حل الصراع، فاقدين لمركزهم القانوني الذي أعطتهم إياه اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، ولهذا يدفعون ثمنا مضاعفا ويدخلون في مأساة دائمة ما دامت قضيتهم غير مدرجة في إطار رؤية قانونية وسياسية واضحة.
لقد تأخرنا كثيرا نحن الفلسطينيين في التوجه الى الأمم المتحدة ومحكمة لاهاي لاستصدار فتوى قانونية حول المركز القانوني للأسرى داخل السجون الاسرائيلية باعتبارهم أسرى حركة تحرر وطني، وأسرى حرب، وغرقنا في تفاصيل الأمر الواقع الاسرائيلي المستند الى قوانينها الحربية وإجراءاتها العسكرية الخاصة فيما يتعلق بحياتهم ومصيرهم.
سلطات الاحتلال الاسرائيلي تتصرف كأنها دولة غير محتلة لشعب آخر، متحررة من الالتزامات الدولية والمعاهدات الأممية التي توفر الحماية للسكان المدنيين في أوقات الحرب ، الى درجة أن التعامل مع محاكمها العسكرية وقوانينها الاحتلالية ومجموعة القوانين المعمول بها داخل السجون أصبح أمرا طبيعيا وشبه تعايش في مفارقة ننقذ من خلالها المحتل الاسرائيلي من كونه عبئا على الحياة و الأحياء.
المتتبع لأوضاع الأسرى يجد أن هناك منهجية مدروسة تستهدف إلقاءهم الى الفراغ، موتهم في السجن لم يعد يثير أحدا، وسلب حقوقهم العادية من علاج ودراسة ومأكل وملبس وتعذيب وقهر نفسي وأحكام جائرة، تحولت الى أمر روتيني لا يقف عنده المشرعون الدوليون ولا رجال الفقه الإنساني .
إن الجريمة الإنسانية والجنائية التي تجري بحق الأسرى لا تجد لها إطارا يسأل عنها أو يحاسب من ارتكبها، ولهذا تمادت الحكومة الاسرائيلية في التنصل من الالتزامات القانونية والإنسانية الى المدى الذي أجبرت فيه الأسرى على دفع مصاريف علاجهم داخل السجن ودفع ثمن اعتقالهم على المستوى المعيشي والحياتي، وهذا لم يحدث ولا مرة في تاريخ الصراع.
لقد وفرت الموازنة الاسرائيلية ملايين الشواقل على نفسها في ظل السياسة الجديدة التي يتولى فيه الأسرى دفع ثمن وجودهم بالسجن ابتداء من الغرامات في المحاكم العسكرية حتى شراء الأغذية والملابس والاحتياجات الخاصة.
حكومة اسرائيل توفر السجن كمكان، وعلينا أن نبني السجن ونوفر له البنية التحتية اللازمة حتى نعيش فيه الى أبد الآبدين.
ولم تعد هذه الحكومة تنظر في آلاف الشكاوي المرفوعة عبر جهازها القضائي سواء حول الإهمال الطبي أو منع إدخال الكتب والملابس أو منع المئات من عائلات الأسرى من الزيارات ولا حتى في شكاوي العزل الانفرادي وممارسة التعذيب والاعتقال الإداري وغيرها من القضايا الجوهرية التي تمس حقوق الأسرى القانونية.
إن فتح معركة قانونية بالتوجه لاستصدار فتوى قانونية من محكمة لاهاي حول المكانة القانونية للأسرى باعتبارهم أسرى حرب هي الخطوة الإستراتيجية الكفيلة بتوفير الحماية للأسرى وإعادة الاعتبار لمكانتهم الوطنية والسياسية والإنسانية كأسرى حركة تحرر وطني وليسوا أرقاما أو مجرمين في ماكنة القوانين الاحتلالية الاسرائيلية.

