هو الشقاقي.. نجم فلسطين

الثلاثاء 21 أكتوبر 2014

كتب | أحمد إسماعيل

 

على طريق ذات الشوكة نتواصل لنجدد العهد، عهد الشهداء الذين صنعوا لنا تاريخاً مشرقاً ننهل منه في مسيرتنا المباركة.. ولنصنع من ذكرياتنا وآلامنا محطات للعزة والكرامة.. ليستقر الأمن كلّ الوطن وكلّ الأمة.. نتواصل معكم عبر هذه السطور من أجل ذكرى الدّم.. من أجل تشرين الذبيح.. من أجل فلسطين.. من أجل تذكيرنا جميعاً بهذا الدّم الذي سفك على أرض الشجاعية الباسلة.. ومن أجل أنْ نوفي بالوعد للرّوح التي غادرتنا.. روح الشقاقيّ الأمين..

 

فعندما كانت الأمة برسمياتها وأفكارها غارقة في غيابها.. تبحث عن سبل خلاصها من الهزائم المتلاحقة.. التي مُنيت بها نتيجة لأفكار مستوردة.. صدّرها الاستعمار لمنطقتنا, فباتت عاجزة عن مواجهته.. وكانت النتيجة استعمار واحتلال.. وضياع القدس وفلسطين.. مع كلّ تلك الإرهاصات الجامحة نحو الهزيمة والذلّة والخنوع.. كان الشقاقيّ المعلم, في رحلة مع التاريخ ومع القرآن.. ينفض عن فلسطين والقدس غبار الغياب والهزيمة والتنكر لقضية الأمة.. ليضعها بين أيديهم.. ويذكرهم بأهميتها.. ومركزيتها بالنسبة للأمة الإسلامية..

 

في ذكرى هذا الفارس العظيم لا نبالغ إنْ قلنا بأنّه هو الدّم الذي انتصر على السّيف.. هي الأمانة التي حُملت بكلّ عنفوان ووفاء.. هي الرّوح التي صدقت مع ربها فصدقها.. وصعدت لتتلاقى مع حبّها وعشقها وتسبيحها.. هي فلسطين التي جُبلت في كينونته فعشقها وعشقته، ولملم جراحها ليتحمّل عبء مرحلةٍ جديدةٍ كُتبت بالكدح والجراح وبالدّمّ..

 

هو الشقاقيّ.. لغز الوطن وحروفه.. وملح الجراح التي أدمت حياتنا وسنوّنا.. به كانت فلسطين حاضرة.. وبقدومه اشتممنا رائحة الزيتون من جبالها التي غابت وما عادت لولا الله ثمّ مجيئه مبشراً بنصر الأمّة القادم.. هو الشقاقيّ.. موج البحر القادم من بعيد، جاء ليزرع فينا الأمل من جديد..

 

هو الشقاقيّ.. جاء وجاب كلّ الوطن ليكتشف لنا شيخاً مجاهداً قدّم روحه على مذبح الحريّة، ولينفض الغبار عن سيرته الطاهرة والتي غطّتها عيوناً لمْ تبصره ولمْ تبحث عنه في زوايا الوطن لتشهد معركته وعنفوانه.. وليكرّس في عقولنا نموذجاً طاهراً جاء من حبّ الشّام ليدفع دمه ثمناً لقداسة هذه المُقدسة والمُعذبة "فلسطين".. ولينقش في حبّات عيوننا روح القسّام لكي نحفظه وأجيالنا لنتدارس كدحه وشهادته المُتوّجة بالنّصر والفرح والعشق..

 

هو الشقاقيّ.. نجم فلسطين الجديد والذي انتظرته قلوبٌ مُفعّمة بحبّ الوطن، لكنّها لم تكتشف معاني هذا الحبّ إلاّ من بريق عيونه التي كانت دوماً تنظر إلى جراحه.. فيصرخ بقوّة أنّ هذه محبوبتنا وأمانتنا ويجب أن نحضنها وتحضننا وندافع عنها حتى لو ذُبحنا جميعاً..

 

هو الشقاقيّ.. جاء ليُعطي فلسطين مكانتها الحقيقيّ في قلوب الأمّة، والتي أعطت ولائها لأفكار لمْ يكنْ نبعها منْ طُهر قلوبنا وغذاء أرواحنا الممتدة منْ سورة الإسراء، لكي نعرج بقداستها نحو عشقنا الأبديّ، حيث الخلود الأبديّ.. فينادي بكلّ عنفوان يحمل في جعبته ملح جديد لهذه الأمّة التي تاهت بين من نام وبين من فرط، بأنّ هذه فلسطين هي قضية الأمّة ومركزيّة وجودها، بها تكون الحياة، ومن دونها لا وجود ولا حياء ولا حياة..

 

هو الشقاقيّ.. في ذكراه نتذكره أكثر.. ونعشقه أكثر.. ونجدّد بيعتنا لحفظ وصيّته التي صرخ بها دومـاً، وقسمات وجهه الطاهر تنقط بالحزن والألم.. تلفظنـي الفاء.. تلفظنـي الّلام.. تلفظنـي السّين.. تلفظنـي الطّاء.. تلفظنـي الياء.. تلفظنـي النّون.. تلفظني كلّ حروفكِ يا فلسطين.. تلفظني كلّ حروفكَ يا وطني المغبون.. إنْ كنت غفرت أو كنت نسيت.. هذه أمانتك ووصيّتك حفظناها.. ولنْ تبهت في وجداننا.. وسوف تزداد لمعاناً وينقشع الغبار أكثر مع كلّ ذكرى..

 

فتحي الشقاقي.. مَن منّا لا يتذكر هذا الأب الكبير، الذي حضن الوطن بكامله في بؤبؤ عينيه، وجاب مدنه وقراه وشوارعه في كل أوقاته، حاملاً الإسلام همّاً، ودار به في كل الأرجاء، ليبشر بميلاد فجر جديد.. وانطلق كما البرق في ليلة عاصفة، تحمل في طياتها رياح البُشريات، صارخاً غير مستكين، أن فلسطين.. كل فلسطين.. من نهرها.. إلى بحرها.. هي قضية الأمة الإسلامية، ولا تنازل عنها.. وأن فلسطين بتاريخها، وأشجارها، وأنهارها، وأبحارها هي مركز الصراع الكوني، حيث أنها لا تقبل القسمة، حتى لو قدّمنا أرواحنا جميعاً فداء حفنة تراب من قداستها..

 

فتحي الشقاقي.. هذا الرجل الذي لا يُمكن لفلسطين كل فلسطين أن تنساه.. ولا يُمكن لجدران الأقصى أن يغيب عنها.. فهو منقوش في ترابها.. في مائها.. في أعمدتها.. تبكيه كل يوم على فراقه الذي أوجع الوطن بكامله.. يا أيها الشقاقي.. يا عزّ هذه الأمة، ومُجدد مَجدَها.. ما زالت صرخاتك نسمع صَداها في ربوع الوطن، وكأنّ فيها ملح العشّاق يُداوي جراحهم التي أدمت قلب الوطن، ما زالت صرخاتك موصولة بقمر السماء، تُضيء لنا طريقنا، ليُنير بجماله كلّ أرجاء الوطن، ولن تزول بإذن الله، وسنحفظها في ذاكرتنا، ونعلمها للأجيال القادمة، فهي نبراس حياتنا، وزادنا في صراعنا مع عدونا الذي احتل أرضنا بل كلّ الوطن..

 

يا أيها الشقاقي.. لكَ ألف تحية وسلام.. ممن عشقوكَ وسهروا الليالي يبكوكَ.. هذا عهدٌ قطعناه على أنفسنا ألاّ نخذلكَ.. وسنحفظكَ في بؤبؤ عيوننا.. ونجاهر بعزكَ رغم محاولات الطمس.. وستظل شامخاً شموخ الجبال، وسننقش حروف اسمك في عقولنا كما الوطن المبارك، ولن ننساكَ.. فأنتَ عزّنا وأنتَ مجدنا.. وعلى أعتاب ذكرياتك سوف ندحر المحتل ونُعلن براءتنا من كل من يهادن، ولن نستسلم ولن نساوم..

 

يا أيها الشقاقي.. اليوم فلسطين كلها تحتفل بمجدك الذي صنعته للأمة كل الأمة.. وتستنشق مسك طهارتك التي لا يمكن أن تنتهي.. فيا حُبّنا.. يا عشقنا.. نلتقي بذكراك لنجدد العهد على أن لا ننساك.. سنحمي مشروعكَ بدمائنا وأشلائنا.. وسندحر كل مخططاتهم الخبيثة التي تهدف إلى مزيد من ضياع وطننا في عقولنا وقلوبنا وفي أجيالنا القادمة.. وسنواصل مشوارنا متمسكين بحبل الله.. مستبصرين بسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.. مستأنسين بالذين حملوا الراية ومضوا.. يدافعون عن كرامة الأمة، لا يأبهون بطاغوتية المستكبرين وظلمهم.. وستبقى يا عشق الفقراء خالداً في حكايا أطفالنا، وحواديت أجدادنا، رمزاً وعنواناً للفخر والمجد.. تزرع فينا روح العزة والكرامة التي ضاعت في دنيا الناس..

 

يا سيّدي هذه فلسطين تئنّ وجعها، فما عاد أحد يكترث لوجعها وما عادت في حسابات القوم وكلٌ منهم مُنشغلٌ بحاله فما عادوا كبار.. فهذه الشّعوب اشتعلت لتصنع تاريخاً جديداً رغم أنّهم في نظر القوم صغار وفي حقيقة الأمر هم القادة الكبار.. يا سيّدي هذه الشعوب قد ثارت ونفضت عن كاهلها غبار المرحلة، وانطلقت لتُداوي جراح السّنين الطويلة، ولتقتص من جبابرة القوم لتُشعل من دمائها نار الثّورة وتحرق كلّ الفجّار..

 

فقم يا سيدي ولملم آلامنا وداوي جراحنا، فالجرح تفتّح وتفتّح حتّى ذاب فيه الملح.. فلا ملحهم داوى جراحنا ولا هم لملموا الجرح.. وسكّينهم في قاع جراحنا تسمّم، وظلمهم موصول بالنّهار واللّيل وحتّى الصّبح.. وفلسطين تفكّكت حروفها، فلا عادت الفاء ولا الّلام ولا السّين والطّاء ولا الياء والنّون مجتمعة، فمن سيغفر هذا التّمزّق وهذا النّسيان، ومن سيعيد تركيب الحروف في مكانها الإقليميّ والدوليّ والكونيّ سواك يا ملح الجرح.. فالفاء فخر الأمّة، والّلام لون حبرها المضيء، والسّين سيولها الجميلة، والطّاء طبول الحريّة، والياء ينابيع الحبّ والخير، والنّون نور المعمورة بل والكون، والقوم وجرمهم هم سقم الجرح..

 

قم يا سيّدي.. فأنت رياحين جراحنا، وانثر ملح عشقك حتّى يظل مُشتعلاً هذا الجرح.. قم يا سيّدي.. فهذا عزّ الدّين قد نادى بقوة من ميادين الماضي، بأنّ هذه آلامنا قد تجددت فمن يُداوي هذا الجرح.. وساحات الأقصى تصرخ آلامها بعنفوان قم يا فتحي، فالجراح تكبر وتزداد ولن يُداويها سوى عشقك فهات الملح.. فملح بلادنا في زيتوننا وفي زعترنا وبساتين الورود تنشد عشقك يا شقاقيّ فقم وداوي الجرح.. ومن خبز الفقراء المجبون بالقهر وتعب المكلومين نستبصر طريقنا لنواصل دون كلل فهو الجرح وهو الملح..

 

هذه طلقات خالد الثائرة تصرخ بأن لا مجال للطّغاة في ديارنا، فليرحلوا وبرحيلهم نُداوي الجرح.. وهذه ساحات المختار تبكي نزفاً مستمراً من أجل حريّة سلبها جنون القوم، فهم السّقم وهم الجرح.. فيا ربّ من لهذه الشعوب المقهورة ومن يضمّد الألم، فابعث مُخلِّصاً ليسكب الملح ويُداوي الجرح..

 

فيا جرح وطني حبّك منقوش في قلوبنا وعقولنا وكلّ وجداننا، ومن حروفك الثّائرة نستمد قوّتنا ولن نترك الوصيّة وسندحر وجه القبح.. يا جرح وطني المتواصل النّصر آتٍ لا محالة، والأمل ننشده من مآذن قبّة الصّخرة ومن صيحات الله أكبر وأذان الصّبح.. وصباح فلسطين يتّسم بزعفران الرّبيع ليفوح عبقه قلوب الثّائرين من رُكيعات الضّحى فيزيدهم ثورة وشوقاً، ومساؤهم مُعطّر بالنّور وكذا الصّبح..

 

هذه سُنبلة الحبّ تنثر حبوب العشق لمحبوبتنا لتُنبت ميادين يكسوها مسك الثّوار من تونس الخضراء وساحات الحريّة مروراً بتراب المختار، وليس انتهاءً ببيت المقدس ليُنير ليلنا ويُداوي جراحنا، فهو مساؤنا وهو نهارنا وهو كلّ الصّبح.. فيا ربّ تعاظمت ذنوبنا فلا تسلّط علينا جبابرة القوم فأنت العزيز الغفّار.. ويا ربّ هذه أنظمة الجور قد طغت واستشرت في ظلمها، فارفع عن عبادك جبروتهم فأنت المنتقم الجبّار.. وداوي جراح شعوب قد قُهرت حتّى يبزغ من ظلم اللّيل ذاك الصّبح..