الإعلام الحربي - خاص
لم يكن طريق القضية الفلسطينية على مر السنوات الماضية سهلاً، لولا الأساس المتين الذي وضع لبناته القادة العظام الذين أسسوا لمشروع فلسطيني مقاوم حدد معالم المواجهة مع العدو الصهيوني، ليغير من حال المنطقة العربية والعالم بأكمله.
فالأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي استطاع أن يغير شكل الصراع مع العدو الصهيوني في السنوات الماضية، وأسس حركة إسلامية مشروعها مقاومة العدو في زمن غاب فيه مشروع الإسلاميين لمقاومة العدو وجعل فلسطين القضية المركزية للأمة بأكملها. الشقاقي من وضع رؤية جديدة ونافذة، ومشروع متميز ومنهج كامل، وبذرة الوعي والثورة في حقل.
وتمكن النهوض الإسلامي الكبير، حيث تمحور مشروعه حول ثلاثة عناوين رئيسية (الإسلام، الجهاد، فلسطين)، فيما استطاع، أن يشعل فتيل المواجهة مع العدو الصهيوني، بخلق ثقافة المقاومة، وتحديد بوصلة الصراع نحو كيان العدو الصهيوني.
ولا يخفى على أحد كان أنَّ بزوغ نجم "الشقاقي" جاء في مرحلة دقيقة وعصيبة من مراحل امتنا الإسلامية حيث أن أعداءها حاولوا طمس قضيتها ومسح عقيدتها وإبعاد فلسطين عن واقعها وامتدادها العربي والإسلامي، لكن الشهيد " فتحي" جاء ليحمل مشروع نهضوي شامل يعيد لفلسطين مكانتها عند الأمة الإسلامية والعربية، فهو أراد تجميع كل طاقات الأمة من اجل تحرير فلسطين وبيت المقدس، كما فعل صلاح الدين وسيف الدين قطز، لأن تحرير فلسطين هو بداية الانطلاق نحو تحرير الأمة والعالم من نير الاحتلال وأزلامه.
فلسطين مركز الصراع الكوني
بدوره قال الباحث في الفكر السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أ. ناظم عمر:" أن الدكتور فتحي الشقاقي استطاع بدراسة إسلامية واعية من خلال القران الكريم والسنة النبوية والتاريخ والواقع تذكير الأمة ببركة هذه الأرض، وأنه واجب على الأمة أن تكون فلسطين القضية المركزية للأمة وللحركة الإسلامية"، مؤكداً أنه بفضل الشقاقي بعد الله عز وجل جعلها في عقل وفي قلب وفي مشاعر كل مسلم مؤمن أن فلسطين مركز الصراع الكوني بين تمام الحق وتمام الباطل.
وأضاف :"وجود الجهاد الإسلامي وشكل الإجابة عن الإشكالية التي سادت في السبعينات بين الوطنيين بلا إسلام والإسلاميين بلا وطن، فقد تبنت الحركة الإسلام كعقيدة وشريعة ونظام حياة، ورفضت رؤية التيار الإسلامي التقليدي لفلسطين على أنها مسألة فرعية مثلها مثل كل مشاكل الوطن الإسلامي في أفغانستان أو كشمير أو غيرها، واعتبرت أن قضية فلسطين قضية جوهرية للمسلمين لا تقارن بأية قضية أخرى. رفضت ربط تحرير فلسطين وتأجيلها إلى ما بعد قيام الدولة الإسلامية، لأن خطر القضية الفلسطينية يتجاوز أهل فلسطين إلى كل عربي ومسلم وكل مستضعف في الأرض . واعتبرت ربط القضية الفلسطينية بقيام الدولة الإسلامية من الأخطاء الكبيرة بحق القضية وحق الأمة، وعدم قيام الدولة الإسلامية لا يبرر تأجيل المقاومة والجهاد من أجل التحرير".
واستطرد قائلاً:"الحركة رأت هناك علاقة جدلية بين عودة الخلافة الإسلامية وإعلاء كلمة الله في الأرض، وبين الجهاد في فلسطين واسترداد الأرض السليبة، وأنه بقدر ما يتوجه الإسلاميون نحو فلسطين ويجاهدون فيها، يزداد صعودهم وتتسع وشعبيتهم، ويتمكنون من الحصول على الشرعية التي تقودهم لإحداث عملية التغيير والنهوض بالأمة".
وأكمل قائلاً :" من هذا المنطلق رأى الشقاقي أنه لا بد للمشروع الإسلامي أن يحدد قضيته المركزية بشكل دقيق وواضح من أجل تحديد الأولوية في العمل، واعتبرت أن مواجهة وجود الاحتلال وما يشكله على أرض الواقع من تهديد للهوية والثقافة والتاريخ هو الأولوية التي لا بد أن تدركها الأمة، وأن ما يجري في فلسطين يشكل مصدر ألم عميق لكل المسلمين في العالم، ومصدر جيشان عاطفي لهم، وتحرير القدس حلماً مشتركاً لهم رغم اختلاف مواقعهم الجغرافية والفكرية واختلاف لغاتهم وأعراقهم، وبتأثير القضية الفلسطينية صعد كثيرون من الحكام أو هبطوا، وتغيّرت أنظمة وهيمنت اتجاهات فكرية وحزبية، أو تراجعت، كما سقط الشهداء، وأهدرت الثروات ورهنت المقدرات مرة للغرب الشيوعي ومرات للغرب الرأسمالي، وتم إلحاق أجزاء من الوطن الإسلامي بهذا الحليف أو ذاك".
وأكد على أنه من هذا المنطلق اعتبر فلسطين هي القضية المركزية للأمة الإسلامية والمشروع الإسلامي المعاصر، وهي جوهر الصراع في كل قضايا الأمة، ووحدة القياس الأولى التي على أساسها يتم الحكم على العداوة والصداقة .
وبينّ أن تحويل الموضوع الفلسطيني إلى همّ إسلامي عام أمر في منتهى الأهمية، سواء بالنسبة لمستقبل فلسطين أم مستقبل الحركة الإسلامية والأمة، مشدداً على أن العدو الصهيوني أقدم على اغتيال الشقاقي لما كان يمثل فكر هذا الرجل من خطرٍ حقيقي على وجود الكيان على ارض فلسطين، وهيمنة قوى الاستكبار على الوطن العربي ومقدراته.
الشقاقي رافد لا ينضب
في حين أكد المفكر العربي البارز د. فهمي هويدي أن فكر "الشقاقي" كان إضافة نوعية للفكر المقاوم الملتزم المتمسك بالثوابت الفلسطينية في مواجهة إرهاصات فكر واستراتيجيات التفريط، وكان بمثابة ردف للثورة الفلسطينية التي انتابها الفتور والخمول لأسباب عدة آنذاك.
وأضاف هويدي:" الدكتور الشقاقي رمزاً لقيمة كبيرة كنا بحاجة إليها وما زلنا بأمس الحاجة إليها حيث الفكر المنحاز للمقاومة والمبني على عقيدة راسخة وصلبة، مبيناً أن الشقاقي أطلق فكره بناء على قناعاته كمواطن فلسطيني عربي مسلم، وهو فكر ناضج استطاع من خلاله توجيه دفة الصراع مع الاحتلال نحو الوجهة الحقيقية".

