العمليات الفردية.. مقاومون يخطّون "نهجاً جديداً" يربك الاحتلال بإمكانات متواضعة

الخميس 06 نوفمبر 2014

الاعلام الحربي- وكالات

 

جرافة "محمد الجعابيص"، سيارة "عبد الرحمن الشلودي"، مسدس "معتز حجازي"، ثم سيارة أخرى لـ"إبراهيم عكاري"، إمكانات لا تساوي شيئا في موازين القوى في يد شباب حفروا أسماءهم في تاريخ المقاومة الفلسطينية بعد أن فاض الكيل بالنسبة لهم، وفاقت اعتداءات الاحتلال طاقة تحملهم، فقرروا أن يكونوا "الرد القادم" فعلا لا قولا، قرروا وخططوا ونفذوا مكتفين بسلاح شجاعتهم، ودون أن ينتظروا الانضمام لأي خلايا مقاومة. وليسوا هم فقط من أخذوا على عاتقهم الرد على جرائم الاحتلال بشكل فردي، وإنما تكرر هذا الأمر في تاريخ الصراع مع الاحتلال.

 

في هذا التحقيق نتحدث عن "عمليات المقاومة الفردية" التي بات من الملحوظ أنها ازدادت في الآونة الأخيرة، وأغلبها بـ"سلاح الدهس"، وقد كانت آخر هذه العمليات تلك التي نفّذها الشهيد إبراهيم عكاري، أمس، فقتل مستوطنين وأصاب ستة منهم من يرقد في المستشفى بحالة حرجة، وذلك وفق الإحصائيات الأولى، وحسب شهود العيان، فقد بدأ عمليته بدهس ثلاثة من ضباط حرس الحدود بينما كانوا يعبرون الشارع، وبعدهم دخل إلى المحطة المركزية ودهس من فيها، ولم يتوقف عند ذلك، بل نزل من سيارته وشرع في ضرب بعض الموجودين في المكان بقضيب حديدي، حتى قتله أحد جنود حرس الحدود.

 

ليست جديدة

المختص في الشؤون الأمنية اللواء يوسف الشرقاوي علق على عمليات المقاومة الفردية بالقول: "المقاومة الفردية أكثر إرباكا للعدو الصهيوني، ذلك لأن هذه العملية يفكر بها وينفذها شخص أو اثنان على أكثر تقدير، وكونها فردية وبدون خلايا وتنظيم فهذا يحافظ على سريتها ويساهم في نجاحها"، مضيفا: "جاءت هذه العمليات في المكان الصحيح والزمان الصحيح، وشكّلت ردا طبيعيا على الجرائم الصهيونية في مدينة القدس".

 

وتابع: "العمليات الفردية موجودة في تاريخ الصراع مع الاحتلال وليست جديدة، وقد أصبحت نمطا ومن الممكن أن تتوسع الفكرة ويقدم عليها آخرون، وهو نمط هام جدا من المقاومة بالنسبة الفلسطينيين وفي المقابل هو عمل محبط للصهاينة وستنهار معنوياتهم ومعنويات قادة الأجهزة الأمنية وقادة المستوطنين، لأن هذه العمليات تفتح بابا جديدا يصعب على الاحتلال إغلاقه".

 

وأوضح أن "صعوبة المقاومة بشكل منظم ربما كانت عاملا مساعدا في ظهورها بشكل فردي، فالعدو في الضفة يعمل بكل أجهزته الأمنية والاستخبارية بالإضافة إلى التنسيق الأمني بينه وبين السلطة، وأجهزة الأمن الفلسطينية أيضا لا يمكن أن تقبل بمثل هذه العمليات، وكذلك فإن اتفاقية (أوسلو) أجرت عملية محو للشخصية النضالية الفلسطينية وتراجع النضال الوطني الفلسطيني في ظلها، وبالتالي فإن هذه العمليات الفردية يمكن أن تغير الصورة بشكل جذري، ويمكن أن تفتح أفقا جديدا في النضال الفلسطيني، وخاصة العملية الأخيرة التي نفذها الشهيد معتز حجازي هي هامة جدا في تاريخ المقاومة الفلسطينية".

 

وبحسب الشرقاوي فإنه ليس للعمل الفردي في المقاومة أي سلبيات، ولكنه يحمل صعوبات، مشيرا إلى أن العمليات في الآونة الأخيرة تمت باستخدام إمكانيات بسيطة وليس فيها خرق استخباري، وإنما عمل منفذوها على توظيف إمكاناتهم البسيطة بشكل جيد.

 

وبمزيد من التوضيح، يضرب مثالا على عملية اغتيال الحاخام يهودا غليك الأربعاء قبل الماضي على أيدي الشهيد المجاهد معتز حجازي ابن الجهاد الاسلامي: "لو درسناها من الناحية الأمنية والتقنية فهي كانت رائعة جدا لأنها لم تكن خرقا أمنيا ولكنها معتمدة على المتابعة وقوة الاستطلاع وتتبع الهدف المقصود ورصده ثم استهدافه بنجاح، ولهذا فإن القيادة الصهيونية أصبحت قلقة جدا لتنفيذ هذه العمليات، وأعتقد أن هذا العمل البطولي سيكون مهما في الساحة الفلسطينية وسيشجع آخرين للقيام به".

 

وأكد الشرقاوي أن "الاحتلال ليس عنده أمن بنسبة كاملة، فلا بد من الخروقات، وسيجد صعوبة في وقف العمليات الفردية، والمؤكد أنه سيفشل في أي محاولة لمواجهة هذا النوع من العمليات"، لافتا إلى أنه من عوامل نجاح عمليات المقاومة بشكل فردي وجود الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948، حيث عرفوا تفاصيل كثيرة عن الاحتلال وشخصياته.

 

وأوضح: "هذه العمليات ستسبب انهيارا في أجهزة الاحتلال الأمنية، وسياسيا سيؤدي إلى مزيد من التطرف، وسيفكك بعض التحالفات فهم لن يسكتوا عن هذا الفشل للأجهزة الأمنية وفشلها في حماية الشخصيات".

 

وتوقع الشرقاوي أن تصبح العمليات الفردية ثقافة لأفراد أو مجموعات ومن الممكن أن تتطور إلى تشكيل خلايا قليلة العدد كي تنجح أمنيا وتنفذ عمليات نوعية ترد على الاحتلال.

 

رد طبيعي

من ناحيته، قال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلل: "ما يحدث في مدينة القدس بلا شك يثير غضب الفلسطينيين كافة، وقد حدثت من قبل انتفاضات في الضفة وقد اشتدت هذه الانتفاضة بخروج بعض الشباب لتنفيذ مثل هذه العمليات على أرضية وجود ثقافة الجهاد والمقاومة، فلا يمكن للشاب الذي تربى على المقاومة أن يصمت على الانتهاكات الصهيونية المستمرة للمسجد الأقصى وتهويد المدينة المقدسة"، مضيفا: "هذه ردات فعل طبيعية تأتي في سياقها الطبيعي في مقابل ما يحدث من انتهاكات العدو الصهيوني على الأقصى".

 

وتابع: "بالرغم من أنها عمليات فردية إلا أنها تثير الرعب لدى الصهاينة، وبهذه الطريقة يمكن أن يتم الرد عليهم على ما يقومون به من إجرام بحق الأقصى، إذ لا يمكن أن يأتي الرد من المجتمع الدولي أو بالتهديد بإيقاف المفاوضات، فالعدو يرمي بكل ذلك وراء ظهره، وما يؤثر عليها تأثيرا حقيقيا هو الرد بالسلاح أو بعمليات نوعية".

 

وأوضح: "دائما كنا نحذر العدو من غضب الشعب الفلسطيني الذي يتميز بأنه شعب حي وولاد لرجالات المقاومة، وفي المقابل يفترض الاحتلال أنه باغتيال قادة المقاومة ينهي جذوة الصراع بيننا وبينه، لكن الثابت أن شعبنا دوما لديه القدرة على إيجاد مثل هؤلاء الشباب الذين يلتفون حول راية الجهاد، والفلسطينيون يعيشون دوما حالة مقاومة وفكر شبابنا فكر مقاومة، رغم كل الوسائل التي يستخدمها الاحتلال ليحرف الشعب عن طريق المقاومة".

 

ولفت المدلل إلى أن "الانتفاضتين الأولى والثانية لم تكونا بقرار تنظيمي، لكن وجدنا كيف أن شعبنا أبدع في مواجهة العدو، بالحجارة والسكاكين والفؤوس وقنابل الهاون والمولوتوف ثم الصواريخ، مما يدل على وجود حالة من الإبداع لدى أبناء شعبنا في إحداث حالة من الوجع في العمق الصهيوني، وهذا ما تثيره هذه العمليات الفردية، ومن الواضح وجود تنوع فيها، مثل الدهس بالسيارات والطعن والسلاح"، معتبرا أن "الوضع الميداني الذي يعيشه هؤلاء الشباب هو الذي يفرض عليهم الأداة التي يمكن أن يستعملوها في إحداث وجع أو ألم للعدو".

 

وأكد أن تنفيذ العمليات بدون قرار تنظيمي وبدون تخطيط ضمن خلايا ومجموعات يربك العدو ويمثل هاجسا بالنسبة له، الأمر الذي يعني أن كل الأجهزة الأمنية لن تستطيع وقف مثل هذه العمليات، مذكرا بمقولة رئيس وزراء الاحتلال الأسبق اسحاق رابين: "كيف لي أن أوقف شخصا يريد أن يموت".

 

وبيّن أن "هذه العمليات تحير الاحتلال وتضعه في حالة من الإرباك عندما يرى أن هناك حالة مقاومة عفوية لدى الشباب الفلسطينيين دون أن يكون بوسعه وضع خطط للإمساك بهؤلاء الشباب".

 

وأعرب المدلل عن اعتقاده بأن هذا النوع من العمليات الفردية قد يشكل بداية لنهج جديد في المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، موضحا: "ثقافة المقاومة مغروسة في نفوس الفلسطينيين، وما نحتاجه هو الإرادة، وصراعنا مع الاحتلال صراع إرادات، فالإرادة موجودة عندنا، وهي التي تجسدت في روح معتز حجازي ليقوم بمثل هذه العملية، وستتمثل في قلوب وعقول الكثير من أبناء شعبنا إذا ما استمرت انتهاكات الاحتلال، ومن المؤكد أن هذه الحالة ستستمر في كل المواقع طالما أن هناك احتلالا لأي جزء من أرض فلسطين".

 

وشدد المدلل على أن "المقاومة في الضفة يجب أن تأخذ دورها، وقد رأينا كيف كان لها دور كبير في السابق وضربت الاحتلال في مقتل بالعمليات الاستشهادية، فلا بد من إطلاق يد المقاومة ووقف التنسيق الأمني الذي أضر بالمقاومة".

 

وعن السلطة الفلسطينية قال: "الاحتلال أراد من السلطة أن تكون لها وظيفة معينة وهي حفظ أمن العدو، لذا فإننا دوما نطالب السلطة بوقف المفاوضات التي ثبت أنها عبثية وأنها أعطت الاحتلال الغطاء للاستمرار في إجرامه والاستيطان وتهويد القدس واقتحامات الأقصى وحصار غزة والعنصرية القاتلة التي يعيشها أهلنا في الداخل المحتل، وعلى الرئيس محمود عباس أن يعود إلى خيارات الشعب والالتفاف حول راية المقاومة ووقف التنسيق الأمني الذي أضر كثيرا بالقضية والمقاومة".