الإعلام الحربي - خاص
لا يخفى على أحد الواقع الصعب والمرير الذي يعيشه أبناء شعبنا، في ظل الحصار المطبق والمفروض على قطاع غزة منذ ما يزيد عن ثمانِ سنوات، إضافة لاستمرار حالة الانقسام والتشرذم والصراع على "كعكة" السلطة، والتي شكلت هي الأخرى كارثة حقيقية تهدد الوحدة التي تجسدت على الأرض خلال معركة "البنيان المرصوص"، مما شكل ــ الحصار والانقسام ـــ تربة خصبة لعمل أجهزة المخابرات الصهيونية التي لم تدخر جهداً أو وسيلة من الوسائل للإيقاع بأبناء شعبنا في وحل الخيانة، في ظل غياب حقيقي لدور المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والأسرة في العمل على تحصين الجبهة الداخلية والمساهمة في حل مشاكل شبابنا قدر المستطاع، ومن هنا ارتأى "الإعلام الحربي" تسليط الضوء على واحدة من أهم وأخطر النتائج التي ساهم الحصار والانقسام ببروزها بصورة لافتة وتدعوا إلى دق ناقوس الخطر، ألا وهي ظاهرة "الجاسوسية".
تعدينا الخطوط الحمراء
يقول الأخصائي الاجتماعي الدكتور ناصر مهدي:" انه لا يمكن عزل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة، وغياب أي أفاق تبشر ببوادر خير للأجيال الفلسطينية الشابة عن ما وصل إليه العديد من الشباب من حالة ضياع وتيه"، مشيراً إلى وقوع العديد من الجرائم التي كانت تشكل خطوط حمراء، كجرائم قتل الابن لوالديه، والأب لطفله، وغيرها.
وأكمل حديثه قائلاً لـ"الإعلام الحربي":" ظاهرة العمالة ليس بالظاهرة الجديدة وهي ليست حكراً على مجتمع دون آخر، لكن الواقع المرير الذي نحياه يشكل تربة خصبة لأجهزة المخابرات الصهيونية وغيرها لاصطياد أبنائنا الذين يبحثون بكل لهف عبر العديد من الوسائل ربما أخطرها الفضاء الالكتروني، عن طوق نجاة للخروج من الواقع المـتأزم الذي يعيشون فيه في ظل الحصار والانقسام وشح فرص العمل". منوهاً إلى أن إقبال الشباب في الآونة الأخيرة على أعمال غير شرعية أو قانونية عبر شبكات التواصل، عدا عن ظاهرة "الترامادول" التي يلجأ إليها الشباب هروباً من حالة اليأس التي تسيطر عليهم، إضافة لظاهرة هجرة الشباب التي توجت بمقتل أكثر من أربع مائة فلسطيني في ظروف لا زال يكتنفها الغموض.
ولفت الاخصائي الاجتماعي إلى الخطورة الكامنة في ارتفاع معدلات البطالة وتفاقمها، حيث تجاوزت الـ 60%، فيما وصلت بين صفوف الشباب نسبة الـ 80%، موجهاً صرخة إلى كل أصحاب القرار بسرعة التحرك قبل فوات الأوان، ووصول الأمور إلى مرحلة الغرق على حد وصفه. واستطرد قائلاً :" للأسف الشديد شبابنا اليوم سلعة تباع وتشترى كما العبيد ولا نرى احد يحرك ساكن لتغيير الواقع التعيس".
ورداً على سؤال، عن الحلول التي يراها للازمات المتفاقمة التي يعيشها معظم أبناء شعبنا، قال مهدي :" الحقيقة أن الكل يتحدث عن أزمات ومشاكل، ولا أحد يتحدث عن حلول، لأن الحل يكمن في إتاحة الفرصة الحقيقية للشعب الفلسطيني في اختيار قيادة فلسطينية جديدة لديها القدرة على إعداد الاستراتيجيات ووضع الحلول وقادرة على تنفيذها، مؤكداً أن الحلول يجب أن تشمل جميع المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وختم الأخصائي حديثه بمقولة للفيلسوف الصيني "كونفوشيوس"، " لا غنى في حكومة فاسدة ولا فقر في حكومة صالحة".
شعبنا عصي يأبى الانكسار
ومن جانبه وافق المحلل السياسي خليل القصاص، رأي الأخصائي الاجتماعي الدكتور مهدي، أن الحصار واستمرار الانقسام تشكل بيئة خصبة لاختراق أجهزة المخابرات الصهيونية وغيرها لجبهتنا الداخلية.
واستدرك قائلاً :" لكن الأمر يظل محدوداً لأن شعبنا بكل أطيافه يتمتع بحس أمني كبير، ولديه حصانة شديدة من الوقوع في وحل الخيانة، حيث أن الكثير من أبناء شعبنا يفضل الموت على أن لا يخون ووطنه أو أبناء شعبه".
وأكمل القصاص حديثه لـ "الإعلام الحربي":" محاولة الاحتلال اختراق جبهتنا الداخلية وزرع البلبلة في صفوف أبناء شعبنا أمر ليس جديداً ، وقد اتخذ اشكالاً عديدة على مر العصور والأزمنة، لكنها جميعها تحطمت على صخرة صمود شعبنا العصي عن الانكسار". موضحاً أن عمل أجهزة المخابرات ليس مقتصرا على إسقاط شبابنا في وحل الخيانة، بل هناك دور خطير له، لا يدرك حقيقة خطورته إلا من يعملون في هذا المجال، ألا وهي زرع الفتنة وإشاعة الفوضى المغرضة من أجل زعزعة الوضع وخلق حالة من عدم الاستقرار والبلبلة ، والسعي الحثيث والدائم لضرب العقيدة الوطنية والجهادية لدى أبناء شعبنا.
وشدد المحلل السياسي على ضرورة تحصين الشباب الفلسطيني من خطر الوقوع في مستنقع الجاسوسية بتعزيز روح المواطنة والانتماء لهذه الأرض، من خلال فتح آفاق جديدة من العمل والبرامج لاستيعابهم وانتشالهم من مستنقع البطالة والفقر،لافتاً إلى أن تحقيق ذلك لن يتأتّى إلا من خلال تحقيق المصالحة في إطار عمل وطني شامل يشارك فيه الجميع بلا استثناء، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل دورها.
وطالب القصاص كافة الجهات الأمنية المختصة بعدم إغلاق باب التوبة أمام العملاء أو تحديده بفترة زمنية محددة، بل العمل على فتح ذراع الأمن والأمل ليكون حضن وطنه أوسع له من إغراءات العدو.

