نص كلمة الدكتور رمضان شلّح، بعرس الشهيد القائد محمد عبدالله "أبو مرشد" 29/12/2007

نص الكلمة التي ألقاها ، الدكتور رمضان عبدالله شلّح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين عبر الهاتف ، في بيت عزاء الشهيد القائد محمد عبدالله "أبو مرشد" مساء السبت 20 ذي الحجة 1428هـ ـ الموافق 29/12/2007م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، إمام المجاهدين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

إلى أسرة الشهيد القائد البطل الأخ "أبو مرشد" رحمه الله..

إلى إخواني وأبنائي مجاهدي سرايا القدس البواسل وكل قادة وكوادر وأبناء حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في الوطن الحبيب..

وإلى أهلنا وشعبنا في القطاع الصامد، وفي فلسطين الغالية..

إليكم جميعاً أتوجه بالتهنئة والتبريك على استشهاد القائد الفارس "أبو مرشد" وأشاطركم الحزن والألم على رحيله وغيابه المفجع والموجع.

إخوتي وأهلي الأعزاء.. ربما لا أجد الكلمات واللغة المناسبة التي يمكن أن تعبر عن حزني الشخصي وألمي الخاص بفقد الأخ القائد "أبو مرشد". لقد عرفت الأخ محمد عبدالله قبل أكثر من عشرين سنة عندما كان طالباً درّسته في قسم الاقتصاد بالجامعة الإسلامية في غزة.. كان محمد آنذاك طالباً مجتهداً متفوقاً فذاً نابغة، وكان مثالاً للأخلاق والالتزام والشرف والعفة والحياء. وعندما طرح اسمه في قيادة سرايا القدس، وكنت أسمع عن إبداعه وبطولاته لم أكن أستغرب، وكنت دوماً أقول هذا هو محمد "أبو مرشد" الذي أعرفه، ولا يمكن أن يكون منه إلا هذا الإبداع والتفوق في الجهاد والمقاومة كما عرفته متفوقاً في الجامعة.

عندما سمعت باستشهاده ونزل علينا الخبر نزول الصاعقة لم أستغرب أيضاً، بل قلت بكل جوارحي، هل يمكن أن تتوج مسيرة حياة هذا المجاهد البطل بغير الشهادة في سبيل الله؟! من أحق من "أبو مرشد" وإخوانه الشهداء الأبطال بتاج الفخار لنيل هذا الشرف العظيم، وهذا المجد الكبير في الإصرار على أن تبقى راية الجهاد، راية الإسلام، وراية فلسطين، مرفوعة بالدم وبالروح يا "أبو مرشد" في زمن الخنوع والاستسلام الذي سقط فيه النظام العربي في وحل الهزيمة والانكسار أمام المشروع الصهيوني الذي يعربد في المنطقة والعالم كله.

أخوتي وأهلي الأحباب..

أعرف أن المصاب كبير.. وأن الألم الذي يعتصر قلوبنا جميعاً على فقد الشهداء الذين يرحلون تباعاً في قوافل تلو القوافل، لا تقوى على حمله الجبال، لكنه يتنزل على القلوب المؤمنة بالله قدراً من الله، لابتلائها وتمحيصها في اختبار الثبات على الحق.. وحتى نقوى على الصمود ومواصلة هذا الطريق الصعب، وطريق ذات الشوكة، علينا أن نعتصم بالله، وأن نثق به، وأن نتوكل عليه سبحانه، وأن نتذكر جملة من المعاني الإيمانية العظيمة.. أذكر منها:

أولاً: إن الشهادة هي مبتغى هؤلاء المجاهدين الأبطال، بل هي أمنية كل مؤمن، وكل مخلص، وكل من سلك طريق الجهاد ابتغاء مرضاة الله. نعم، نحن نريد أن نحقق الانتصار، ونريد أن يكون الجهاد طريقاً للحياة لا بوابة للموت فقط.. لكننا في ظل اختلال موازين القوة، وإصرار العدو على سحق خيار الجهاد والمقاومة، يصبح حمل الراية ومواصلة الجهاد، بأي شكل وبأي قدر، عملاً استشهادياً، وتصبح الشهادة هي الانتصار.. "فأبو مرشد" ومن قبله "أبو مؤمن" وكل أبناء السرايا.. وكل شهداء شعبنا ممن يستشهدون، نعم إنهم استشهدوا، لكنهم انتصروا.. انتصروا على كل من يريد أن تكون الهزيمة والاستسلام هي ثقافة المرحلة وعنوان المرحلة.. وعندما ينال المجاهد مبتغاه بنيل الشهادة يجب أن نفرح له، ونتقبل التهاني لا التعازي باستشهاده.

ثانياً: نحن نعلم أننا نخوض معركة غير متكافئة مع هذا العدو المجرم.. ونحن على مدار الوقت نصرخ بإخواننا المجاهدين، ونهيب بهم أن يأخذوا حذرهم، وأن لا يكونوا صيداً سهلاً لهذا العدو الشرس، وأن لا يعطوه فرصة لتسجيل انتصارات وإنجازات بحصد رؤوسهم وأرواحهم.. نحن نناشدهم أن يأخذوا بكل أسباب الحيطة وأشد الإجراءات الأمنية في حركتهم وتنقلاتهم، وأن يبتعدوا عن كل ما يمكن أن يُعرّض حياتهم للخطر، لاسيما استعمال الهواتف النقالة التي تدل طيران العدو عليهم..

نعم، نحن نطالب بكل هذه الإجراءات، لكن أقول لكم يا إخواننا وأهلنا الكرام، واسمعوا هذا الكلام جيداً وعوه، أننا يجب أن لا نصاب بالهلع والجزع في لحظة المصيبة، ونبدأ نندب حظنا بأن إخواننا لو فعلوا كذا وكذا، أو لم يقوموا بواجبهم في الدفاع عن شعبهم، ما قتلوا وما استهدفهم العدو المجرم!! حذار.. حذار أن نقع في ذلك. والإسلام نهانا عن مثل هذا التفكير، وهذا السلوك.. رغم أننا نصرخ كل لحظة بأن يأخذ الجميع الحيطة والحذر، لكن يجب أن لا نقع في حبائل الشيطان، كما لو كنا لا نسلم بقضاء الله وقدره، والعياذ بالله..

معشر الأحبة.. القرآن الكريم يقول لنا: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(.. ما ينبغي لنا أبداً أن نقول لو أن فلاناً فعل كذا ولم يفعل كذا لما قتل أو استشهد.. ورسولنا وحبيبنا ومعلمنا الأول، صلوات الله وسلامه عليه نهانا عن ذلك، وقال "إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا.. ولكن قل قدر الله وما شاء فعل.. فإن لو تفتح عمل الشيطان".. ما كان بالأمس كان ونحن أبناء اليوم. "إن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". قال تعالى: )مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ(.

قال العلماء: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.. إننا نرضى ونسلم بقضاء الله وقدره وسبحانه وتعالى.. نرضى ونسلم أن أبا مرشد قد لبى نداء الله عز وجل وتركنا ونحن في أشد وأمس الحاجة إليه.. لكن عزاءنا أننا نقرأ قول الله تعالى: )قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ(.

الله يصطفي الشهداء.. والله يصطفي القادة من سرايا القدس الأبطال ليمحص قلوبنا ويمتحننا نحن بفراقهم )وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(..

إخوتي وأهلي والأحباب..

أعلم أن مصابنا وجرحنا بفقد "أبو مرشد" وإخوانه مصاب كبير وجرح عميق، لكنني أؤكد لكم، وكلي ثقة بالله سبحانه وتعالى، أن دماء "أبو مرشد" وإخوانه لن تذهب سدى، لا عند الله ولا عند الناس ولا عند التاريخ.. ولا عند فلسطين التي روت بدمائهم الطاهرة، اليوم سرايا القدس بدماء هؤلاء الشهداء القادة هي شاهد المرحلة، هي الشاهد على العالم، هي الشاهد على الأمة كلها..

عندما يهيم الحجيج من أبناء فلسطين في عرض البحر على وجوههم وتذعن الأمة لاملاءات إسرائيل، وكأن دين الله في الأرض لا تقوم له قائمة إلا بموافقتها، أو كأن الله لا يعبد إلا كما تريد إسرائيل! هذا هو الهوان الذي وصلت إليه الأمة اليوم!

فلسطين تذبح من الوريد إلى الوريد، ولا أحد يحرك ساكناً، إلا "أبو مرشد" وإخوان "أبو مرشد". هنيئاً لكم يا شعب فلسطين.. لقد ترككم العرب والحكام الجبناء الأذلاء، لكن الله لن يترككم ولن يضيعكم.

سرايا القدس تشهد لكم بدماء القادة اليوم، وتقول للعالم كله إن طريق التسوية هي طريق العار الذي لم يجلب لنا سوى الموت والقتل والدمار.. لتذهب التسوية والتهدئة إلى الجحيم، فهذا العدو المجرم لا يفهم إلا لغة القوة ولغة النار..

نعم، إن مصابنا بفقد "أبو مرشد" ومن قبله أبو مؤمن وإخوانهم جميعاً كبير، لكننا نقول لقادة العدو إننا لن نستسلم، ولن نرفع الراية البيضاء.. حركة الجهاد الإسلامي لن تستسلم.. سرايا القدس لن تستسلم.. الاستسلام كلمة ليست في قاموسنا، ولا يعرفها مجاهدونا، ولا يعرفها أبطالنا.. ولا هي من وصايا الشهداء عندنا.. الاستسلام هي لغة المساومين على الحق.. لغة المساومين على الدم.. لغة المساومين على العقيدة والتاريخ.. لغة المساومين على الحاضر والمستقبل.. فليست حركة الجهاد هي التي يمكن أن تنكسر أو تستسلم أو تساوم على الحق كل الحق، لفقدانها الشهداء في ميدان الشرف.. ميدان مقارعة الأعداء في زمن نكص فيه كثيرون على أعقابهم وولوا الأدبار..

لن نستسلم.. وسنواصل مسيرة الجهاد حتى النصر والتحرير بإذن الله..

ـ بوركت سواعد المجاهدين الأبطال..

ـ بوركت السرايا.. وأبناء السرايا.. وقادة السرايا.. وهم في مرمى النار والاستهداف الصهيوني المتواصل..

ـ بورك كل المجاهدين والمقاومين الشرفاء من أبناء شعبنا في سائر القوى والفصائل المجاهدة والمناضلة..

ـ وأناشد الجميع مرة أخرى أن يأخذوا حذرهم ولا يكونوا صيداً سهلاً لأخس البشر على وجه الأرض، بل لهذه الوحوش الصهيونية من أعداء الله وأعدائكم وأعداء الإنسانية..

ـ رحم الله الشهداء الأبطال..

ـ رحم الله القائد البطل "أبو مرشد" وكل إخوانه الأعزاء.. وعوضنا وعوض أهلهم وذويهم وشعبهم وأمتهم عوض خير، وأن يحمل الراية من بعدهم منهم على شاكلتهم إيماناً وإخلاصاً ووعياً وبذلاً وتضحية في سبيل الله عز وجل..

ـ عظم الله أجركم جميعاً، وهنيئاً للشهداء نعمة الشهادة والفوز برضوان الله إن شاء الله )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(.

بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم أبو عبدالله

disqus comments here