أسرة الشقاقي لـ"الإعلام الحربي": أبو ابراهيم سيبقى حياً في وجدان كل من عرفه

لا زلنا نتلمس سيرته العطرة من كل أحبابه ورفقاء دربه والذين عايشوه, ننهل من بحره العذب الذي لا ينضب كل المعاني الخير التي تغرس في النفوس أجمل معاني الحياة بعزة وكرامة وإباء, دون أن ننحني إلا لله الواحد القهار, نستخرج من كل من عرفه وعايشه تفاصيل حياته اليومية, وأي إنسان يمكن أن يشرح لنا تفاصيل حياته أكثر من شقيقه الدكتور عبد العزيز الشقاقي وشقيقته "أم حازم " الذين عاشوا معه سنين طفولته وشبابه، ورافقه شقيقه رحلة دراسته الجامعية في مصر، وعاشوا معه فترة تكوين نواة حركة الجهاد الإسلامي وكيف تبلورت لديه هذه الفكرة وكيف غذاها ورعاها وآمن بها وضحى من اجلها بحياته.

وفاة والدته غيرت مجرى حياته
فحول ما يمثله الدكتور فتحي لشقيقه د.عبد العزيز أكد أن الدكتور فتحي كان بمثابة الأخ والصديق ورفيق الدرب والمعلم وبغيابه ترك فراغاً كبيراً، قائلاً :" الدكتور فتحي كان لنا الأخ والأب في غياب الوالد الذي كان يعمل في سيناء، وبعد وفاة والدتنا، ولا زال صغيراً لا يتجاوز عمره الخمسة عشر عاماً، صار لنا كل شيء في حياتنا، فكان ( رحمه الله) لجانب دراسته يقوم بأعمال المنزل من طبخ وعجن وإعداد للطعام وسهر على راحتنا"، واصفاً تلك المرحلة بأجمل فترات عمرهم رغم قسوتها.

وأضاف" فتحي كان أكثر المتألمين لوفاة والدتنا، ربما لأنه كان أكبرنا وأكثرنا قرباً منها ، فأمي (رحمها الله ) كانت مدرسة استفاد منها شقيقنا كثيراً"، وتابع قائلاً:" أذكر عندما توفيت كيف أغلق على نفسه الباب لمدة اسبوع لم يحدث احد وهو يعيش حالة الفقدان العصيب".

الشقاقي والانضمام للإخوان
وحول هزيمة 1967 وتأثير ذلك على الدكتور فتحي قال د. عبد العزيز "لم يكن الدكتور قد أكمل عامه السابع عشر , إلا انه أصيب بحالة من الانهيار والصدمة فكانت المراجعة للفكر القومي والبحث عن الإسلام ، أما لماذا لم يقتنع الدكتور فتحي بالفكر الذي كان سائدا في تلك الفترة فيبرره د.عبد العزيز قائلا : الفكر الذي قدم للدكتور في تلك الفترة لم يكن مقنعا للشهور التي قضاها متألما ومسحوقا فهو لم يقدم التفسير الفعلي لأسباب الهزيمة ، بينما كان الفكر الإسلامي الذي جاء أكثر إقناعا بالنسبة لفتحي خاصة لأسئلة عميقة من قبيل من نحن؟ لماذا نُهزم ؟ ولماذا الآن ؟ لماذا انتصرنا سابقاً وخسرنا الآن ؟، منوهاً الى انضمام الشهيد لحركة الإخوان المسلمين في تلك الفترة، حيث كان يعقد جلسة اسبوعية في منزله تضم الكثير من قادة الإخوان ورموزها على الساحة اليوم.

أما عن علاقة الدكتور بمن حوله، فأشاد الشقاقي بعلاقة شقيقه الواسعة بكافة الاطر والشباب منذ كان طالباً، حيث كان يعقد جلسات فكرية في منزله وهو لازال في مرحلة الثانوية العامة، مشيراً إلى أن د. فتحي كانت علاقاته مع من حوله تتسم بالعطاء والإحساس بالمسئولية منذ صغره ، فهو أب وأخ وصديق لجميع من حوله.

الشقاقي وارتباطه بالقدس
وتطرق خلال حديثه إلى حياة الدكتور فتحي الشقاقي في الضفة الغربية ومدينة القدس، قائلاً :" الشهيد كان يسكن في منطقة سلوان، حيث كان يعمل مدرساً للرياضيات في بيت حنينا، وبعدها انتقل لمدرسة(دار الايتام )، وفي تلك الفترة دعاني لزيارته، لأنه قرر اعادة مرحلة الثانوية العامة معي، وهناك قضيت معه اجمل فترة في عمري، حيث كنا كثيراً ما نقرأ في صحن المسجد الاقصى او تحت اشجار الزيتون"، مشيداً بعلاقة شقيقه الواسعة بسكان مدينة القدس رغم الفترة القصيرة التي قضاها هناك، وارتباط الشديد بمدينة القدس.

مصر .. بداية دعوته الجهادية
وحول بداية نشاطات الدكتور فتحي البعيدة عن فكر حركة الإخوان الذي وصل معها إلى طريق مسدود بسبب تمسك القائمين عليها في تلك الفترة بأفكارهم التقليدية، فيقول :" درسنا سوياً في مصر انا في القاهرة وهو في جامعة الزقازيق، وكنا ننتمي لحركة الإخوان المسلمين وكانت الآراء تتباين يوما بعد يوم بين فتحي والإخوان واخذ الشباب يتجمعون سويا في محاولة للنهوض بهذا الوضع بلا فائدة فكانت النتيجة وجود تيار يؤمن بفكر أكثر ثورية واضعا القضية الفلسطينية قضية مركزية فتتطور هذا التيار إلى أن شكل في النهاية حركة الجهاد".

وأضاف: "الجامعات كانت في تلك الحقبة تعيش بداية العودة إلى الإسلام من خلال الجامعات وهو ما استغله الدكتور فتحي لتوضيح أفكاره والوصول إلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية حيث أن الطلاب المصريين والفلسطينيين والعرب بدأو يلتفون حوله وكان منزله بمثابة مركز لتجمع هؤلاء الشباب ، ويحدثهم فتحي فيه عن الإسلام وعودة الإسلام وانتصاره".

الشقاقي هوجم لنهجه الثوري
وأثناء حديث د.عبد العزيز عن كتابات الدكتور توقف عند كتاب "الخميني الحل الإسلامي والبديل" وقال" في يوم 16-2-1979 تحديدا صدر أول كتاب باللغة العربية في العالم يتحدث عن انتصار الثورة الإسلامية بإيران والذي نفذت طبعته الأولى(عشرة آلاف نسخة) فور صدورها بأيام وتم اعتقال الدكتور بسببه لمدة مائة يوم وافرج عنه بعد تدخل نقيب الصحافيين، حيث اكمل دراسته وعاد سراً الى قطاع غزة بعد اغتيال الرئيس انور السادات حيث اتهم بالمشاركة في التخطيط لعملية الاغتيال، مبيناً أنه لا احد من التيارات الاسلامية عاب على الدكتور طباعته لهذا الكتاب في بداية الامر، ولكن عندما اعلن عن تشكيل تنظيمه الجديد بدأ الكثير من اتباع الحركات الاسلامية التقليدية يشن هجومه اللا اخلاقي على الدكتور فتحي بلا رحمة.

أمينة السرّ
أما شقيقته آمنة الشقاقي " أم حازم" ، فبدأت حديثها بالثناء والرحمة على روح شقيقها الشهيد قائلة:" رحمه الله كان نعم الاخ، والصديق والرفيق، كان لنا كل شيء في حياتنا، وكنا له كل شيء ، رغم مشاغله الكثيرة ودراسته،وعمله، كان لا يتأخر عن مساعدتنا في ابسط الامور المنزلية".

وأضافت :" لقد شغلنا خلال سنوات عمره القصيرة بفلسطين واليوم تشغلنا فلسطين بابي إبراهيم، الذي أسس تنظيم الجهاد الاسلامي ليكون عنوان تحرير فلسطين ".

واستطردت قائلةً :" كنت إذا نظرت في سلوكه اليومي ستشعر أنه متفرغا لعائلته، وان لا شيء في الدنيا يشغله عن اسرته، وعندما ترى ما يقوم به من أجل فلسطين تشعر انه فلسطين هي هدفه الاول والاخير، لقد كان رحمه الله مقسماً وقته تقسيماً دقيقاً، بين القيام بواجبه ازاء اخوانه الأيتام، ودراستهـ وعمله التنظيمي والتنظيري، ومطالعته للصحف والكتب".

وتحدثت أم حازم على العديد من المحطات التي عاشتها مع الدكتور فتحي (رحمه الله)، مؤكدةً أن الشهيد كان يعتبر أمينة سرّ التي كان يوكل لها كافة المهام الصعبة، مستعرضة بعض المواقف التي تنم على حجم المعاناة التي كان يواجهها الدكتور فتحي الشقاقي وأسرته في سبيل دعوته الجهادية.

أما عن لحظة استقبالها لنبأ استشهاده، فقالت:" كنت في البيت، ولكن شيء ما اصابني وقتها، وبدأت افكاري تذهب هنا وهناك، فتوجهت على الفور صوب منزل والدي، لأجد الناس قد تجمعت حول المنزل التي بدأت تقدم لي واجب العزاء، ورغم شدة وقع الحدث على قلبي، رزقني الله الصبر والاحتساب"، مؤكدة على عمق العلاقة التي كانت تربطها بالشهيد منذ تحملت وإياه مسئولية اسرتهما وتربية أشقاءها الصغار بعد وفاة والدتها.

وأضافت أم حازم :" بعد مرور 22 عاماً على استشهاده استطيع القول أن شقيقي رحمه الله لم يغب عن وجدان الأمة وسيبقى حاضرا في ذهن كل من أحبه ".

وأضافت :" الثمن الذي دفعه الشقاقي كان يدرك أنه سيقدمه وذلك وفق ما أكده لي كل من عرفه وعايش معه".

وختمت حديثها بعد توقفها لهنيهة وكأنها عات بالذاكرة الى زمن الدكتور فتحي الشقاقي، ثم قالت:" إن دماء شقيقي ستبقى وقودا يحفزنا نحو انتهاج طريقه للنصر والتحرير".

disqus comments here