رؤية "الشقاقي" تزداد وضوحاً في واقعنا الحاضر

تمر علينا هذه الأيام الذكرى التاسعة عشر لرحيل الدكتور المفكر فتحي الشقاقي، فرغم الفترة العمرية القصيرة للشقاقي (1951-1995) إلا انه أضاف إرثا ثقافيا وفكرياُ وسياسياً بل رؤية شاملة ومتكاملة تزداد وضوحا ًومصداقية كل يوم.

فقاعدة التنوع واهتمام الشقاقي بمجالات الفكر الإنساني كعلوم ومعارف الدنيا، مروراً بعلوم اللغة وآدابها وقضايا السياسة والنهضة والروايات والدواوين الشعرية والتاريخ ومصادره الأساسية، بالإضافة إلى قاعدة التتبع وقاعدة الالتزام بآداب فقه الاختلاف جعلت الشقاقي يقدم أجوبة مقنعة لجميع القضايا الجوهرية والشائكة على الصعيد الفلسطيني والعربي والإسلامي وحتى الإنساني.

هذه الأجوبة تعتبر حلولاً للمشاكل التي يعيشها الإقليم والمنطقة بشكل عام، ومما ساعد الشقاقي على ذلك أيضاً انه مرّ بمراحل مختلفة حملت أفكاراً متعددة بل متباينة في بعض الأحيان، فقد مر بمراحل نضوج مختلفة تتجدد وتتطور خلالها الرؤى والأفكار والمفاهيم والنظرة إلى الأمور وكل هذا كان نتيجة قراءاته الكثيرة والمتنوعة، ويمكن إجمال أهم الرؤى والمرتكزات التي أكد عليها الدكتور فتحي الشقاقي فيما يلي:

1- أكد الدكتور فتحي الشقاقي على مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها القضية الأهم للمسلمين، وما تشهده المنطقة والإقليم من تطاحن عبثي إلا لانحراف البوصلة عن فلسطين وما نتج عنه من سفك للدماء وقتل الأبرياء وتهجير السكان.

2- الدكتور الشقاقي أكد على ضرورة وحدة الحركة الإسلامية، وأن وحدتها والالتفاف حول ما يجمع هو سبيل مهم لتوحيد الطاقات من اجل تحرير فلسطين، وما انخراط جزء من الحركة الاسلامية في أنظمة الحكم السياسية لبعض البلدان وما نتج عنه من مظاهر سلبية إلا بسبب تشتت الحركة الإسلامية وخوضها بعض التجارب بشكل منفرد.

3- كما أكد الدكتور المفكّر الشقاقي على وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية بعيداً عن الأيديولوجيا والمرجعيات الفكرية، مشددا على ضرورة الوحدة وأن طاقة هذه الحركات والتنظيمات يجب أن تكون متجهة جميعا صوب العدو المشترك المتمثل بالعدو الصهيوني وواقعنا الحالي وما تمثل بوحدة الوفد الفلسطيني الموحد للقاهرة أكد صدقية الشقاقي حول أهمية القرار الموحد.

4- ركز الدكتور فتحي على وحدة الامة الاسلامية وحذر من تداعيات التفتت بدعاوى الطائفية والمذهبية وهذا يعكس اهتمام الدكتور الشقاقي بقضايا الأمة الجامعة وما الحرب المجنونة التي تدور رحاها في المنطقة الآن إلا نتيجة تساوق بعض الجماعات ومن ورائها بعض الأنظمة في الإقليم مع هذه الحرب الطائفية القذرة.

5- رفض الدكتور الشقاقي مشروع التسوية لما له من تأثيرات سلبية على مشروع المقاومة والتحرير وما تشهده هذه الأيام من عقم هذا الخيار إلا دليل على صدقية هذه الرؤيا كما اكد رفضه المشاركة في مؤسسات السلطة كذلك الانتخابات كونها إفرازا من إفرازات "أوسلو" وما الحصار والمعاناة التي تعرض لها قطاع غزة نتيجة انخراط جزء من الحركة الوطنية الإسلامية في السلطة ما هو إلا دليل على ان مشروع التسوية مكبل بالإرادة الدولية الظالمة.

وأخيرا يحسب للشقاقي أنه استطاع بجهده الكبير والمتواصل أن يحول مجموعة الأفكار التي آمن بها إلى حركة على ثرى فلسطين أثّرت بشكل إيجابي وبنّاء في إعادة صياغة المناخ الفكري والثوري للتجربة الثورية الفلسطينية.

فما أحوجنا إلى العودة إلى هذا الإرث الذي أنتجه الدكتور فتحي الشقاقي بصفته ليس أمينا عاما لحركة فلسطينية مجاهدة، فقط بل قائدا ومفكرا ومثقفا واعيا على مستوى العالم العربي والإسلامي والإنساني.

disqus comments here