الإعلام الحربي- خاص
الحديث عن الشهداء هو اقتحام لعالم آخر، لأناس بالفعل عاشوا معنا فترة حياتهم القصيرة لكنهم كانوا غرباء في سلوكهم وتصرفاتهم وحركاتهم، كأنهم حقاً قدموا من عالم آخر ليس بعالمنا المليء بالفتن والمصائب والذي نسأل الله أن يجنبنا ويلاتها ويرزقنا الخير وما يقربنا إليه من عمل..
هم ضيوف عاشوا على هذه الأرض وتركوها بعد أن كتبوا بدمائهم لنا المجد ورسموا لنا الطريق التي تقودنا إلى رضا الله ورضوانه، هم بالحق رجال من زمن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين..
الحديث عن كرامات الشهداء شيء جميل، يجعلنا نقترب من نورهم لعلنا نقتبس منه، ما يعيننا على قسوة الحياة وفتنها التي هي كقطع الليل المظلم ..
الشهيد المجاهد "محمد الشامي" البريء المقبل على الله

منَّ الله عليه بأداء مناسك العمرة قبل أسبوعين من استشهاده، وفي آخر اتصال له بقيادته في غرفة العمليات قال بالحرف الواحد، "لا فرار اليوم"، فمعركتي مع العدو الصهيوني ستكون قاتل أو مقتول بإذن الله، وقبلها ومع بداية العدوان ردد أمام بعض الإخوة المجاهدين دعاء مفاده "اللهم إني بريء من أي عمل فيه شرك بالله، واعتبر عملي الجهادي ضمن سرايا القدس وسيلة وليس غاية نتقرب من خلالها إلى الله، فتقبلني ربي قبول حسن عندما آتي إليك كما تحب أن ترى عبدك" وكأن كان يعلم يقيناً انه على موعد مع لقاء الله.
الشهيد محمد الشامي كما حدثنا الكثير من أصدقائه كان رجل ملتزم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى الالتزام، وكان حريص على التخفيف على الناس، ويشفق عليهم.
أما دوره في معركة البنيان المرصوص فقد أبلى بلاءً حسن، وقاتل أعداء الله قتالاً شرساً بشهادة العدو الصهيوني نفسه، وكان معه ابن عمه الشهيد المقاوم هاني الشامي الذي استشهد قبله، فذهب إليه خلال اشتباكه مع جنود الاحتلال، وحاول إنقاذه، لكن الشهيد هاني لفظ أنفاسه الأخيرة ولسان حاله يقول "وعجلت إليك ربي لترضى"، فأخذ محمد سلاح "هاني" واقترب من جنود الاحتلال وهو يرميهم بالرصاص، فيما هم يفرون من أمامه كالنعاج و يصرخون، وأخذ يتصل بإخوانه في العمليات ويحدثهم عن قتله لجنود صهاينة ويقسم بالله انه قتل عدد من الجنود وهم أمام عينه غارقين في دمهم النجس، وبعدها انقطع الاتصال بمحمد، الذي استشهد بعد أن أطلق نحو أعداء الله "200" رصاصة من سلاح "B.K.S"، إلى جانب ما تبقى من رصاصات في سلاح الشهيد "هاني".
الشهيد المجاهد "إياد أبو ريده" النجم: صدق الله فصدقه الله

"النجم" كما كان يحب أبناء منطقته منادته، لما كان يتميز به هذا الشاب المجاهد من أخلاق عالية رفيعة، وتفوق في الكثير من المجالات، فقد كان ماهر في لعب رياضة كرم القدم، وماهر في تصليح الالكترونيات، وكان محبوب من الجميع بلا استثناء.
ويقول والده أنه لم يكن يؤمن أحد على ماله وسيارته التي يعمل عليها سائق أجرة، إلا نجله الشهيد "إياد" لما كان يتمتع به من أمانه، والتزام، وهدوء، وحب من كافة إخوانه وإخوته واقاربه.
الشهيد المجاهد إياد أبو ريده كان يتشوق عطشاً لأداء مناسك العمرة، ولكن استشهاده حال دون تحقيقه هذا الحلم.
أخلاق الشهيد إياد الذي تخرج قبل نحو سنتين من الجامعة، وحصل على شهادة الدبلوم في تخصص الخدمة الاجتماعية، جعلته محط أعجاب الكثير ، حيث أن احد أصدقائه عرض عليه أن يقوم بتزويجه، لكن الشهيد طلب منه تأجيل الموضوع لحين تحسن الظروف المالية معه، فقامت الحرب، فتوجه إليه صديقه بذات الطلب، فقال له، بعد الحرب بصير خير.
ويذكر له أحد أصدقائه موقف يدل على نبل الشهيد وشعوره بالآخرين ورغبته الشديدة بمد يد العون لهم، حيث أن أحد الفقراء توجه إليه، وطلب منه بعض المال كي يشتري لأطفاله الحليب، فقام بجمع مبلغ من المال منه ومن إخوانه المجاهدين وأعطاه للرجل الفقير، ويشهد أهل الحي الذي يقطنه بحسن أخلاق الشهيد، واحترامه للكبير وعطفه على الصغير.
في معركة "البنيان المرصوص" كان للشهيد صولات وجولات، يطول الحديث فيها، فالشهيد إياد الذي كان يعمل في وحدة الإسناد التابعة للسرايا، منذ اللحظة الأولى التي تلقى فيها تعليمات من الأخوة في القيادة بتجهيز المجاهدين والسلاح والعتاد والاستعداد للحظة الصفر، فقام الشهيد على الفور بتفقد المجاهدين، والصواريخ الموجهة وقاذف الهاون الذي كانت بحوزة مجموعته التي كان مسؤولها، وقام بتوزيع المهام على أفراد مجموعته، ومع بدء العدوان قام شخصياً برشق المغتصبات الصهيونية المحيطة بغلاف غزة بالصواريخ الموجهة، حيث بلغ عدد الصواريخ التي قذفها الشهيد على المغتصبات نحو أربعين صاروخ، في فترة ما قبل العدوان البري، عدا عن قذائف الهاون، حيث أن المخزون الصاروخي الذي كان لدى الشهيد مجموعته نفذ، وقام خلال العدوان بجلب صواريخ إضافية، وقام بنصبها رغم التحليق المكثف لطائرات الاستطلاع، الأمر الذي عرضه للاستهداف أكثر من مرة ، لكن الله قد كتب له النجاة والادخار لشيء عظيم، حيث تم استهداف بيته بصاروخ اف16 وتدميره، واستهداف المكان الذي لجأ إليه بعد استهداف منزله، وبات الشهيد مطارداً من طائرات الاحتلال وعملائها الذين كانوا يتربصون به, ومع بدء الاجتياح البري، كان بإمكان الشهيد إياد الخروج والاكتفاء بما قام به من دور بطولي، لكنه فضل الثبات عن القعود والهروب.
فحمل سلاحه وعتاده، واشترك برفقة مجاهدين من كتائب القسام، بعد ان عرض عليهم العمل المشترك، فطلبوا منه قطعة سلاح، لأن الأخ الذي كان ضمن المجموعة قد فقد سلاحه بسبب ما، فأعطاهم قطعتين من السلاح وأبقى لنفسه قطعة واحدة، وكمن مع المجاهدين في بيت داخل بلدة خزاعة، وما أن وصل جنود الاحتلال إلى المكان الذي يكمن فيه الشهيد إياد ومن معه من المجاهدين، فتم الهجوم عليهم وإمطارهم بوابل من الرصاص تحت صيحات التكبير.
فما كان من جنود الاحتلال إلا الفرار والعويل، فلحق بهم الشهيد إياد واستطاع الحصول على صاروخ موجه للأفراد من الجنود الذين هربوا، وتم استخدامه خلال الاشتباك ضد القوات الصهيونية التي قدمت بدباباتها والياتها المدرعة وحاصرة الشهيد اياد ومن معه لأكثر من ساعتين ونصف وهم يقاومون حتى نفذت الذخيرة، فاستشهد اثنين من مجاهدي كتائب القسام، وثالث تمكن من الخروج بأعجوبة في اللحظات الأخيرة ليكون شاهدٍ على واحدة من البطولات التي صنعها المجاهدين بوحدتهم والتفافهم حول بعضهم البعض.
أما الشهيد إياد الذي أصيب ظل كامن في البيت، حتى دخل الجنود إلى البيت وهاجمهم بالسلاح الابيض الذي كان بحوزته، ولم يتسنى لنا التأكد إن كان شهيدنا قد تمكن من إصابة جنود بالسلاح الابيض، لكن العدو تحدث عن تعرض جنوده للهجوم بالسلاح ابيض في تلك المنطقة.
أحد أصدقاء الشهيد إياد تحدث لنا عن آخر اتصال دار بينه وبين الشهيد، حيث قال عندما تم محاصرة خزاعة وارتقاء عدد كبير من الشهداء طلبت من الشهيد إياد الانسحاب من اجل الحفاظ على حياته، لكنه قال له :" سأبقى حتى يمكنني الله من قتل وخطف جنود، أو الاستشهاد"، فحقاً صدق الله وصدقه الله.

