من الأشياء التي تنغص على الشعب الفلسطيني حياته إضافة لمنغصات الاحتلال، هو خذلان الأمة العربية والإسلامية للقضية للفلسطينية التي تعتبر عقائديا بأنها وقف إسلامي لا يجوز التفريط فيه بسبب مكانتها المقدسة .. فأهل فلسطين وإن كانوا يعرفون واجبهم تجاه تحرير وطنهم، إلا أنهم يعرفون أيضاً بأن هذا الواجب ليس فرض كفاية على الأمة الإسلامية، وإنما فرض عين لا يسقط إذا أداه العدد الكافي من المسلمين! .. وحتى لو أفتى أحدهم بأن تحرير فلسطين فرض كفاية وليس فرض عين، فمن شروط فرض الكفاية هو أن يؤديه العدد الكافي من المسلمين ليسقط عن البقية، أما إن لم يتوفر هذا العدد الكافي، فكل من تخلف ممن علم به فقد وقع في الإثم .. بمعنى أن فرض الكفاية يتحول لفرض عين على كل مسلم ما لم تتوفر الفئة الكافية من المسلمين لتأديته .. هذا من الناحية الشرعية التي تصيب البعض بالمغص إن تم تقديمها بلغة بسيطة واضحة يفهمها الناس.. أما من ناحية مكارم الأخلاق العربية التي هي أصلاً ركيزة أساسية في سلوك المسلم، فالحديث عنها يطول والناس جميعاً تعرفه ، فالنخوة والشهامة والكرم ونجدة المظلوم من صفات العرب أصحاب مكارم الأخلاق، وقد ورثوها عن الأنبياء ومن اتبعهم إلى أن بعث الله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ليتممها.
في فلسطين -والجميع يعلم ذلك- لا تتوفر الفئة الكافية لتحرير فلسطين، وذلك بسبب تفوق الاحتلال الصهيوني في العدد والعدة، ولكن غالبية العرب والمسلمين يرون مجتمعين بأنهم وإمكانياتهم ليسوا ندا للصهاينة، وقد ترسخت فكرة لدى غالبية المسلمين إلا من رحم ربي ، بأن ما يزيد عن المليار مسلم وما يملكون من إمكانيات، ليسوا كفاية لتحقيق هذا الفرض ، ولذلك آثروا السلامة مع العدو الصهيوني مقابل الامتناع عن دعم الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه ، والضغط عليه ليكف عن مقاومة العدوان الاستعماري بالترغيب والترهيب والعنف إن لزم الأمر، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل، لأن الوقائع العملية أثبتتها مرارا وتكرارا، بصرف النظر عن الخطاب العربي والإسلامي المعاكس لها، وبصرف النظر عن الاستثناء الذي لا يتحول إلى قاعدة إلا بتغير واقع الحال!
لا أقول إن الشعب الفلسطيني قد فقد الأمل بالأمتين العربية والإسلامية.. بل الغريب في الأمر، أن هذا الشعب متفهم للمبررات التي تقدمها الأمتين في تقصيرهما تجاه ما عليهما من واجب، ولكن لا يمنع أن هذا التقصير أو هذا الموقف، بأن يكون أحد أسباب المنغصات التي يعيشها الشعب الفلسطيني سواء في فلسطين أو في الشتات .. ولعل أهل فلسطين في موقفهم هذا يمنون أنفسهم بأن يخرج يوما ما في زمن ما من صلب هذه الأمة، من يصحح هذا الموقف ويعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي ويتخذ موقفاً حازماً تجاه من ذبح المسلمين وشردهم واستباح أرضهم ومقدساتهم .. وهم إن كانوا ينتظرون فرج الله بهذا التمني على صبر وصمود، إلا أن انتظار الصابرين هذا، لا يمنعهم من مقاومة العدوان والأخذ بالأسباب للحد من توسعه وانتشاره على الأرض وفي النفوس.
كما أن لهذا الموقف السلبي من الأمتين العربية والإسلامية مرده وأعراضه على نفوس أهل فلسطين الصابرين، فهم وإن كانوا يعلمون ويلمسون ضعف الأمة وتقصيرها فيما عليها من واجب ، إلا أنهم يفرحون أيما فرح بما تقدمه من النزر اليسير الذي هو أقل من أضعف الإيمان، لذا لا عجب حين يفرح أهل فلسطين بشكل مبالغ فيه بكلام صدام وتهديدات نجاد وقسم بن لادن وتضامن نصر الله، ولا عجب أيضاً حين يحترم أهل فلسطين أردوغان لموقفه الأخير من الصهاينة رغم علاقة بلاده القوية معهم، وقد يفرح أهل فلسطين بلاعب كرة قدم أبدى تعاطفه مع غزة ، أو بإدانة شافيز غير العربي لعدوان حل عليها .. ولكن وعلى الرغم من كل ذلك، يعرف الشعب الفلسطيني ويدرك جيداً، أن الواجب يتم بالعمل المباشر، وأن الكلام والمواقف والتهديدات والإدانات والحلف بأغلظ الأيمان، لا تدفع عدوانا ولا تصد هجوما.. كما أنه يدرك أيضاً أن القول الذي يصدقه العمل هو وحده الذي تُعلق عليه الآمال، وكما أن الاحتلال معلوم في فلسطين، فمن يقاومه معلوم كالشمس في رابعة النهار، لا يجهله إلا أعمى بصر وبصيرة، ولا يحقر عمله إلا عميل منافق، ولا يلوث مقصده ويشكك في نواياه إلا حاقد محتال لم يقرأ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضائل أهل الشام ومكانة بيت المقدس.

