الاعلام الحربي - خاص
بيْت ليد.. لمْ تكنْ مُعجزة فحسب.. وإنّما كانت النّموذج الأوّل في تاريخ القضيّة المقدّسة.. وتحوّلاً نوعيّاً وفريداً في طبيعة الصّراع مع الكيان الصهيوني.. كانت تاريخاً يُصنع لتتدارسه الأجْيال القادمة ولتنقشها في وجْدانها لتكون لهم الملهم نحْو المجْد والعشق والحريّة.. فهي تاريخ مُشرق أضاءت حلكة الظّلام التي اتّشحت به كلّ فلسطين.. فكانت تَصنع توازناً حقيقيّاً مع كيانهم..
بيْت ليد.. ميلاد جديد للأمّة ولفلسطين.. كانت انْطلاق الأجْمل نحْو الأجْمل، حيْث صعود العشاق الذين انْبعثت أرواحهم الطّاهرة نحْو الخلود.. وتحديداً لخارطة الحدود التي رسمتها دماء الشهداء.. فهي كانت بوابة الثائرين ليُعيدوا صياغة المرحلة منْ جديد..
22/1/1995.. تاريخ مشرق كُتب بالدّم والانفجار.. منْ منّا ينْسى صلاح وأنور.. منْ منّا ينْسى عنْفوانهم وهم يثورون على كيان باطل وقاتل وغاصب.. بيْت ليد.. إليكِ ننشد بلحْنِ النّاي لنعزف بحروفكِ الثائرة قصّة شعب يعشق وطنه الجريح ليُداوي بأغنيته تلك الليالي التي عاشها دون ملْح الثوار الذين لمْلموا آلامهم وداووا جراح الشعب والوطن..
لا زالت عملية بيت ليد تحتفظ بشرف صدارة العمليات الفلسطينية الأكبر في تاريخ الصراع الفلسطيني، سواء من حيث كونها باكورة العمليات الاستشهادية المزدوجة أو من حيث الدقة المتناهية في اختيار ورصد الهدف ، وكذلك عدد الجنود القتلى نتيجة العملية.
بعد انتهاء القيادة العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي من دراسة مخططات العملية ورصد الهدف بدقة والتأكد من ازدحام المفترق المستهدف واكتظاظه بجنود جيش الاحتلال حدد يوم الثاني والعشرين من يناير للعام 1995 ليكون ساعة الصفر لتنفيذ العملية.
وترجل الاستشهاديان صلاح شاكر وأنور سكر إلى مفترق بيت ليد المعروف صهيونيا باسم مفترق نتانيا بلباس جنود الاحتلال وبحقائب مماثلة لحقائب الجنود تحمل مواد متفجرة تزن 10 كجم داخل كل حقيبة .
وتمثلت مهمة الاستشهادي الأول أنور سكر بالدخول إلى الاستراحة الخاصة بجنود الاحتلال والتي يجلسون فيها لانتظار الحافلات التي تقلهم إلى ومن مواقعهم العسكرية ؛ لتفجير الحقيبة الناسفة بالجنود ، وهو ما سيدفع الجنود المتحصنين بالمبنى للخروج هربا من صوت الانفجار وتفقد القتلى.
وهو ما تم بالفعل في تمام الساعة التاسعة وعشرون دقيقة صباحا , فسقط العديد من جنود جيش الاحتلال بين قتيل وجريح وانهار جزء من المبنى المخصص للجنود , فسارع الجنود إلى الخروج للمفترق وسط حالة من الهلع والذعر ؛ ليستقبلهم الاستشهادي صلاح شاكر بحقيبته الملغمة بعد أقل من ثلاث دقائق من الانفجار الأول.
وشارك في إعداد الخطط وتدريب المجاهدين والتنسيق بين الخلايا لتأمين وصول المجاهدين للهدف ثلة من الشهداء القادة أبرزهم قائد الجناح العسكري للقوى الإسلامية المجاهدة_ قسم في حينها الشهيد محمود الخواجا , والشهيد القائد محمود الزطمة والشهيد أيمن الرزاينة والشهيد علاء الأعرج بالإضافة إلى أسيرين في سجون الاحتلال هما عبد الحليم البلبيسي ونضال البرعي.
وبحسب اعترافات الأسير عبد الحليم البلبيسي , فقد كان من المخطط أن يكون هناك استشهادي ثالث يفجر نفسه في أرتال الحماية والتعزيز التي تصل لمكان العملية ، ولكن تأخير وصوله لمكان الهدف حال دون تمكنه من تنفيذ العملية البطولية .
ردود الأفعال
واختصر رئيس الوزراء الصهيوني انذاك إسحاق رابين مجمل ردود الأفعال الانهزامية والتي ترجمت عجز جيش الاحتلال عن إيقاف مسلسل العمليات الاستشهادية بتصريحه الانهزامي الذي أعقب العملية وجاء فيه :" ماذا تريدون مني أن أفعل؟ أعاقبهم بالموت وهو ما جاءوا لأجله ؟!"ومع تزايد ضغط الشارع الصهيوني على القيادة السياسية لاتخاذ إجراءات عملية للرد على العملية الأكبر في تاريخ العمليات الاستشهادية , انتهج الجيش الصهيوني سياسة الإغتيال والتصفية تجاه من ثبت وقوفهم خلف العملية.
وكان من بين حملة الاغتيالات إغتيال مؤسس حركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي في منفاه بجزيرة قبرص من قبل الموساد بتاريخ السادس والعشرين من أكتوبر للعام 1995 , أي بعد قرابة 9 أشهر من تنفيذ عملية بيت ليد .
بداية المنحنى الأمني
واعتبر القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلل أن عملية بيت ليد الاستشهادية بداية المقاومة المنظمة والموجعة ضد جنود الاحتلال، مضيفا :" بعد العملية الضخمة أصبح الصراع يأخذ منحنى أقوى وأصبح الصهاينة يشعرون بالخطر الحقيقي في كافة أماكن تواجدهم وانعدمت نظرية الأماكن الآمنة" .
وتابع :" عملية بيت ليد برهنت قوة تكتيك المقاومة الفلسطينية وحسن تفكير القيادة العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي والدقة المتناهية في اختيار وتحديد الأهداف وساعة التنفيذ".
ووصف ردود الأفعال الصهيونية على العملية بأنها كانت ترجمة صريحة للتخبط والعجز في مواجهة أبطال المقاومة , مشيرا إلى أن اغتيال القائد المفكر الشقاقي كان يهدف إلى اغتيال فكره الجهادي ؛ لاقتناع القيادة الصهيونية بمدى الخطر الذي يشكله وجود فكر الشقاقي على أمنهم المزعوم .
وأكد المدلل على أن عملية بيت ليد كانت نقلة نوعية للمشروع الجهادي الكبير, حيث انطلقت من عمل الرصاصة والقنبلة إلى العمل الاستشهادي البطولي,الذي هزم العدو من داخله وفجر عمليات بطولية في كافة الساحات، مشددا على أن حركته ستواصل السير على ذات الدرب الذي شقه الشقاقي صلاح شاكر وأنور سكر بدمائهم وسار على خطاهم ثلة من القادة الكبار .
في ذلك الوقت وقف رئيس الحكومة الصهيونية المجرم إسحاق رابين معلنا الهزيمة قائلا" كيف لي أن أوقف شخصا يريد أن يموت",ومن هذه اللحظة كسرت المنظومة الأمنية الصهيونية علي أيدي أبناء الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري".

