الاعلام الحربي – جنين
"كل مآسي وظروف الاعتقال والعقاب لم تنل من عزيمة ومعنويات ابني، ولكن هذه المعنويات بحاجة لدعم ومؤازرة، وهذا ما نتمناه بعد انجاز الإفراج عن قدامى الأسرى".. بهذه الكلمات استهلت المواطنة أم البراء جرادات من بلدة السيلة الحارثية، حديثها وسط مشاعر الأمل بتحرر ابنها القائد في سرايا القدس الأسير انس جرادات (35 عاماً)، والذي يقضي حكما بالسجن المؤبد 35 مرة إضافة لـ 25 عاماً، وأضافت "الحكم لرب العالمين دوما، وما دام الله معنا، أملنا كبير بأن خلاص أنس وكل الأسرى من جحيم السجون والمعاناة التي يفرضها السجان الصهيوني قادم وقريب".
الروح الحرة
ويحضر الأسير القائد أنس جرادات، في منزل عائلته بشكل دائم، بصوره التي تزين جدرانه، وبأحفاد أم البراء الذين يحملون اسمه لتبقى ذكراه حية لا تغيب، وتقول "السجن قادر على انتزاع حريته، السجان يمكنه تفريقنا وحرماننا منه، ولكن روحه حرة وتعيش معنا، وكل يوم يتردد اسمه في منزلنا ألف مرة، بالحديث عنه واستحضار بطولاته، وبأحفادي"، وتضيف "أبنائي أطلقوا اسم أنس على مواليدهم الجدد، وكذلك بعض الأقارب والأصدقاء تعبيرا عن اعتزازنا ببطولاته وتضحياته ، وتأكيدا على الوفاء والعهد لأنس الذي ضحى بشبابه من أجل حرية فلسطين".
عائلة مجاهدة
ينحدر الأسير القائد المجاهد أنس جرادات، من عائلة مناضلة قدمت الشهداء والاسرى والجرحى، فاختار كما تروي والدته طريق النضال والمقاومة من أجل كرامة شعبه وحرية وطنه، ومنذ صغره، تميز عن أقرانه بما تمتع به من سمات بطولة وتضحية وانتماء ووفاء وحنان، وتقول "لدي 17 ابن وابنة، وأنس السابع، لكنه أحبهم ولا أحد يشغل مكانه، تميز عن أبنائي بقربه من قلبي وحنانه، كان محبا للناس وعائلته ووطنه، حنون على شقيقاته ودوما يزورهن، لذلك هو الأحب لقلوبنا جميعا"، وتضيف "على مقاعد الدراسة، حظى بتربية إسلامية على يد والده الذي كان يعقد جلسات دينية يومية لأبنائه ويدرسهم ويعلمهم القران الكريم، فالتزم الصلاة وتأثر بشخصية والده".
طريق فلسطين
رغم صغر سنه شارك أنس في فعاليات انتفاضة الحجر وبعدها التحق بحركة الجهاد الإسلامي، وتقول والدته "شارك في المواجهات والمسيرات، ولم يتأخر عن مواجهة مع المحتل، وكان له دور جهادي كبير في كل مرحلة من حياته، خاصة بعدما اندلعت انتفاضة الأقصى، وسرعان ما أصبح مطلوبا للاحتلال" ، وتضيف "بشكل سري انخرط بسرايا القدس، بينما كان الاحتلال يطارد أشقائي صالح وسامي جرادات وهما من قادة سرايا القدس، وبعد فترة اقتحموا منزلنا واعتقلوا أبنائي مقداد وصهيب ومحمد ونقلوهم للتحقيق لمدة 18 للضغط عليهم لتسليم أنس"، وتضيف "تكررت المداهمات لمنزلنا على مدار عامين حتى عشنا في مرحلة أصبحنا فيها لا ننام وننتظر قدوم الجيش في كل لحظة، الاقتحامات والتفتيش والتنكيل والتهديد والتحقيق الميداني وتدمير محتويات منازلنا واعتقال أبنائي للضغط على أنس لتسليم نفسه".
ضغوط وعقوبات
لم تنل التهديدات من إرادة وقرار أنس، وبعد نجاته من كمائن الاغتيال، انتقل للمقاومة في جنين ليشارك في معارك التصدي للاحتلال الذي واصل ممارسة الضغوط على عائلته مع كل عملية تتبناها سرايا القدس ويحمله الاحتلال المسؤولية عنها، وتضيف والدته أم البراء "استمرت محاولات الاحتلال للضغط على أنس، وفي أحد المرات طلب ضابط المخابرات من زوجي اعلان البراءة منه لأنه ينتمي للجهاد الإسلامي، ورفض فقال: له الضابط "معكم 3 أيام وسأهدم الدار"، وتضيف "لم نصدق ان التهديد حقيقيا، ومع نهاية الموعد في 11/3/2003، هدموا المنزل المكون من طابقين ويسكنه 25 نفرا، ورغم هدم منزلنا لم ولن نندم".
لم ينته مسلسل الاستهداف وتروي أم البراء إن الاحتلال اعتقل جميع أبنائها واحدا تلو الآخر، تقول "في إحدى السنوات اعتقل جميع أبنائي، براء لمدة 6 شهور إداريا، حمزة اعتقل إداريا لمدة 3 سنوات، ومقداد اعتقل لمدة 5 شهور إداري، وصهيب اعتقل 18 يوما للتحقيق" ، وتضيف "واصل الاحتلال استهداف أقربائنا وأبناء عمومتنا، فقد طورد أخي سامي جرادات حتى اعتقل عام 2003 في عملية خاصة ويقبع حاليا في سجن جلبوع ومحكوم 24 مؤبد و50 عاما بتهمة قيادة سرايا القدس والضلوع في عملية الاستشهادية هنادي جرادات من سرايا القدس في مطعم "مكسيم" في حيفا"، وتكمل "أما أخي صالح جرادات قائد سرايا القدس فقد اغتيل بعد مطاردته في 12/6/2003م؛ واستشهد معه ابن عمنا فادي تيسير جرادات في جنين".
الاعتقال والحكم
في عملية خاصة للاحتلال، تمكن من اعتقال أنس مع عدد من رفاقه في 11/5/2003م، وتقول والدته" بسبب الملاحقة المستمر، اكتشف مخبأ أنس السري في جنين، وهاجمته الوحدات الخاصة وقوات كبيرة بعد فرض حظر التجول على المدينة، وتمكنت من اعتقاله مع رفاقه المجاهدين اياد ابراهيم جرادات -حوكم مؤبد-، محمد حسين فايز جرادات –حوكم مؤبد"، وتضيف "بعد التحقيق حوكم أنس بالسجن المؤبد 35 مرة و 35 عاما بتهمة قيادة سرايا القدس والمسؤولية عن عدة عمليات فدائية، كما فرضت بحقه أشد العقوبات، وتعرض لمؤامرة اغتياله في سجن ريمون عندما عزل لمدة 8 شهور، واحتجز مع المدنيين الصهاينة وهاجموه، وعزل في زنزانة انفرادية مقيد اليدين والقدمين وحده مما أدى لمرضه وتدهور وضعه"، وتضيف "بعد حملة واسعة نقل الى عدة سجون واستقر في سجن هداريم، حيث يعاني من مشاكل في عينيه وترفض إدارة السجون علاجه".
رحيل الأحبة
عاش الأسير أنس صدمة كبير عندما رحل والده وحرم وداعه، وتقول والدته "كانت علاقته بوالده وطيدة، ولم يكن يتأخر عن زيارته حتى عندما نالت منه الأمراض، فأيام العذاب القاسية التي عايشناها خلال مداهمات الاحتلال لمنزلنا وتهديده بتصفية أنس والإجراءات القاسية التي تعرض لها عقب اعتقاله حتى وصل لحالة الموت أثرت على حياتنا كثريا، فأصيب زوجي بالأمراض"، وتضيف "تدهور وضعه وفي لحظات الوداع الأخير كانت آخر كلماته لنا "بلغوا حبي و سلامي لأنس واستمروا في التواصل معه لا تنسوه ولا تتخلوا عنها وحافظوا عليه وبشروه بفرج الله ونصره وليسامحني"، وتضيف أغمض عينيه، وفاضت روحه لباريها، وهو يردد الشهادتين واسم أنس الذي حرمته قضبان السجن من وداع والده الذي تمنى طوال فترة مرضه أن يحظى برؤيته وعناقه".
مع إطلالة كل يوم جديد، تتضرع أم البراء لرب العالمين أن يحقق أمنيتها الأخيرة كما تقول "عناق أنس حرا والفرح بزفافه، فرغم اعتقاله وحكمه ما زالت حياته بخطر بسبب استهدافهم له، لأن فاتورة الحساب والعقاب لم تنتهي، وأصلي لربي أن يحميه لي، حتى نراه حرا".

