"إسرائيل" وأمريكا.. 50 عاماً من التجسس الغامض

الإثنين 09 مارس 2015

الاعلام الحربي – القدس المحتلة

سلط موقع "واللاه" العبري، الضوء على أبرز خصائص العلاقة التي ربطت الولايات المتحدة الأمريكية بـ"الاحتلال الإسرائيلي" خلال الـ50 عاماً الماضية، والتي انصبت في غالبها على المفهوم الأمني المبني على "التجسس" المتبادل.

تجسس غامض
لا يوجد حلفاء قريبون من بعضهم البعض كما "إسرائيل" وأمريكيا، لكن منظومة العلاقات هذه بين البلدين مليئة بقضايا التجسس الغامضة. البيت الأبيض حذر بنيامين نتنياهو من الكشف عن معلومات تتعلق بالمفاوضات مع إيران خلال خطابة أمام الكونغرس وذلك على الرغم من أن "إسرائيل" لم توضع بصورة آخر المستجدات على الملف. ويبقى السؤال هل نحن بانتظار فصل جديد من ألعاب الظل بين الدولتين؟

خطاب رئيس الحكومة نتنياهو في الكونغرس الأمريكي يثير اهتمام دبلوماسيين وأجهزة المخابرات في الغرب والدول العربية. فالإدارة الأمريكية ترغب بشدة معرفة إذا ما كانت الاستخبارات العسكرية نجحت في وضع يدها على تفاصيل الاتفاقية المرحلية بين الدول العظمى وإيران. والسؤال المطروح هنا هو هل يوجد طرق أخرى تستطيع "إسرائيل" من خلالها الحصول على معلومات؟ هل بالتوازي مع العلاقات الاستخباراتية العميقة بين الدولتين توجد قنوات أخرى سرية؟

الشكوك الأمريكية وجدت منذ السنوات الأولى لقيام "إسرائيل"، وذلك بسبب الكيبوتسات (القرى التعاونية) الاشتراكية والهجرة الروسية جعلت الأمريكيين يفكرون بـ"إسرائيل" باتجاه الشيوعية أكثر منها باتجاة دولة ديمقراطية. لذلك لم تسرع أمريكيا خلال هذه الفترة إلى التعاون مع "إسرائيل" وبشكل خاص بالجانب العسكري، حتى أن أمريكيا عملت على جمع معلومات عن هذه الدولة الصغيرة الجديدة.

لكن "إسرائيل" لم تكن تحظى بالاهتمام الكبير ولم تخصص الموارد الكافية لهذا الغرض، وذلك لانشغالها بالعمل على جمع المعلومات عن العدو الاستراتيجي الاتحاد السوفييتي. وحاول ال CIA في تلك الفترة غرس عملاء لهم في قلب الشيوعية خاصة بعد الضربات الموجعة التي وجهها الـ KGB المتمثلة في سرقة أسرار النووي.

وبالتوازي مع ذلك كانت المنظومة الاستخباراتية "الإسرائيلية" تزداد قوة، خاصة أنها تأسست قبل قيام الدولة، وأثبتت ذاتها في قدرتها على تجنيد العملاء وتشغيلهم، وخلق شبكة علاقات على مستوى العالم، وإبرام صفقات سلاح. وفي أواسط سنوات الـ 50 استغلت المنظومة الاستخباراتية "الإسرائيلية" إحدى الفرص لتغيير طبيعة علاقاتها مع أمريكيا.

القرار الجنتل مان لبنغوريون
بعد موت ستالين في مارس 1953 فاز "نيكيته حروشجوف" في الصراع على وراثته وأصبح عندها السكرتير العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي. في مطلع العام 1956 علمت الدول الغربية أنه ينوي إلقاء خطاب مغلق أمام أعضاء الحزب الشيوعي والإعلان عن نيته القيام بعمليات إصلاح جذرية. وقد فشلت كل جهود الدول الغربية في محاولتهم الوصول إلى نص الخطاب.

لكن المخابرات "الإسرائيلية" كانت هي الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى هذا الخطاب السري. رئيس الشاباك في ذلك الوقت "عاموس منور" توجه إلى بنغوريون وطلب منه تقديم قائمة من المطالب من أمريكيا مقابل تسليمهم الخطاب، لكن بنغوريون قرر تسليمه دون طلب أي مقابل. وبفضل هذه الخطوة فتحت الطريق أمام التعاون بين الأجهزة الأمنية لكلا البلدين وصارت تتطور مع السنين.

المحور الأساسي لتقوية منظومة العلاقات بين أجهزة المخابرات في البلدين هو جيمس انجلتون، المسؤول عن الملف "الإسرائيلي" في الـ CIA المعروف بصياد الجواسيس وهو أحد الذين بلوروا مبادئ جهاز الاستخبارات الأمريكية وأثروا على مسيرة تطوره، وفي ماضيه كان المستشار الرئيسي لعدد من رؤساء الـCIA.

انجلتون كان هو من استلم خطاب خروشجوف ونشره، وكان صديقا واضحا لـ"إسرائيل" انطلاقا من تقديرات مهنية. حيث قال عنه أحد رجالات الاستخبارات الكبار السابقين في "إسرائيل" سوف نجد من يقول أنه في يوم من الأيام اعتبرته الحكومة كمؤيد مقرب جداً، وهو الذي وضع أسس التعاون الاستثنائي من ناحية الحجم والنوعية بين البلدين".

لكن على الرغم من التقارب بين البلدين إلا أنه ما زالت هناك في الأجواء شكوك أساسية ومستمرة. وقد تعاظمت عندما علم كبار من منظومة المخابرات "الإسرائيلية" بأن الإدارة الأمريكية بقيادة جون كندي مندفعة لجمع المعلومات عن ما يجري في ديمونة. وبحسب مصادر كبيرة في المخابرات "الإسرائيلية" سابقا فإن مهمة جمع المعلومات كانت عنيفة، ولكن رفضوا الإفصاح عن تفاصيلها.

أحد المصادر المطلعة على تاريخ سنوات الستينيات، قال بأن منظومة العلاقات المشوشة بين نتنياهو وأوباما ليست شيء شاذ في تاريخ علاقات البلدين. يتحدثون عن العلاقات بين نتنياهو وأوباما كأنها كارثة؛ لكن الحقيقة أنها لا تذكر إذا ما قورنت بحجم التوتر الذي ساد بين بنغوريون وكندي. وأشار إلى نص المحادثة التي جرت بين كندي وبنغوريون، والتي نشرت من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، وكانت تحوي أموراً قاسية جدا، وذكر أيضا الرئيس الـ34 للولايات المتحدة دفيد ايزنهور الذي هدد بفرض عقوبات بعد حملة قدش (عمليات تفجير في مصر) لذلك يجب أن أوضح أن العلاقات بين البلدين دائما كانت تمر في حالات هبوط وصعود. وفي تلك الفترة كان يوجد رئيس CIA وصف "إسرائيل" كحجر الطاحونة فوق أمريكيا، لكن رجاله عملوا بنشاط لصالح "إسرائيل" لأنهم اكتشفوا أهمية وقدرة الاستخبارات "الإسرائيلية"، فهذا لم يكن شيء شخصي وإنما مهني.

التراجيديا في حرب الأيام الستة
في اليوم الثالث في حرب الأيام الستة هاجم سلاح الجو "الإسرائيلي" السفينة الأمريكية "ليبرتي" مقابل شواطئ سيناء. وبحسب ضابط كبير في الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" سابقا قال: "الأمريكيون أرسلوا سفينة التجسس لغرض الدفاع. ولم يكونوا يعرفون كيف من الممكن أن تتطور الحرب بين إسرائيل ومصر. وفي مقابل ذلك "إسرائيل" أرسلت تحذيرات للسفينة بأن لا تقترب أكثر من ذلك، وتعليمات أخرى لم يتم التقيد بها. وسلسلة من الأخطاء من الطرفين أدت إلى حدوث هذا الهجوم الجوي على السفينة".

رجال المخابرات "الإسرائيلية" مصرون على أن هذا الهجوم لم يكن إلا خطأ مؤسفا ليس أكثر. وعلى الرغم من النفي القاطع من الطرف "الإسرائيلي" بأنه كانت تقف من خلف هذا الهجوم أيدي موجهة" وعلى الرغم من التعويض المالي الذي دفعته "إسرائيل" لأمريكيا؛ إلا أنه ظهرت في أعقاب هذه الحادثة عدد من نظريات المؤامرة عند كلا الطرفين، مع الإشارة إلى أن الطرف الأمريكي اتهم "إسرائيل" بأنها أرادت من هذا الهجوم التسبب بمنع أمريكيا من مراقبة الأوضاع. الإدارة الأمريكية قبلت الرواية "الإسرائيلية" في نهاية المطاف بعد أن عرضت أمامهم معطيات وتفاصيل حساسة عن طبيعة التطورات التي سبقت هذا الهجوم الذي نفذ بواسطة صاروخ طوربيدو.

لم يكن من السهل أن تخدم في واشنطن في تلك الأيام، وهكذا عادت العلاقات بين أجهزة استخبارات البلدين إلى سابق عهدها. إلا أنه بعد حرب الغفران (1973) حدث توتر آخر. وصف طبيعة هذا التوتر رئيس قسم العالم ونائب رئيس الموساد السابق مناحم نفوت في كتابة (العالم بأكمله)، وكان نفوت أيضا ممثل الموساد في واشنطن العام 1974، حيث كانت له علاقات متشعبة مع FBI وCIA كانت تقوم على أساس تبادل المعلومات الاستخباراتية ومحاربة الارهاب. حتى وصل المطاف إلى لحظات من البرودة سادت العلاقات.

بعد الحرب كتب نافوت في كتابه، دفع وزير الخارجية هنري كسنجر نحو اتفاق مرحلي بين" إسرائيل" ومصر. إلا أن المحاولات فشلت، والرئيس جارلد فورد أرسل رساله حادة لرئيس حكومة "إسرائيل" يتسحاق رابين، أعلن فيها عن تغير سياسة أمريكيا تجاه "إسرائيل" وإعادة تقييمها من جديد. وذلك بعد تحذيرات متتالية فيما يتعلق بتشدد موقفهم بالموضوع.

على الرغم من الحرص الأمريكي على أن لا تظهر للعلن حالة التشويش في العلاقات "الإسرائيلية" الأمريكية، إلا أنه على المستوى الشخصي كان التغير مؤلم. لم يكن من اللطيف في تلك الأيام أن تكون خدمتك في واشنطن. وحتى اليوم توجد جهات في أجهزة المخابرات "الإسرائيلية" تقول إن حالة البرودة التي ظهرت في العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية" كانت بهدف التقرب من دول عربية لأجل خلق تحالفات جديدة. التأثير كان واضحا أيضا في المساعدات الأمنية. حتى إن حجم هذه المساعدات بات يشكل المقياس لمدى تقارب العلاقات بين الدولتين.

والتوتر استمر حتى سنوات الثمانينيات إلى أن بدأت تخف حدته شيئا فشيئا. ويقول أحد ضباط الاستخبارات العسكرية أنه في تلك الفترة أردت الحديث مع "يوآل بن فورات" ملحق الاستخبارات العسكرية في واشنطن، في مكتبه هناك حينها قال لي تعال نتحدث خارج الغرفة، عندها وبسذاجة سألته إذا كان هو يخشى من تنصت من الروس لأنهم كانوا دائما يتنصتون علينا سواء من خلال قواعدهم في سوريا أو من خلال السفن. عندما خرجنا إلى الخارج قال لي بل الأمريكيين، وجلسنا في الشارع في حديقة عامة حتى نشعر بالارتياح.

وبحسب حديث هذا الضابط فإنه أحيانا كانت المخاوف مبالغ فيها. فعلى سبيل المثال كان يشك قائد الأركان "رفائيل ايتان" في تلك الفترة بوجود عميل لأمريكيا داخل قيادة الأركان. وكانت الفكرة السائدة أنه توجد محاولات من قبل جهات متعددة للتجسس على "إسرائيل" وجمع المعلومات عنها. وبغض النظر عن من يكون فإن "إسرائيل" اعتمدت دائما على خطوة دفاع عالية لمواجهة هذه المحاولات. وأستطيع القول إن القدرات الأمريكية المتخصصة في الاستخبارات تحسنت مع الوقت مع تطور التكنولوجيا.