"علي الصفوري".. سطر ملحمة بطولية في جنين وحول ورشته إلى مصنع للقنابل والعبوات

على ارض مخيم جنين ولد المجاهد علي سليمان الصفوري في 12/1/1963 ودرس في مدارس المخيم التابعة لوكالة الغوث للاجئين حتى الصف السابع الأساسي وبعدها ترك الدراسة ليلتحق بركب المقاومة الضاربة للاحتلال الصهيوني.

 

اعتقل الصفوري مرات عديدة ولفترات متفاوتة بتهمة مقاومة الاحتلال. ولكي يؤمن لأسرته العيش الكريم يعمل علي الصفوري في مهنة الحدادة وتصبح ورشته الصغيرة في مخيم جنين من اشهر الورشات على مستوى جنين.

 

ويسافر الحاج علي الصفوري عقب زواجه في العام 1986 إلى السعودية ليحسن من وضعه الاقتصادي ويقضي في الغربة سنين عشراً طوال شداد كما تصف زوجته و لكنه الحنين و الشوق للوطن يشده من غربته ليعود ثانية إلى مخيمه و ورشته العزيزة عام 1996.

 

أربع سنوات أخذت الحاج علي الصفوري من عمله الجهادي في المقاومة الفلسطينية في مخيم جنين و لكن المارد النائم داخله تحرك و نفض عن كاهله هموم الدنيا لينجذب ثانية كعادته المعهودة نحو الجهاد والنضال.

 

تخبرنا زوجته " كان علي منشغلا بالدنيا و بمعيشتنا حتى برزت مظاهر الانتصار و العزة بأبهى صورها بعد اندثار قوات الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان. و انطلاق انتفاضة الأقصى عام 2000. ".

 

كان أبناء مخيم جنين يواصلون دورهم في احتلال مرتبة الشرف الأولى كمدافعين عن جنين و في كل يوم يتوجه المئات منهم نحو حاجز الجلمة إلى شمال جنين ليرجموا الشيطان الصهيوني الغاشم بالحجارة تارة و بنيران أسلحتهم الخفيفة تارة أخرى و يسقط على الحاجز من الشهداء العشرات و يصاب المئات و كل يوم تتجدد ملحمة بطولية و بموازاتها تنبت قصة مأساوية أخرى عن شهيد هنا و معاق أصيب هناك.

 

و يصبح مخيم جنين مثقلا بمئات الجرحى و الاسرى و الشهداء فلا نكاد نجد بيت بدون قصة حزينة أخرى تضاف إلى يوميات هذا الشعب العملاق بعطائه المتميز بتضحياته.

 

و كلما تردد الهتاف في حارات مخيم جنين تشييعا لشهيد أو نجدة لجريح يتدفق الغضب العارم في قلب الحاج علي الصفوري و يهب و يعصف فيه ليشحنه و يعيده إلى ديدنه المعهود مقاوما شرسا للاحتلال.

 

بداية كان عمله مع رفاقه القدامى في تنظيم فتح ثم صرح لزوجته بانتمائه لحركة الجهاد الإسلامي ،و يشيع خبر انضمامه للحركة بسرعة في أزقة المخيم و حاراته و تبوئه مركزا مرموقا فيها إلى جانب الشيخ الجنرال محمود طوالبة الذي ظل ملازما للحاج علي الصفوري.

 

و في أواخر عام 2001 يتم الترويج لحملة كبرى ضد مخيم جنين الذي حاز حصة الأسد من العمليات الاستشهادية سواء أكان على صعيد التخطيط أو التنفيذ أو التفخيخ.

 

فمخيم جنين هو ملاذ آمن للقادة المطلوبين في مختلف الفصائل المقاومة في الضفة الغربية ،و مخيم جنين قلعة حصينة للإستشهاديين ينطلقون منها. و مخيم جنين معقل لأبرز مطلوبين في الضفة الغربية و هما الشيخ الجنرال محمود طوالبة و الحاج علي الصفوري و بحسب تعبير إذاعة الكيان العبري:"هدف الحملة اصطياد السمكتين الكبيرتين محمود طوالبة و علي الصفوري".

 

ويجدر بالذكر أن التحضير للحملة على مخيم جنين جاءت بالتزامن مع اجتياح القوات الأمريكية لأفغانستان و قصفها مدن (طورا بورا) و (قندهار) فما كان من أهل مخيم جنين إلا أن حولوا المحنة إلى مادة للتندر فكان هتاف الصبية في أزقة مخيم جنين المملوءة بالقنابل المحلية الصنع بأحجامها الكبيرة "المخيم ..قندهار"، فقد كانت ثقة الصغير قبل الكبير بالقوة الكامنة في مخيم جنين كان أقوى من أي تهديد مهما علت وتيرته.

 

ولم يكن هذا الشعور بالثقة و المشبع بالاعتزاز و الشموخ عبثا فأهالي المخيم يرون بأعينهم قادة الحركات و المطلوبين محمود و علي الصفوري و الشيخ بسام السعدي و ابنيه التوأمين و ثابت المرداوي يذرعون أزقة المخيم و يدفنون في مداخله قنابلهم الضخمة و يوزعون المهام بينهم و بين بقية حاملي الأسلحة حتى من الأشبال دون سن الثامنة عشرة. جو مفعم بالتمرد و التحدي و القوة يستنشقه سكان مخيم جنين صباح مساء.

 

وتطلق وسائل الإعلام خبر اتفاق يقضى بقيام السلطة باعتقال المطلوبين لحكومة الكيان العبري في سجونها و يتم اعتقال الشيخ محمود طوالبة و الحاج علي الصفوري بحجة حمايتهم من الاغتيال و يفصل بين الرفيقين محمود و علي ليودع محمود طوالبة في سجن جنيد و يبقى الحاج علي الصفوري في سجن نابلس المركزي و لكن بداية العمليات الاستشهادية التي سقط خلالها العشرات من نجس الكيان العبري حوّل نمط الرد إلى موجة عارمة من الحقد جاء على هيئة قصف لكافة المؤسسات و السجون التابعة للسلطة و بفضل الله ينجو الحاج علي الصفوري ورفاق دربه من موت محقق و يعود أدراجه مع باقي أخوته إلى مخيم جنين.

 

وجاء اليوم الموعود في شباط /2002 عندما عمدت قوات الاحتلال الصهيوني إلى محاولة دخول مخيم جنين لكسر شوكة المقاومة فيه فذاقت من الموت ألوانا و سقط منهم 18 جنديا و أصيب عدد آخر وشاهدوا نوبة متقدمة من التصدي مما جعل حارات المخيم تردد صراخ جنودهم ووبكاءهم و توسلاتهم للشيخ محمود طوالبة بالرحمة و يفر جنود الاحتلال الصهيوني تحت ستار الظلام في اليوم الخامس للاجتياح بعد قتلوا بحقدهم عشرات الابرياء من سكان المخيم . دون أوامر بالانسحاب و يقدم قائد وحدة الهجوم للمحاكمة لمخالفته الأوامر.

 

و لكن هذا الاجتياح لم يكن سوى تدريب عملي لدخول مخيم جنين و السيطرة عليه و أدرك قادة الجهاد الإسلامي في المخيم هدف العملية و اخذوا يعدون العدة للاجتياح القادم و الذي جاء ضمن عملية السور الواقي ضد مدن الضفة الغربية في نيسان 2002.

 

أطنان من المنفجرات تزخر بها أزقة مخيم جنين و عشرات المسلحين يحرسون مداخله و طوالبة و الصفوري يوزعون مهام الحراسة بالتعاون مع بقية القادة في المخيم.

 

وقبل يوم من اجتياح المخيم يستأجر الحاج علي الصفوري لعائلته بيتا في جنين لأنه أدرك انه مستهدف بالدرجة الأولى للتصفية خاصة بعد اعتقال شقيقه واستجوابه عن تفاصيل و موقع بيت و ورشة الحاج علي التي كانت مصنعا يعمل بكامل طاقته لإنتاج القذائف المصنعة محليا و المسماة "الاكواع" وهي قنابل ملحمومة من الطرفين ومحشوة بالبارود وفيها فتيل ويمكن تشبيهها بالديناميت المحلي الصنع وكان لها دورا بارزا في معركة مخيم جنين الاسطورة.

 

و يتصدى شجعان مخيم جنين لأقوى جيش في العالم بعدته و عتاده و غطائه الجوي في واحدة من أندر المواجهات غير المتكافئة في التاريخ البشري و يتمكن صناديد مخيم جنين من صد قوات العدو الصهيوني لأحد عشر يوما لينفق منهم أكثر من 32 جندي و ضابط و يرتقى للعلا 67 شهيدا من بينهم 25 مقاوما مسلحا. و يدمر 80% من بيوت مخيم جنين.

 

و في منطقة الصفر في وسط المخيم حيث عملت الجرافات حفرة ضخمة دفنت فيها تحت أنقاض المنازل المتزاحمة عشرات الشهداء يتصل الحاج علي الصفوري بزوجته قائلا:" لقد استشهد صديقي الشيخ رياض بدير رافضا الاستسلام لم أرَ في حياتي من هو أشجع منه فقد جاء من طولكرم ليلقى الله هنا و قد نال ما تمناه"، و يضيف: "ها قد نفذت مني الذخيرة و تقترب الجرافة من البيت المتشقق الذي يأويني فاقرأوا الفاتحة علي و احرصي على أولادنا "، و ينقطع الاتصال فجأة كما تخبرنا زوجة الحاج علي و تتيقن بان مكروها لابد قد ألمَ به. و بعد التحري عنه يتضح انه آخر رجل اعتقل في مخيم جنين بعد أن تم اقتياد كل رجال المخيم إلى معسكر سالم إلى الغرب من جنين و التنكيل بهم و إطلاق سراحهم في بلدة رمانة المجاورة عراة جوعى و مشردين و ممنوعين من العودة للمخيم إلا بعد انسحاب جيش الاحتلال الصهيوني منه.

 

ويُقدم الحاج علي الصفوري للمحاكمة ونجد انفسنا عاجزين امام شرح لائحة الشرف التي تذرع بها قضاة المحكمة لاصدار حكمهم ضده و لكنها تتمحور في مسؤوليته المباشرة عن مجموعة من العمليات الاسشتهادية التي نفذها شبان من المخيم من حركة الجهاد الإسلامي و إنتاج قذائف مصنعة محليا و دوره البارز في الدفاع عن المخيم و تقضي محكمة الظلم الصهيونية عليه بالسجن لأربع مؤبدات و خمسين عاما.

 

اليوم الحاج علي الصفوري في سجن هداريم و لكن روحه للعمل الجهادي تسكن فينا. و تشحذ الهمم بمعنوياته المحلقة عاليا و شجاعته النادرة و اختياره للطريق الصعب المحفوف بالمخاطر و المشوب بالتمرد و الشموخ. ابنته تقول:" رأيت أبي في آخر زيارة عملاقا محلقا و قويا. و أنا فخورة به". وليس عجيبا أن يصمد مخيم جنين في وجه آلة الحرب الصهوينة ما دام فيه رجال مثل طوالبة و الصفوري وبسام السعدي ممن يُقدّمون دون انتظار مقابل بل نالوا مكافآتهم من لدن علي قدير.

disqus comments here