ذاكرة السنين في مخيم جنين

سنوات مرت على معركة مخيم جنين ولا زال الكثيرون يكتبون ويحللون ويتذكرون تلك الملحمة التي كانت علامة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني والمقاومة , ومن وجهة نظر البروفيسور عبد الستار قاسم المحاضر في جامعة النجاح الوطنية فان تلك الملحمة تحمل الكثير من الدروس والابعاد التي قلبت معادلات الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والتي ينبغي ان يقف الجميع لاستهلام العبر في مدى قدرة المقاومة على مجابهة المحتل حتى وان اختلت كل موازين القوى ففي معركة مخيم جنين صمدت المقاومة اكثر مما صمدت الجيوش العربية .

واضاف قاسم تبقى الذاكرة حول ملحمة مخيم جنين حية في النفس والعقل والقلب، وفي قراءة التاريخ وأمجاد الشهداء الأبرار الذين خروا على الأرض ساجدين يقبلون الثرى بعبق دمائهم الزكية الطاهرة، وفي تصور تلك المعارك التي خاضها شباب العرب في مواجهة الصهاينة فنزفوا وسمت نفوسهم وهم يطمئنون إلى أجيال قادمة لا بد أن تعيد لتاريخ الأمة شموخه ووهجه المتوج بتلهف الأبناء على قراءته كأنه يبعث الحياة من جديد.

ثمن المفاجاة

وعودة للوراء في تلك الايام الصعبة يقول قاسم علينا ان نتذكر ظن جيش الصهاينة أن اجتياح المخيم سيكون مجرد عبور طريق، فإذا به يغرق في قتال عنيف لم يشهد مثيله من قبل في الضفة الغربية. واجه الاحتلال الإسرائيلي مقاومة في أنحاء الضفة وغزة على مدى سني الاحتلال، لكنه لم يلاق ذلك النوع المقاوم الذي شهده في مخيم جنين. كان الشباب قد أعدوا العدة، وأقاموا نقاط الانطلاق والهجوم، وفخخوا المواقع والطرقات والبيوت، وكانوا مستعدين لمواجهة طويلة الأمد، ومن شارع إلى شارع، ومن بيت إلى بيت. فوجئ العدو بهذا النوع من المقاومة فدفع ثمن المفاجأة.

الذاكرة والملحمة

ولكي لا ننسى يقول البروفيسور قاسم تذكرني ملحمة مخيم جنين بمعركتين: معركة جنين التي خاضها الجيش العراقي عام 1948 ضد جيش الصهاينة واستطاع أن ينتصر فيها وينقذ المدينة من السقوط والتهجير، ومعركة عام 1967 التي فر خلالها جنود الجيش العربي تاركين وراءهم المدينة لتلقى مصيرها على أيدي الصهاينة. الجندي العربي قادر على تحقيق النصر إذا قرر خوض المعركة بشجاعة والتزام وإيمان، وهو أكثر قدرة إذا وقفت معه القيادة السياسية وأمدته بالدعم المعنوي والصمود عند الموقف والمبدأ. انتصر الجيش العراقي عام 1948 على الرغم من سوء القيادة السياسية، ذلك لأن قادة الميدان قرروا أن يخوضوا المعركة بشرف دفاعا عن ثرى الأرض المقدسة، وقرر جنود الجيش العربي مغادرة الميدان لأن قيادتهم السياسية لم تصنع لديهم في الأصل ثقافة الدفاع. وجاء أبطال المقاومة الفلسطينية ليحفروا نصرا جديدا في أعمدة التاريخ، وليعطوا المثل والقدوة.

الجيوش العربية ودرس المخيم

وقال قاسم : علينا ان نتذكر ان عدة جيوش عربية لم تستطع أن تصمد عام 1967 كما صمد أبطال مخيم جنين، ولم تستطع خوض معركة واحدة مشرفة تمتد على مدى عدة أيام. أبطال المخيم كانوا من الشجاعة والمهنية وسعة الأفق والتخطيط العسكري ما مكنهم من إشغال رئاسة الأركان الإسرائيلية وتغيير القيادات الميدانية ومساءلة الضباط المسؤولين عن الإخفاق.

الدرس

ورغم اشتداد الهجمة على المخيم وما ارتكب من مجزرة يقول القاسم علينا ان نتذكر دوما ان الملحمة أعطت درسا مهما وهو أن توحد الفصائل الفلسطينية في غرفة عمليات مشتركة قد أعطى ثمارا ممتازة، ولو كان لهذا النموذج من التوحد أن يعمم لاستطاعت المقاومة الفلسطينية أن تحقق الكثير في مواجهة الصهاينة.

disqus comments here