كتب/ قسام عبد الكريم
بزيارة خاطفة خطت أقدام الدكتور فتحي الشقاقي بعض مدن الضفة المحتلة, فألقى فيها بذور أفكاره ومشروعه متوكلاً على الله تعالى, مدركاً بأن هذه البذور سوف تزرع وتسقى وتلقى العناية الفائقة وستصبح أشجاراً ذات جذور قوية وصلبة, تحمل في أغصانها أطيب الثمار وأحلاها, ومن بين المدن التي حطّ بها الشقاقي رحاله كانت جنين لما لها أهمية كبرى في القلب الأمين، كيف ولا وهي التي احتضنت الشيخ عز الدين القسام حياً وتخضبت أرضها بدمائه شهيداً ...
مع مرور الوقت كانت هذه البذور تغرس في صمت وبأيدي طاهرة ناعمة أنيقة, وكان اختيار هذه الأيدي بكل عناية ودقة، هي صفوة مختارة وهبها الله حبه وحب رسوله وحب أرضه المقدسة, فبدأت الرعاية بعين الله وعين عباده الأطهار, وبحمد الله ظهرت بوادر الزرع تتلألأ أمام أنظار الامين وانعكس ذلك الضياء على وجوه من بذلوا كل جهد فاستبشروا خيرا وحمدوا الله كثيرا...
بالطبع انتم عرفتم عن ماذا نتحدث, عن ثلة من أخيار أبناء المخيم والمدينة منذ أن غرس الشقاقي فيهما بذور النشأة والفكرة , فحمل الرجال الأمانة وتشربوا الفكرة واعتنوا بالزرع كثيرا, وسهروا الليالي وواكبوا الليل بالنهار ولم يدخروا جهدا ولا وقتا لكي ينمو الغرس ويكبر، ومن بين هؤلاء الرجال أصحاب الفضل الشيخ المجاهد بسام السعدي والشيخ خالد جرادات ونعمان طحاينة وطارق قعدان وجعفر عز الدين وشريف طحاينة وأنور الحمران وعصام براهمة ومحمود طوالبة وإياد صوالحة وحمزة أبو الرب وغيرهم الكثير من العظام, ولقد نمت البذور وترعرعت لأن العناية كانت فائقة "نية خالصة .. قرآن كريم .. سنة نبوية طاهرة .. قصص العظماء والقادة ... تزكية للنفوس ... علاقات أخوية راسخة .. حب للقدس والمقدسات لا يفوقه حب .. ".
مع هؤلاء الثلة بزغ فجر المخيم وحان وقت الحصاد وأصبحت بعثات الخير والجهاد على أتم استعاد لان تخوض معارك البطولة والشرف, فبدأت بعثات الاستشهاديين تجوب شوارع الأرض المحتلة تبحث عن أجساد بني صهيون لتسيء وجوههم وتحقق للمظلومين والمستضعفين كثيرا من الأمل في وعد الله بالنصر والتمكين .
ما ان دقت ساعات الاستشهاديين الأبطال قلوب بني صهيون حتى شخصت الأبصار تجاه المخيم وبدأت وجوه بني "إسرائيل" الشاحبة الحاقدة تلتفت إليه، ولسان حالهم يقول : " ان هذه البعثات تأتي من هناك .. وان مصنع المقاتلين هناك ... وان الخلايا هناك .. هناك زرعاً وثماراً للجهاد الإسلامي يجب ان نقتلعه ..وان هناك خطرا داهما في كل وقت لا تدعوه يتمدد .. ان هناك عش للدبابير فادمروه ..".
بدأت تتحرك قوات الغدر والخيانة ونشروا كل جيشهم للوصول إلى الغارسين الحقيقيين للزرع المبارك في هذا المخيم، إنهم إياد حردان وأنور حمران وكان لهم بعد عناء وشقاء ان طالت أيديهم هذين البطلين, لكن هؤلاء القادة ناموا مطمئنين على زرعهم فقد أثمر وأصبح جاهزا لسد رمق المستضعفين والفقراء, ولقد علموا ان هناك من سيحمل لواء الحق والنصر المبين, وبكل إخلاص كان القائد محمود طوالبة يحافظ علي صوابية الطريق والهدف.
لم يرق لبني "إسرائيل" ما يقوم به أبناء المخيم وأبناء الجهاد الإسلامي فكان القرار سريعا باقتحام عش الدبابير خوفا من تعاظمه وتمدده وما علم هذا المحتل ان أصحاب القران والسنة النبوية الطاهرة قد تعلقت قلوبهم بلقاء الله فهذه ساعة الانتظار منذ زمن طويل انتظروها على أحر من الجمر فهم جاهزون بكل ثقة وإيمان للدفاع عن أرضهم ومقدساتهم التي نشئوا وكبروا فيها وكان شعارهم واشوقاه لوجه ربنا الكريم... واشوقاه للقاء رسولنا الحبيب .. واشوقاه لجنة رب العالمين .. واشوقاه لأحبة سبقونا نحو الخلود ...
كانت هذه اللحظة التي ينتظرها الغرس الطاهر بكل شوق وصبر فتسابقوا نحو إظهار حلاوة وزكاة أنفسهم لمن حولهم ولأهلهم ولشعبهم وأمتهم .. كانت لحظة الحقيقة والواقعية .. والتي اثبتوا من خلالها أنهم حقا غرسوا بأيد طاهرة نقية .. وسقوا بماء القرآن والسنة .. فدافعوا عن مخيمهم وشعبهم بكل ما حملوا من إيمان تجاه قضيتهم .. واظهروا صدق انتمائهم وقوة وحدتهم فما خرجوا إلا إلى ما اشتاقوا إليه من وجه ربهم وجنته ونعيمه .. والله ما خرجوا إلا بوجوه ناضرة .. وبرائحة طيبة.. وبسيرة عطرة نقية وما خرجوا من مخيمهم إلا رافعين لواء الله.. حافظين للأمانة مخلصين حتى الشهادة .
فما أروع هذه البذور ... وما أجمل هذا الغرس .. وما اطهر الأيدي التي غرست .. وما أطيب الثمار التي نضجت ففاح أريجها وعبيرها في كل أرجاء الوطن السليب ..

