القائد "خالد الدحدوح".. انتفاضة الأحرار في وجه مشاريع التصفية والخذلان

الخميس 04 مارس 2010

الإعلام الحربي – غزة:

 

خالد الدحدوح "أبا الوليد".. أربع سنوات مضت على ارتقائك صهوة المجد شهيدا.. أربع سنوات ونحن نتلهف شوقا للنظر إليك والتخندق بجوارك في خنادق الجهاد والمقاومة.. خنادق البطولة والفداء.. أربع سنوات ولا زالت صرخاتك في وجه الباطل وأهله مدوية في الأرجاء.. ولا زالت ضرباتك يئن من وجعها الأعداء.

 

أربع سنوات مضت.. تألمنا خلالها الكثير.. ولكن ورغم مرارة ذلك الألم إلا أن الأمل لا زال يراودنا ويداعب مخيلتنا أن القادم حتما سيكون أجمل.. ببركة ضربات المجاهدين الذين عقدوا البيعة مع الله والشهداء على مواصلة درب الأطهار.. الأخيار.. الأحرار.. درب العاشقين لفلسطين والإسلام.

 

شعور بالعزة

الشعور بالعزة والافتخار هو ذاته الشعور الذي  يتملكنا عندما نطرق في كل مرة بيت من بيوت الشهداء العظام من هذا الشعب المجاهد، ولكن ما انتابنا عند زيارة لمنزل الشهيد القائد خالد الدحدوح " أبوليد" بمنطقة غرب حي الزيتون بغزة كان شعوراً ممزوجاً بعبق التاريخ المعبّد بالانتصارات والفتوحات.

 

فما أن وطأت أقدامنا المكان والأرض التي عاش فيها شهيدنا القائد سنوات طفولته وشبابه حتى أُستقبلنا بحفاوة منقطعة النظير ليس ذلك فحسب، بل لفت انتباهنا تلك الابتسامة الهادئة الطاهرة التي تحمل في جوهرها كل معاني التسليم التام بقضاء الله وقدره، والإيمان العميق بحتمية النصر الإلهي على الغدة السرطانية المسماة "إسرائيل"، فليس غريباً أن ينشأ شهيدنا في كنف عائلة مجاهدة متشبثة بنهج الإسلام العظيم، قدمت ثمانية عشر فرداً من أبنائها قربانا للاسلام وفلسطين.

 

خنساء فلسطين

وخلال حديثنا مع أسرة الشهيد حول سيرته ومسيرته وصفاته وجهاده واستشهاده، كانت خنساء فلسطين أم إبراهيم والدة الشهداء تردد برباطة جأش طوال الوقت عبارات الحمد والثناء على الله عز وجل، وطلب الصبر منه والنصر على الأعداء.

 

الحاجة أم إبراهيم (73 عاماً) قدمت ثلاثة من أبنائها شهداء خلال الانتفاضتين، وقد لحق بركبهم حفيدها كامل نجل الشهيد أبو الوليد، فهي تستحق لقب "الخنساء" بكل جدارة.

 

أم إبراهيم التي حاولت أن تخفي حزنها الشديد على فلذات أكبادها بابتسامة ارتسمت على تقاسيم وجهها الذي يحمل بين ثناياه تاريخ أمة ومشروع انتصار، بدأت تتذكر تلك الليلة التي سبقت استشهاد نجلها القائد أبو الوليد، قائلة: "لازلت اذكر ذلك اليوم الذي حضر فيه خالد إلى البيت لحضور حفل تأبين شقيقه الشهيد أيمن، حيث كان البيت مكتظاً بالأقارب والأحباب".

 

وتضيف :" شعرت وقتها أن حضوره بعد فترة غياب امتدت لعدة أسابيع بسبب ملاحقة الاحتلال له، إنما جاء لوداعنا، حيث لم يمض على تواجده معنا بضعة دقائق حتى امتلأت سماء المنطقة بطائرات الاحتلال، الأمر الذي تطلب تهريبه من المكان على وجه السرعة، لكن قدر الله أن اصطفاه شهيداً في اليوم التالي عبر تفجير سيارة ملغومة في طريقه.

 

لمحة من حياته

ولمع اسم خالد الدحدوح " أبو الوليد" وهو في العقد الرابع من عمره  كأحد أبرز قادة سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة خلال انتفاضة الأقصى، بصفته المسئول عن تنفيذ عشرات العمليات الاستشهادية ضد أهداف صهيونية، بالإضافة إلى ترأسه وحدة التصنيع والهندسة لسرايا القدس.

 

وكان اسم أبو الوليد يتصدر قائمة مكونة من 70 من قادة وكوادر حركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مطلوبة حية أو ميّتة لسلطات الاحتلال، حيث تعرض لخمس محاولات اغتيال، استشهد أحدها شقيقه أمين الذي كان قائد وحدة التصنيع في سرايا القدس، وابن عمه أيمن، وهو من القادة الميدانيين في السرايا، ومحمود جودة من أبرز قادة السرايا في القطاع وذلك بتاريخ 28 فبراير (شباط) 2004.

 

مواقف وأفعال

وتكمل والدته الثكلى حديثها :" لقد كنت أتوقع استشهاد فلذة قلبي وقرة عيني بسبب نشاطه المقاوم للاحتلال، لكن خبر استشهاده جاء كصاعقة هزت وجداني فالصدمة كانت اكبر من أن أصدقها، حيث انه لم يمر على الذكرى السنوية لاستشهاد شقيقه أبو بلال يوماً واحداً". وأضافت " الحمد لله الذي كرمني باستشهاد أبنائي  محمد وأيمن وخالد وحفيدي كامل".

 

وأشارت أم إبراهيم أن الشهيد أبو الوليد كان  كثيراً ما يحرص على اصطحابها معه إلى حيث يرابط المجاهدين على الثغور في الأوقات التي تشهد حالة من الهدوء  لشد أزرهم ورفع معنوياتهم.

 

وتوقفت الحاجة أم إبراهيم والمرارة بادية في نبرتها، قبل أن تتابع بصوت مفعم بالغضب عما تتعرض له  المقدسات إسلامية في مدينتي القدس وخليل الرحمن من انتهاكات واعتداءات، لتقول في رسالتها التي أرادت توجيهها لكافة المجاهدين، تلك الكلمات التي قالها الشهيد أبو الوليد في حفل تأبين الشهيدين القائدين عدنان بستان وجهاد السوافيري  (إن دماء الشهداء أمانة في أعناقنا، لن نساوم ولن نهاون حتى لو على حجر ذبحنا، وندعو كل الشرفاء بضرب هذا العدو المتغطرس في كل مكان).

 

نعمَّ الزوج  

 فيما قالت زوجته أم الوليد الصابرة المحتسبة بنبرات حزينة حملت في طياتها الم الفراق والبعاد:" إنني قد عشت مع رجل ينتمي لرجال عاصروا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان رحمه الله زاهداً، مؤمناً، كريماً، حنوناً صابراً محتسباً جل وقته للعمل في سبيل الله، والحمد لله الذي شرفني بأن أكون زوجة لرجل قدم حياته كلها من اجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وأم لابن سار على درب والده ونال شرف الشهادة في سبيله".

 

أخلاقه أفعال

في حين يقول شقيقه أبو طلعت " كان شقيقي خالد هادئاً مبتسماً على الدوام وهما صفتان رافقتاه منذ الطفولة، وهو بصفة عامة كان يتحلى بالأخلاق الإسلامية الأمر الذي جعله محبوبا من الجميع، فقد كانت روحه الجهادية واضحة في تصرفاته".

 

 ويضيف " كان بإمكان أخي أن يعيش بما يمتلك من مال وأعمال وتجارة حياة الرفاهة والترف، لكنه طلق الدنيا واختار ما وعد الله عباده الصادقين وفضل العيش مطارداً بعيداً عن الأهل المال والجاه، حتى نال ما تمنى، ولسان حاله يقول ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.

 

عائلة مجاهدة

ومن جانبه تحدث شقيقه أبو جهاد عن الم الفراق الذي سببه استشهاد أشقائه الثلاثة وابن شقيقه "أبودرويش" والعديد من أقاربه، لكن أكد فخره واعتزاز بنيلهم شرف الشهادة في سبيل وعدالة قضيتنا الإسلامية.

 

 وشدد أبو جهاد على مدى إصرار أبناء عائلة الدحدوح رغم ما قدموه من تضحيات على مواصلة طريق الجهاد والاستشهاد  للرد على أي الاعتداءات صهيونية بحق المقدسات الإسلامية، مؤكدا ً أن أبناء عائلة الدحدوح  لم يختاروا طريق الجهاد لضيق عيش أو لكسب رزق فمعظمهم ينتمون لأسر ميسورة، وأن انتمائهم لحركة الجهاد الإسلامي كان لقناعتهم التامة بأن الجهاد هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.

 

وبين ابو جهاد إلى أن شقيقه الشهيد القائد خالد الدحدوح "أبو الوليد" ساهم بشكل كبير بدعم المقاومة الفلسطينية بالعتاد والسلاح والمال.

 

رجل بأمة

ومن جهته اعتبر القيادي في سرايا القدس أبو البراء  أن ذكرى استشهاد القائد الكبير أبو الوليد الدحدوح تبعث في المجاهدين روح الإصرار على مواصلة طريق ذات الشوكة حتى النصر أو الشهادة، مشيرا إلى ما كان يتمتع به أن أبو الوليد من دماثة خلق ورباطة جأش منقطعة النظير.

 

وقال أبو البراء إن أبو الوليد كان من المنسقين لعمليات السرايا في الضفة الغربية، بالإضافة إلى ترأسه لوحدة التصنيع التابعة للسرايا في غزة، والمسئولة عن  العديد من العمليات الجهادية التي نفذها الجناح العسكري للحركة ضد الأهداف الصهيونية في قطاع غزة خلال انتفاضة الأقصى وخاصة عمليات إطلاق الصواريخ واقتحام المواقع العسكرية والمستوطنات اليهودية قبل الانسحاب الصهيوني"، مشيراً إلى أنه تولى قيادة السرايا في قطاع غزة وبعض مناطق الضفة الغربية.

 

وبين أبو البراء إلى أن الشهيد كان يشرف شخصياً على عمليات السرايا وعمليات إطلاق الصواريخ، وتطويرها.

 

وكان الشهيد  أبو الوليد يتمتع باحترام واسع في قطاع غزة، حيث يقيم شبكة علاقات قوية مع جميع قادة الأذرع العسكرية لحركات المقاومة، فضلاً عن علاقاته المتينة مع العائلات الفلسطينية، حيث شارك في حل العديد من النزاعات العائلية الكبيرة.

 

لازال حياً فينا

ومن جهته تحدث الشيخ نافذ عزام عضو المكتب السياسي في حركة الجهاد الإسلامي قائلاً:" على الرغم من مرور أربع سنوات على استشهاد القائد المجاهد خالد الدحدوح إلا انه لازال يسكن في قلب ووجدان كل مجاهد وفي ضمير كل حر شريف في هذا الشعب العظيم الذي زال يذكر أمجاد وبطولات الشهيد الحي فينا"

 

وأضاف " لقد سلك الشهيد طريق الجهاد من أجل تحريرها، لا لمغنم، ولا لدنيا، ولا منصب ولا جاه، بل لنصرة الحق، تحت راية الإسلام، راية التوحيد، راية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم"، مشيراً إلى أن الشهيد كان بإمكانه أن يتراجع عن هذا الطريق عندما فقد ثلاثة من أشقائه لكنه لم يتراجع وواصل جهاده حتى نال الشهادة ولحقه بها ابنه "كامل".

 

وشدد الشيخ عزام على أن دماء أبو الوليد وكل الشهداء فلسطين  تؤكد رغم قساوة الظروف على أن نهج المقاومة خيار ثابت لشعبنا لاسترداد حقوقه المسلوبة ومواجهة العدوان الصهيوني.

 

جدير بالذكر ان القائد أبو الوليد ارتقى الى علياء المجد شهيدا إثر عملية اغتيال تعرض لها بتاريخ 1/3/2006م، بواسطة سيارة مفخخة وضعها عملاء الاحتلال وأذنابه في طريقه وهو خارج من منزله في منطقة تل الهوا جنوب مدينة غزة.