الإعلام الحربي – خاص:
منذ الصراع الفلسطيني – الصهيوني والمطلوبون من الفلسطينيين يشكلون وجهة هذا الصراع المستمر منذ عقود طويلة امتداداً ليومنا هذا.
وشكل ملف المطلوبين حدة هذا الصراع، فكثيراً ما نجح العدو باغتيال عدد كبير من المطلوبين الذين أرقوا أمن الكيان الصهيوني، وفشل أيضاً بكثير من الأحيان النيل من عدد آخر منهم، رغم القوة الهائلة لأجهزة الأمن الصهيونية التي تُعد أقوى الأجهزة الأمنية المجهزة عسكرياً وأمنياً واستخباراتياً، بما تمتلكه من أجهزة ومعدات لا يمتلكها المقاوم الفلسطيني الذي يُعد مطلوباً لهذه الأجهزة ويتفوق في أحيانٍ كثيرة على قوتها وعظمة بناء تلك الأجهزة بقدرات ذاتية بسيطة يمتلكها الشخص العادي.
وشهدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في سبتمبر 2000، أكبر عمليات اغتيال طالت رموز وقادة من المطلوبين الفلسطينيين، التي اعتبرهم العدو الصهيوني يشكلون خطراً أمنياً حقيقياً على أمنه ومصالحه بالاستقرار الأمني الداخلي، فكانت عمليات التصفية والاعتقال لهؤلاء المطلوبين شاهدة على حقيقة الصراع الخفي بين هؤلاء المطلوبين وأجهزة أمن الاحتلال.
وكان للعامل البشري من العملاء دورٌ بارز في عمليات التصفية التي طالت أولئك المطلوبين، بل كانت أيضاً للتقنية الحديثة دورها في القضاء على الكثير منهم كأجهزة الاتصال والانترنت وغيرها، ما شكل عبئاً جديداً على حياة المقاوم في استخدام هذه الأجهزة التي تُعد الجاسوس الأول في رصد تحركات المطلوب.
صراع عسكري - استخباراتي
وتجلت صورة حقيقة هذا الصراع الخفي في كثير من العمليات التي طالت رموز المقاومة الفلسطينية، وشهدت الأيام الماضية على مدار أسبوع متكامل حرب الأمن والملاحقة بمميزاتها وعنصر المفاجئة فيها بين اثنين من أخطر المطلوبين الفلسطينيين وأجهزة أمن استخبارية وعسكرية صهيونية وكان مسرح ذاك الصراع منطقة اليامون غربي مدينة جنين إلي الشمال من الضفة المحتلة.
ففي فجر الأحد الماضي 28-2، نصبت قوة عسكرية مكونة من ثلاثة جيبات عسكرية كميناً في منطقة تعج بالأحراش على أطراف منطقة اليامون، وحاولت اعتقال بطلي حديثنا القياديين "باجس حمدية – علاء زيود" من قيادات سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، إلا أنهما تمكنا من الفرار من المنطقة التي كانوا بها بين الأحراش يقضون لياليهم الصعبة في انتظار أمر الله إما بالشهادة أو الاعتقال أو البقاء أحياء بانتظار ليلة أخرى ونهار جديد يعبر عن معاناة المطلوبون والملاحقون من قبل قوتين إحداها عدوهم الحقيقي والأخرى تُكمل دور هذا العدو.
وفي فجر الثلاثاء وبعد شقاء قيادات العدو الصهيوني في ملاحقة القياديين اللذين يختفيان منذ نحو سنتين عن الأنظار تماماً، قامت قوة كبيرة من الاحتلال بتمثيل مسرحية عسكرية قرب منازل القياديين، في محاولة لاستهدافهم بشتى السبل والوصول إليهم، فقامت الطائرات بالتحليق وقام الاحتلال باقتحام منازل عوائلهم تحت إطلاق النيران وقذائف الانيرجا والقنابل اليدوية في المكان، وإخراج من بداخلها وتفتيشهم ومنعهم من العودة لداخل البيوت والبقاء في العراء رغم الأجواء الباردة.
وانتهت المسرحية في صباح ذاك اليوم بإخراج شخص تبدو ملامحه وكأنه تعرض للإصابة، وقام ضابط الاحتلال المسؤول عن العملية باستدعاء جدة القيادي "علاء زيود" للتعرف على ذاك المصاب الذي كان يلبس جاكيت عسكرية في محاولة للتأكيد على إعلان إصابته واعتقال القيادي "باجس حمدية"، إلا أن جدته نفت معرفتها بهوية المصاب الذي كان مُلقى داخل عربة إسعاف.
وتواصلت المسرحية فأصبح الإعلام والجيش الصهيوني يُسرب الأخبار لاعتقالهم في محاولة للتصيد بهم ولإصرارهم على الوصول إلي أماكن تواجد القياديين من خلال تسريب تلك الأخبار بخروجهم من أماكن اختفائهم والوصول لذويهم أو الاتصال عليهم لطمئنتهم وبذلك تكون خيوط رصدهم قد تذللت عقباتها وعادت لمحاولة النيل منهم.
وفي فجر الجمعة، خاضت قوة عسكرية صهيونية حرباً جديدة من الصراع مع القياديين، فهاجمت منطقة ما يُعرف بـِ "الكهوف" وقامت بمحاولة استهدافهم، فتمكن المجاهدين من الخروج من المنطقة بسلام واعتقلتهم أجهزة أمن السلطة التي كانت منذ ثلاث سنوات تحاول الوصول إليهم، لتنتهي سبعة أعوام من الملاحقة بنجاح أمني للقياديين يُحسب لهم رغم تعرضهم للاعتقال على أيدي أجهزة أمن السلطة.
تاريخ حافل بالحس الأمني
هذه الملاحقة التي استمرت أيام، لم تكن وليدة اللحظة، فتاريخ القياديين بسرايا القدس، يفتح الباب أمام هذا التاريخ الحافل بالانجازات التي تُحسب لهم بالنجاة من عدد كبير من عمليات الاغتيال بفضل حسهم الأمني المعقد وقدرتهم على الحفاظ على أنفسهم لسبع سنوات في منطقة كالضفة الغربية تملأها الحواجز العسكرية والعمليات اليومية لاستهداف المقاومين باعتقالهم أو اغتيالهم والاجتياحات الكبيرة التي طالت مدن الضفة، والعامل البشري والتقني التي تعتمد عليه أجهزة أمن استخبارات الاحتلال في تعقب المجاهدين.
وفي حديثنا عن تاريخ القياديين توجهنا لأحد المقربين منهم والذي تحدث باستفاضة عن حياة المجاهدين، فيقول "في عام 2003 تعرض القياديين لأول عملية ملاحقة إلي جانب عدد من قيادات السرايا بمنطقة جنين، وتمكنا من النجاة كثيراً من عمليات استهدفتهم خلال السنوات الطوال، وشهد عام 2005 عملية اعتقال للقيادي علاء زيود أثناء ملاحقته قرب منزل عائلته، وقد أفرج عنه بعد حكم إداري استمر سنتين، ومن ثم عادت الملاحقة من جديد لتستهدفه وعدد من أخوانه المجاهدين".
ويضيف "كما تعرض علاء لمحاولتي اغتيال سابقتين إحداها نهاية عام 2008، في منزل بمنطقة اليامون، والأخرى كانت في مايو 2007، وقد تعرض خلالها لإصابة حين باغتته وأربعة من المجاهدين سيارتين للوحدات الصهيونية الخاصة في منطقة السيلة الحارثية، وقد استشهد في تلك العملية قيادات من السرايا هم "أحمد زيود – مهدي أبو الخير – خالد عاشور"، في حين أصيب في كتفه علاء وتمكن من الفرار من المكان بالإضافة للمجاهد "بهاء درويش" والذي يمكث الآن في سجون الاحتلال والذي كان يعد أيضاً من المطلوبين للاحتلال".
ويتابع "كما تمكنت قوات الاحتلال من محاولة رصد علاء زيود، بتركيب ما يقارب ستة كاميرات مراقبة قبالة منزله بتركيبها على أشجار مقابلة للبيت، وتمكن أحد المواطنين من اكتشفها صدفةً، وقام بإبلاغ المعنيين بذلك وقد تم تفكيها، وكانت هذه المحاولة تدلل على صعوبة الوصول للقيادي زيود، ومحاولة الوصول إليه بأي طريقة مع قلة المعلومات الاستخبارية الناتجة عن العامل البشري أو التقني الحديث".
ويواصل حديثه "فيما تعرض باجس حمدية لما لا يقل عن عشرة عمليات اغتيال وقد ذكرنا إحداها في منتصف 2003، فيما عام 2004، أيضاً لمحاولة أخرى وكان ذلك في مخيم جنين وقد تمكن خلالها من النجاة وكان برفقته القيادي "نور الجعبري" والمعتقل حالياً بسجون الاحتلال، كما تعرض لعملية اغتيال أيضاً بمخيم جنين نهاية عام 2004، حين استهدفته قوة عسكرية واثنين من المجاهدين احدهم كان "أدهم ياسين" معتقل حالياً بسجون الاحتلال، متوجهين لمنزل أحد المجاهدين ففوجئوا بقوة عسكرية تطلق عليهم النيران بكثافة من سطح أحد المنازل ودارت اشتباكات عنيفة ووصل المنطقة مجاهدون آخرون لفك الحصار عنهم وتمكنوا من النجاة بحمد الله".
ويتابع "كما وقعت حادثة أخرى مع القيادي حمدية أثناء وصوله لمنزل المجاهد "محمود أبو ناعسة" الذي استشهد بعد فترة مع القيادي "أشرف السعدي" في عملية اغتيال استهدفتهم، حيث زاره في ذات المرات القيادي حمدية وأثناء وجودهم وعدد من المجاهدين داخل المنزل، فقامت قوات الاحتلال بمحاصرتهم ودارت اشتباكات عنيفة جداً استمرت أكثر من ساعتين تمكن خلالها المجاهدون من الخروج من المنطقة بسلام بصعوبة جداً عن طريق هدم جزء من جدار البيت للخروج لبيت آخر والفرار منه، كما تعرض في منتصف عام 2006، لمحاولة اغتيال أخرى في جنين، وتمكن من النجاة وأصيب خلال تلك العملية المواطن "إبراهيم عابد" والذي استشهد بعد ذلك بأسابيع".
ويواصل "وفي 17-3-2007" تعرض الشهيد إلي جانب قيادي في كتائب الأقصي لمحاولة اغتيال في اليامون، حيث حوصر والقيادي بالأقصى في منزل، ودارت اشتباكات بينهم وبين قوات الاحتلال وتمكنا من الفرار واستشهد في تلك الحادثة الطفلة "أكابر زايد"، كما تعرض قبل نحو أربعة شهو من الآن لمحاولة اغتيال باستهداف سيارة كان يقودها على أطراف اليامون وترك السيارة فوراً بخروج طائرات الأباتشي وتمكن من الفرار، كما تعرض قبل نحو شهرين لمحاولة اغتيال قرب منزل عائلته وتمكن من الفرار واعتقلت قوات الاحتلال شقيقه في تلك العملية".
الاختفاء عن الأنظار
وتابع المقرب من القياديين بقوله "ومنذ عملية عام اغتيال الشهيد وليد عبيدي، في تاريخ 16-1-2008، وحتى فترة لا تزيد عن عامين، اختفى القيادي حمدية وانضم إليه القيادي زيود بعد خروجه من السجن بفترة والتقائهما، وبقيا مختفيان عن الأنظار إلا أن عادا قبل شهور قليلة بالخروج مجدداً حيث تمكنا من زيارة ذويهم ومنذ ذلك الحين تم تعقبهم مرات عديدة، وكانت آخر عمليات استهدافهم التي حصلت من أيام".
وكشف المقرب منهم عن عدم استخدام القياديين حمدية وزيود للهاتف الخلوي "جوال" منذ فترات طويلة، وكان حمدية بداية مطاردته يبتعد عن استخدام الجوالات الحديثة ويعتمد على جميع الجوالات القديمة، كما كان يسعي دوماً لأن يغير الهواتف والشرائح بشكل مستمر، ومن ثم انتقل لمرحلة ترك الجوال بعيداً عن مشاويره الهامة، ثم انتقل لمرحلة أخيرة بعدم الاعتماد على الجوال.
وعن التواصل مع ذويه والمقربين منه يقول "لقد كان يتصل أحياناً بذويه من خلال هواتف لناس يكون موجود لوقت قليل عندهم ثم يغادر، أو بالاتصال من خلال كابينات الاتصال "الهواتف العمومية" وتكون الاتصالات بلمح البصر وفقط للحاجة الهامة والمُلحة، بالإضافة للاعتماد على رسائل خطية يرسلها مقربون منه لأشخاص معينة ولذويه، كما كان يرفض التعامل والتقرب من شخص مقرب منه لفترة طويلة وكان يقتصر تلك التعاملات جيداً، أي يقوم بتغيير الشخص من فترة لأخرى للحفاظ قدر الإمكان على أمنه وهذا ما حصل طيلة فترة اختفائه".
وأشار المتحدث إلي أن شقيقه الأكبر "قصي" من قيادات كتائب الأقصى قد تعرض لعملية اعتقال بعد مطاردة طويلة في بداية الانتفاضة وهو معتقل الآن وقد حكم عليه بالسجن 28 عام.

