"كتمان السر".. ضرورة شرعية في العمل الجهادي

الثلاثاء 26 مايو 2015

الإعلام الحربي - خاص

من الأخلاق الحميدة والصفات الفاضلة التي يجب أن يتحلى بها المجاهد هي كتمان السر وعدم إفشائه، ولا يقدر على ذلك إلا ذوو الشهامة والمروءة، ولهذا قيل: «أدنى صفات الشريف كتم السر، وأعلاها نسيان ما أسرَّ به إليه». وقد حثت السنة النبوية على رعاية هذا الجانب، فعن جابر رضي الله عنه مرفوعا: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فهي أَمَانَةٌ » وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره»، وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «القلوب أوعية، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره».

الجهاز الدعوي التابع لسرايا القدس تحدث لـ"الإعلام الحربي" عن مخاطر إفشاء الأسرار في العمل الجهادي، والحكم الشرعي في إفشاء السر، وعن فوائد كتمان السر خلال العمل الجهادي ونماذج على كتمان السر من السيرة النبوية، كذلك قدم عدة نصائح تساعد المجاهد على كتمان السر.

معنى السر ومفهومه:
معنى السر لغة: مَا يُكْتَمُ فِي النَّفْسِ، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، والمقصود بكتمان السر؛ قال أبو القاسم بن محمد: «الكتمان ستر الحديث».

وقال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله رضي الله عنهما: «يا بُنيّ إن أمير المؤمنين يدنيك - يقصد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأحفظ عني ثلاثًا: لا تفشينّ له سرًا، ولا تغتابنّ عنده أحدًا، ولا يطلعنّ منك على كذبة».

الأصل في حكم إفشاء السر:
إنّ ما أمر الشرع بكتمانه فحكمه ظاهر باعتبار فهم دلالة الخطاب الشرعي.
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على إنجاحِ الحوائجِ بالكتمانِ». أي: اكتفاء بإعانة الله وصيانة للقلب عما سواه وحذرا من حاسد أو مشبوه يطلع عليها قبل التمام فيعطلها فاكتموا أيها المجاهدون واستعينوا بالله على الظفر بها وقضاء حوائجكم بالسر والكتمان».

أما ما يطلب من المجاهد كتمانه مما يبلّغ به غيره، فإنه إذا كان إفشاء السر يتضمن ضررًا فإفشاء السر حرام، باتفاق الفقهاء، والضرر عامٌّ في كل ما يؤذي المجاهدين وخصوصا إخوانه.

وأما إذا لم يتضمن ضررًا فالمختار عند الفقهاء عدم جواز إفشائه متى ما طلب منه الكتمان، أو دّل الحال على ذلك، أو كان مما يُكتم في العادة.

لذا أخي المجاهد إن العمل الذي أنت قائم عليه إنما كله أسرار والعدو يتربص بنا، فكان لازماً أن لا تُحدث بكل ما ترى أو تسمع قال تعالى: "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ" فلا تتحدث بما لا تعلم وبما لا يعنيك وحجتك قال فلان وهكذا بل لابد من التأكد والبينة.

أنواع السر من حيث حكم الكتمان:


النوع الأول: ما أمر الشرع الكتمان:
ما يحظره الشرع لمصلحة دينية أو دنيوية وحسب ما يترتب على إفشائه من ضرر فهذا لا يجوز إفشاؤه.

النوع الثاني: ما طلب صاحبه كتمانه:
ما استكتمك إياه الغير وائتمنك عليه فلا يجوز بثه وإفشاؤه للغير حتى أخص أصدقاء صاحب السر حتى ولو بعد القطيعة فإن ذلك يكون لؤم الطبع وخبث الباطن.

النوع الثالث: من شأنه الكتمان واطلع عليه بسببِ:
وأيضاً مما يكون إفشاء لسر هي النميمة أي تبليغ الخبر على وجه الإفساد وأطلقها العلماء على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، ينقله إليه إذا كان سراً قد استكتمه إياه كأن يقول فلان يقول فيك: كذا وكذا ، والنميمة حرام منهي عنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ». أَيِ نمام، ولما فيها من إفساد بين الناس.

استحباب كتمان المرء سر نفسه:
إن أولئك المفشين للأسرار، الناشرين لما استودعوا من الأخبار فليس لهم مثَلٌ إلا المنخل أو الغربال، فالحذر كل الحذر أن تفشي سرَّك وتبوح بما يهمك، خاصة لمن لو عهد إليه بأمرٍّ يخفيه أو سرٍّ يكتمه لضاق به صدره، وبالغ في إفشائه ونشره.

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «عجبت من الرجل يفرّ من القدر، وهو مواقعه! ويرى القذاة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه! ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه! وما وضعت سرّي عند أحد فلمتُه على إفشائه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذراعًا؟».

من فوائد كتمان السر:
1- يتمكن المجاهد من قضاء مصالحه ولا يواجه بما يعوقه عنها.
2- كتمان السر لون من ألوان الأمانة، والأمانة من علامات الإيمان.
3- كتمان السر لون من الوقار والاحتشام ودليل على الرزانة والوقار.
4- هو فضيلة إنسانية بها يرتقى المجاهد في درجات الكمال.
5- يوثق صلة المجاهد بأخيه حين يحفظ أسراره.
6- حيث يثق المجاهد بأن صاحبه يحفظ أسراره يمهد ذلك له استشارته فيما لا يحب أن يطلع عليه الناس.
7- يؤدى حفظ السر إلى توثيق عرى المحبة بين المجاهدين ومن يحفظ عليه سره.
8- أخي المجاهد اعلم أن كتمانك لأسرار العمل الجهادي الموكل إليك يولد الثقة بينك وبين قائدك.

ما يتعين كتمانه من الأسرار ويحرم إفشاؤه:
كتمان السر واجب، وإفشاؤه حرام، ويزداد الأمر حرمة والإفشاء خطورة إذا ترتبت عليه أضرار، ونتجت منه أشرار، سواء كانت على صاحب السر أو غيره، ولهذا يتعين ويتحتم كتم السر وعدم إفشائه لكي لا تقع أخي المجاهد في المحظور.

ومن النماذج على كتمان السر في السيرة النبوية:
" أرسلت سرية بقيادة عبد الله بن جحش إلى نخلة بين مكة والطائف وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر ما فيه حتى يسير يومين، ولما فتحه بعد اليومين وجد فيه تعيين الجهة التي أرسل إليها، والمهمة التي وكلت إليه فالجهة هي نخلة، والمهمة هي التربص بقريش ومعرفة أخبارهم، وكان ذلك في شهر رجب في السنة الثانية من الهجرة.

ومن ذلك أيضا تبديد إشاعة موت القائد، أو إخفاء موته وقت المعركة حتى لا ينهزم الجند، أو يطمع فيهم العدو، ومن ذلك ما كان في معركة أحد حين أشيع أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فألقى بعض المسلمين السلاح، ومر بهم أنس بن النضر فصرخ فيهم ما جلوسكم؟ قالوا : إن محمدا قد قتل، فقال : وما قيمة الحياة بعد محمد قوموا فموتوا على ما مات عليه، وقد حدث أن النعمان بن مقرن قائد معركة نهاوند قد مات في أثناء المعركة فأخفوا موته حتى انتصروا.

في الختام أخي المجاهد إليك أمور تساعدك على كتمان السر:
1- احتفظ بالسر ولا تخرجه إلا لضرورة قاسية ولمن يستحق.
2- اختيار من تودعهم السر إذا اقتضى الأمر، بأن يكون فيهم عقل يصدهم عن الانزلاق ودين يحجزهم عن إثم هتك السر.
3- الإقلال بقدر الإمكان من عدد من يعرفون السر.