الشهيد القائـد " محمـود الخـواجا " .. فـارس أول الفــجر

بقلم: علاء الصفطاوي

أن تكتب عن الأحياء فتلك مهمة يسيرة .. ولكنها محرجة ،يسيرة لأنك ترصد فعل الماضي وحركته في الحياة.. ومحرجة لأنك لا تضمن كيف يتحرك الفعل في الحاضر و المستقبل القادم..، فتلك بالطبع قفزة في الظلام مغامرة غير مضمونة النتائج .. لكن حينما تكتب عن الشهداء عن فعل الخير ..الماضي والحاضر والمستقبل فتلك مهمة أكثر صعوبة وأكثر إحراجا.. فلا يمكن أن تقيم قطرة دم حتى لو وصلت هذه إلى ذروة عنفوانها وتألقها ولا يمكن للحروف أن تطلق ما في جعبتها من معان عندما تصطدم بوهج النور القادم من دفق دم الشهيد .. "محمود الخواجا" - الشهيد البرتقالة- ماذا يمكن أن نكتب عنه وقد ملأ البر وملأ البحر وأي رصاص..؟ "محمود" الذي لم يكن رصاصاً يتكلم حينما كنا نتكلم .. ، "محمود" الذي كان يركب البحر حينما كانت تنام مراكبنا..! "محمود" الذي كان يسهر حينما كانت تغفو عيوننا .. ، "محمود" كان البحر الذي احتضن ولم يبتلعه ،"محمود" كان النهر الذي زاوج المدينة ولم ينس رائحتها ..، "محمود" الذي تمرد على التمرد وقاتل حينما استراحت بنادقنا .. ، "محمود" الذي رد إلينا دم هاني وروح هاني وأعاد إلى "معاذ" بسمته! .."محمود" .. بيت ليد ..كفار داروم.. نتساريم ..ايريز .. "محمود" الوطن.. ولكن بكل معاني اللغة العربية المزركشة بعباءة الرسول وسيف علي .. محمود الوطن كله من الناقورة إلى رفح ومن طنجا إلى جاكرتا. عرفته قبل تسعة عشر كان في مسجد المدرسة عاماً قائداً صغيراً .. ، رغم هيبته لم أكن أتوقع أن هذا الشاب الأسمر مفتول العضلات بلهجته القروية الرائعة سيصبح ق لما يتكرر مشروعاً فدائياً ّ وسيقف على رأس حربة الجهاد الفلسطيني في وجه صهيون.

آخر أربع سنوات من عمره القصير غاب عنا .. كنا نراه في حفلات تأبين الشهداء .. يأتي ِ خلسة يتحدث مع البعض لدقائق ثم يغادر.. وكنا نسأل لماذا لا يأتي محمود ؟ ، لماذا لا يتواصل ؟! لكننا اكتشفنا كم كناس فقد كان هو اللاعب الرئيس دون أن ّ ذجاً.. نلحظ ذلك الفرق بين السهل والجبل .. وبين الكلام واللعب والفعل.

وفي لحظات هي الأقسى غادر محمود .. وتركنا وحدنا إلاّ من نور دمه الذي تدفق كنهر الخير حينما باغتته رصاصات القتلة حاراً غزيراً قاطعوا الطريق في يوم هو الأقسى وفي زمن هو الأكثر ومرارة..قهراً أصعب شيء حينما تبحث عن حبيب غائب فلا تجده .. فتضطر أن تلملم شظاياه من الذاكرة فيطلع عليك كفلق الصبح ..طفلا ولا أجمل .. زنبقة ولا أبهى فلا تملك إلا أن تبكي لحرقة الفراق .تتأوه .. لان عينيك لم تعد تكتحل برؤية ملامح وجهه الباهي ، ويتلوى القلب وينفطر لان فلسطين فقدت عليها ألماً فدائياً عزيزاً وحبيباً من أحبائها.

محمود الخواجا .. أخي القائد الذي تركنا وحدنا نصارع دون بندقيته.. محمود الخواجا.. فارس أول الفجر قبل أن يطلع الصباح ويشرق وجه فلسطين بنور الانتصار القادم لا محالة .. ينام الآن قرير العين راضياً ، أما نحن فلم نعد ننام .. نجهز للفجر عدته وللطريق زاده مرضياً وللصلاة وضوءها وللجسد مقتله .. ربح والله البيع أبا عرفات وخسر الرهان المرجفون ورواد النوادي الليلية .

طوبى لــ " سرايا القدس " التي أقسمت على أن تقسم ظهر بني صهيون .

التي أقسمت أن تبقى فلسطين واحدة متوحدة لا تقبل القسمة .. التي أقسمت أن تحفظ عهد قائدها الأول " أبي عرفات " رغم المؤامرة.. حبيبي أبا عرفات : هنيئا لك .. والى لقاء ..!

disqus comments here