الشهيد محمود الخواجا والزمن الجميل

بقلم/ أحمد اسماعيل

في ذاك الزمن كانت فلسطين تصرخ آلامها وآهاتها.. وتبحث على منْ يصونها ويحفظها قبل الضياع.. وذلك بعد مسلسل التنازلات المهيبة والمريبة لمن سلبها وسلب جمالها وأنهارها وأبحارها.. وتشتكي إلى الله وجعها بعد أن طعنتها في خاصرتها سيوف الخذلان الغادرة منْ قِبَل من ضلّوا الطريق واختصروها لكي يعيشوا حياة الدنيا.. وحياة البذخ بعد أن نزلوا عن جبال الشموخ والقتال وتخلّوا عن خيول العزة والكرامة..

في ذاك الزمن توشحت واكتست فلسطين سواد الحزن الذي سكنها وأسكنها إياه من باعوها بثمن بخس!.. لتكون بصمة ومرحلة عار على جبينهم ولن تفارقهم ما بقوا على وجه الأرض..

همْ خانوا وباعوا.. وتخلّوا.. وفرّطوا.. فيما الأحرار الأشراف نقشوا محبوبتهم في عقولهم وقلوبهم.. وأسكنوا جمالها في كل حياتهم.. ليكتسي وجدانهم ببريقها فيشتعلوا بالعشق والثورة ليُعيدوا لفلسطين مكانتها وصدارتها في كل العالم..

فكان محمود وأصْحابه العظام يمتشقون سيف الحقّ في وجْه شرّ الباطل ليرسموا بسمة وفرحة ( بيت ليد.. ونتساريم.. وكفار دارووم ) والكثير الكثير من لوحات الشرف التي رسموها بجهادهم وتعبهم وعشقهم فوق كلّ تراب الوطن المنكوب.. وليزرعوا روح الثورة منْ جديد في نفوس الصّادقين المتوّجة قلوبهم بالحبّ والعشق والانتماء..

فأنّا للعاشق أنْ يخون.. أو يخذل.. أو يبيع.. أو يُفرّط.. أو يتخلّى.. وأنْ يختبئ في بيته يُولول كما الرّاكدات فيما معشوقته مغتصبة تئنّ أوجاعها..

فمنْ منّا ينْسى هذا الفارس محمود.. صاحب الفكرة وحامل مفاتيح الحدود.. وسيّد الموقف والسّدود والرّدود.. فكان محمّدياً وَرَدَّاً مُدوِّياً في زمنٍ عزّت فيه الرّدود..

محمود مِنْ ذاك الزّمن الجميل، قائداً فريداً لمْ تلد فلسطين الكثير منْ أمثاله، فهْو صورة فلسطين الثائرة في وجْه بني يهود.. فكان عاشقاً للثورة.. ملائكياً متسرْبلاً بالجمال تحفّه أنْوار الكوْن والوجود..

بيْت ليد.. كانت حُلم المعلّم الثائر الْوَدُود.. صاحب الرّؤية السّديدة والطّلقة الأصيلة وَنَجْم ترْسيم خارطة الحدود.. فجاءته بُشرى العشّاق والانفجار رغْم كلّ القيود.. فنادى الفارس منْ بعيد.. نعمٌ نعم.. هذه بيْت ليد الكبْرى قدْ هلّت بُشراها، فهي منْ صُنْع الثائر محمود..

جاء محمود.. ليزرع في وجْدان كلّ ضمير حيّ بأنّ الثوار الحقيقيين يجب أن يمتطوا خيول العزّة والكرامة.. وليقول لكلّ الحيارى والتّائهين بأنّ هذا هو الطّريق فاسْلكوه.. هذا هو الطّريق فاتّبعوه.. وليقول للذين تركوا جبال الثورة وسكنوا سهول التفريط بأنّ التحرير والعزّة لا يأتيان إلاّ إذا عشق الثائر هذه الخيول التّي يجب أنْ تمتطوها، وإذا تمترس فوق الجبال الشّامخة حارساً للوطن لكي تعيشوا الكرامة في وقت ضاعت فيه الكرامة..

محمود الخواجا.. ذكرى ساطعة في وجداننا.. وذكريات خالدة لن تُنسى ما حيينا.. عشقنا حروفها الممْزوجة بآهات الأيّام وآلام الليالي السّاكنة.. لنكْتب بحروف منْ نورٍ على جدْران قلوبنا حبّ أبطالها.. ولنرْسم بقلم الزّعفران تاريخاً لا يُمكن أنْ يُنْسى.. ففيه معارك المجْد والعزّة والكرامة..

disqus comments here