الإعلام الحربي _ القدس المحتلة
المرة الأولى التي سمع فيها قائد المنطقة الجنوبية"دان هرئيل" عن نية إخلاء مستوطنات قطاع غزة، كانت في المذياع خلال سفره في السيارة، وكان ذلك في كانون الأول 2003. استمع إلى خطاب رئيس الحكومة "اريئيل شارون" في مؤتمر هرتسليا وفهم فجأة أنه يوجد قرار دراماتيكي تم في السر وبدون معرفته، وأنه تحت مسؤوليته سوف يحدث الحدث الأكثر أهمية بالنسبة للمجتمع "الإسرائيلي" والجيش.
قسم البحث في الاستخبارات العسكرية، الذي كان يفترض أن يقدم الإطار الاستخباري لإخلاء قطاع غزة، لم يعرف شيئا عما يحدث في المحيط القريب من القائد. يمكن الافتراض أن رئيس الحكومة ووزير الحرب كانا معنيين بسماع رأي رجال الاستخبارات العسكرية حول مغزى وتأثير هذه الخطوة الغير مسبوقة من الناحية الأمنية.
إلا أن رئيس قسم البحث في حينه، يوسي كوبرفاسر، سمع للمرة الأولى عن الانفصال بعد أن كان كل شيء جاهز. هذا الأمر حدث في لقاء أجراه مدير مكتب رئيس الحكومة، المحامي دوف فايسغلاس، الذي ركز الاتصالات مع الفلسطينيين، وكان القرار جاهزا ومنتهيا وموقعا، ولم يُطلب من رجال “الشاباك” والجيش إعطاء رأيهم في هذا الشأن.
الجيش كما يقول أحد الجنرالات الذين شاركوا في النقاش حول الانفصال، لم يكن أكثر من مقاول تنفيذي. وقد تأقلم قادة بسرعة مع حقيقة أن رأيهم لا يهم أحد في المستوى السياسي وأنه لا تأثير لهم في القرار. تقديرات الاستخبارات العسكرية حول ما سيحدث في جبهة غزة بعد الإخلاء، تحدثت عن ايجابيات هذه الخطوة، وإن كانت هناك أصوات مختلفة في الجيش فهي لم تُسمع في تلك الفترة، خصوصا بشكل علني.
رئيس الأركان في حينه"موشيه يعلون" الذي قطعت فترة ولايته قبل الانفصال بثلاثة أشهر، كان على علم ببعض الأمور. في أحد لقاءاته مع شارون وقبل خطاب "شارون" في هرتسليا، طرح عليه رئيس الحكومة فكرة سمعها من تومي لبيد، من اجل إيجاد مبادرة سياسية وكسر الجمود وتطبيق خطة خريطة الطريق الأمريكية، اقترح لبيد على "شارون" إخلاء ثلاث مناطق "إسرائيلية" في قطاع غزة. لم يعلم يعلون أن من وراء هذه الخطة الصغيرة يختفي تفكير يؤدي إلى خطة أكبر بكثير.
أراد "شارون" معرفة موقف رئيس الأركان. وقد تم الحديث حينها عن مستوطنتين أو ثلاث في الحدود الشمالية لقطاع غزة (نيسانيت، دوغيت وايلي سيناي). رفض "يعلون" الفكرة كليا. انسحاب، هذا سيشجع الإسلام المتطرف. وفي السياق نسبت "ليعلون" أقوال أن الانسحاب سيعطي الإرهاب دفعة إلى الأمام وهذا لم يضف شيء لشعبيته في مكتب رئيس الحكومة.
وزير الدفاع في حينه "شاؤول موفاز" كان شريكا في فكرة الانفصال، لكنه لم يكن جزءً من دائرة النقاش الضيقة بين رئيس الحكومة ومقربيه. وقبل مؤتمر هرتسليا ببضعة أيام أبلغ "شارون موفاز" هاتفيا عن نيته تقديم مبادرة الانفصال في المؤتمرـ وقد فحص "شارون" إذا كان "موفاز" سيبقى إلى جانبه في هذه الخطوة.
كتف باردة من "يعلون"
بعد عشر سنوات ضعفت الذاكرة لدى مقاولي التنفيذ – رئيس هيئة الأركان، أعضاء هيئة الأركان، قادة الاستخبارات العسكرية – جميعهم يتذكرون أمرا واحدا: الجيش لم يكن شريكا حقيقيا في اتخاذ القرارات. والأمر الذي اهتم به السياسيون كان الإخلاء الفيزيائي للمستوطنات. ولم يُطلب من الجيش تقديم التقديرات حول الوضع الأمني المتوقع نتيجة الانفصال على المدى المتوسط والبعيد.
يعتقد الضباط الكبار الآن أن "شارون" لم يُشركهم في الأمر خوفا من التسريبات وخوفا من المعارضة الداخلية العملية لرجال الجيش، الأمر الذي كان سيضر بخطة الإخلاء.
الكابينت السياسي – الأمني أيضا لم يكن شريكا كاملا. لقد عمل شارون مع عدد من مقربيه – ما سُمي في حينه “جماعة المزرعة” – واعتاد على التشاور بأربعة عيون مع مجموعة قليلة من الأشخاص، كان أحدهم "عيبال جلعادي" الذي كان في حينه رئيس وحدة التخطيط الاستراتيجي في قسم التخطيط.
وفي اللقاءات التي أجراها "فايسغلاس" أيضا شارك رجال من الجيش ومن قسم التخطيط والاستخبارات العسكرية. وعلى أبواب نهاية 2014 منع رئيس الأركان "يعلون" هؤلاء الضباط من المشاركة في اللقاءات لأن هذه لقاءات سياسية مخادعة، ليس فيها مكان لرجال الجيش. وفي تلك الفترة كانت العلاقة سيئة بين رئيس الأركان وبين "فايسغلاس".
في حين أنهم نظروا في مكتب رئيس الحكومة إلى رئيس الأركان على أنه دجاجة غريبة قد تزعج. وفي مكتب رئيس الأركان اعتقدوا أن "فايسغلاس" يُسخن رئيس الحكومة ضد رئيس الأركان. لكن نائب العقيد "جلعادي"، الذي استمر في التواصل المباشر مع رئيس الحكومة، حظي بكتف باردة من يعلون.
بعد خطاء هرتسليا في كانون الأول 2003 أجرى وزير الدفاع "موفاز" نقاش مع رئيس الأركان حول عملية الإخلاء. وكان واضحا لهما أن أخلاء ثلاث مناطق "إسرائيلية" لن يؤدي إلى هنا أو إلى هناك. وزير الدفاع وجد أنه من الأفضل الإخلاء الكامل. وفي تلك الفترة وضعت على طاولة رئيس الحكومة ووزير الدفاع "خارطة المصالح الأمنية والقومية"، التي وضعها قسم التخطيط منذ كان "اسحق رابين" رئيسا للحكومة. حسب هذه الوثيقة فان المصالح الأمنية الواضحة لدولة "إسرائيل" موجودة في الضفة، حيث لا مكان للمفاوضات. في قطاع غزة الصورة عكسية.
فهناك لا يمكن تحسين الواقع الأمني لأن الجيش لا يسيطر على القطاع كله بل على جزء منه من اجل الدفاع عن المستوطنين. وكان الافتراض أنه في لحظة إخلاء غزة، فانه لا يمكن تقليل عدد قوات الجيش إلى الثلث فقط، بل أيضا ستكون الحدود مع غزة أكثر هدوء. وقيل في الأجهزة الأمنية أيضا إن خروج الجيش من القطاع سيُمكن "إسرائيل" من العمل بحرية في قصف غزة بشدة، إذا لم تسيطر السلطة الفلسطينية على المنظمات الموجودة في القطاع.
سنة 2004 كانت السنة الأولى التي يفوق فيها عدد القتلى الصهاينة في غزة عددهم في الضفة. مئات صواريخ المقاومة من القطاع، نصفها سقط في "سيدروت"، وأطلقت في نفس السنة على المناطق داخل القطاع وعلى المستوطنات المحيطة بغزة 3 آلاف قذيفة. في جلسة تقدير أجراها الجيش قيل إنه بعد الانفصال ستعمل حماس على الحفاظ على الهدوء في القطاع. وإذا حدث تصعيد أمني مع حماس، كما قالوا في الجيش، فان ذلك سيتم في يهودا والسامرة أو داخل "إسرائيل". كان الانطباع أنه بعد الانفصال ستعتبر حماس الضفة الساحة المركزية، وليس من مصلحتها عودة الجيش إلى القطاع. يكفي انتشار الجيش على الحدود الدولية في قطاع غزة في خط دفاعي منظم بشكل جيد جدا من اجل أن يسود هناك الهدوء النسبي.
كل ذلك مشروط بحدوث الإخلاء. وساد الشعور عند قادة الجيش بأنه لن يتحقق شيء من ذلك. في البداية تم اعتبار هذه الخطة “بالون اختبار” أطلقه "شارون"، وبعد ذلك اعتقدوا أن الخطة لن تنفذ لأسباب سياسية. لذلك لم يشعر كل من الجيش و”الشاباك” بضغط الوقت، وإنما شعرا بضرورة الحديث عن الإجراءات بعيدة المدى مثل التطورات في غزة بعد خروج الجيش، ولا يذكر رجال الجيش أنه تم استدعاءهم للنقاش في الكابنيت حول ما سيحدث في غزة في اليوم التالي. فقط في شباط 2005 عندما تم سن قانون إخلاء – تعويض في الكنيست، فهموا في الأجهزة الأمنية أنه لا يمكن العودة، وتم الإعلان في حينه أيضا عن بديل "يعلون"هو "دان حلوتس".
في بداية شباط 2004 كشف الصحفي "يوئيل ماركوس" في صحيفة "هآرتس" عن محادثة بينه وبين "شارون" حيث تحدث رئيس الحكومة عن الانفصال الكامل عن قطاع غزة. وفي أعقاب المقالة أرسل رئيس الأركان يعلون رسالة إلى شارون، وبعد ذلك كانت بينهما جلسة متوترة. يعلون اشتكى من عدم إشراك الجيش وأن هذا غير معقول. "شارون" تلاعب به ووعد بإجراء نقاش حول الموضوع، وهذا حدث بعد شهرين.
وقد شارك في النقاش رئيس الحكومة "شارون"، وزير الدفاع "موفاز"، رئيس الاركان يعلون، رئيس “الشاباك” "آفي ديختر"، رئيس قسم التحقيق" اسحق هرئيل"، رئيس الاستخبارات العسكرية "اهارون فركش" وآخرين. هذه هي المرة الأولى التي تطرح فيها خطة الانفصال بشكل رسمي وما سيترتب عليها. شارون أبلغ الموجودين أن إخلاء القطاع سيتم خلال سنة. وهنا حدث الانفكاك الكبير الأول مع رئيس الأركان "يعلون". فقد ادعى يعلون أن الانسحاب من القطاع في فترة تدافع فيها التنظيمات الإسلامية عن نفسها في العالم، هو خطأ كبير سيؤثر على الخطة.
بعد ذلك النقاش ببضعة أسابيع وصلت وثيقة من القيادة الجنوبية إلى مكتب وزير الدفاع ورئيس الأركان وقع عليها الجنرال "دان هرئيل"، قائد المنطقة الجنوبية وكان عنوانها “حماستان في غزة”. في الوثيقة التي حللت التطورات الأمنية المتوقعة في غزة بعد الانفصال، تم طرح إمكانية أن المقاومة ستسيطر على القطاع وأن الانفصال لن يؤدي إلى الهدوء المطلوب. وقد حدث جدل في هيئة الأركان العامة ووصلت من الاستخبارات العسكرية وثائق تدحض هذه الإمكانية.
ضباط في القيادة الجنوبية، شاركوا في صياغة الوثيقة، يعترفون اليوم بأن توقعهم لم يكن مؤكدا أن المقاومة ستسيطر على قطاع غزة بخطوة عسكرية، وأن غزة ستتحول إلى بؤرة حرب مركزية ضد "إسرائيل"، الحوار لكن الوثيقة تحولت إلى شيء عابر ولم تغير شيئا. وكان واضحا للجميع أن قيادة المنطقة الجنوبية ستنفذ القرار الذي سيتم اتخاذه.
في جلسة الحكومة في حزيران 2004 كانت تقديرات الاستخبارات أن هذه الخطوة ستحسن الوضع الأمني في الجنوب. رئيس الاستخبارات العسكرية "زئيفي فركش" قال في النقاش: “الانفصال سيقلص الإرهاب ويحوله إلى شيء يمكن احتماله”، رئيس “الشاباك” "آفي ديختر" تنبأ بأن الخروج أحادي الجانب “سيقلل عدد العمليات ويغير طابعها”.
في السياق نشأ جدال آخر: هل نخرج من قطاع غزة ونبقي الجيش في فيلادلفيا على الحدود المصرية لمنع التهريب. وقد اتخذ القرار بشأن فيلادلفيا قبل بدء الإخلاء بيوم واحد، في آب 2005، "شارون" عارض لكن المستشارين القضائيين قالوا له إنه لا يمكن الإعلان عن الانسحاب من القطاع والبقاء في فيلادلفيا.
في ذلك الحين، وقبل الانفصال، كانت الاستخبارات العسكرية تعرف عن الأنفاق التي حفرت أمام مواقع الجيش، وفي الإرشادات التي أعطيت للمراسلين العسكريين قيل بشكل واضح إن هذا التوجه آخذ في الازدياد وأن الحفر يتم باتجاه خط "هوبرس"، الذي يحيط بقطاع غزة. عشية الانفصال كانت التقديرات في "إسرائيل" أن هناك أكثر من عشرة انفاق. وبعد أقل من سنة على الانفصال تم اختطاف "جلعاد شاليط" عن طريق أحد هذه الأنفاق.
حادثة عمل
استكمل الجيش إخلاء القطاع في 11 أيلول 2005. وفي 23 أيلول أجرت المقاومة “مسيرة الانتصار” في مخيم جباليا، وخلال المسيرة سقط صاروخ من السيارة، وانفجر بين الجمهور وقتل أكثر من 20 مواطنا وأصيب العشرات. ورغم أن هذا كان حادثة عمل إلا أن المقاومة اتهمت "إسرائيل" وتوعدت بالانتقام. في تلك الليلة، بعد أسبوعين على الانفصال، تم إطلاق عدد كبير من الصواريخ باتجاه "سيدروت"، وقد استمر الإطلاق مدة يومين. رد الجيش جاء متأخرا من خلال ما سمي عملية “المطر الأول”، التي اعتمدت على القصف الجوي، وتلقت الحكومة الانتقاد بسبب غياب الرد الحقيقي.
كل ذلك لم يمنع الأجهزة الأمنية بما فيها “الشاباك” من الاستمرار في التقديرات التي وضعوها عشية الانفصال. بعد الانفصال بشهرين، في تشرين الثاني 2005، قال ج.، قائد المنطقة الجنوبية في “الشباك” في حوار داخلي: “طالما أننا نشجع سلطة أبو مازن، فان تهريب السلاح إلى مناطق السلطة لا يعتبر تهديدا… السيطرة على خط فيلادلفيا انهارت مع خروج "إسرائيل"، ويتم تقديم الرشاوى هناك لضباط فلسطينيين ومصريين”. الأمر الذي أقلق “الشاباك” في حينه هو خروج النشطاء من غزة عن طريق سيناء لتنفيذ عمليات في النقب، والخوف من أن ينقل الفلسطينيون حالة المقاومة من غزة إلى الضفة.
في نفس الشهر قال قائد المنطقة الجنوبية "يوآف غالنت" أمام المراسلين العسكريين: “انسحاب "إسرائيل" من غزة لم يغير مركبات القوة داخل القطاع. والانسحاب من خط فيلادلفيا جعل الحدود أقل انضباطا مما اعتقدت.
في شباط 2007، بعد الانسحاب بسنتين ونصف، لخص رئيس “الشاباك” "يوفال ديسكن" العام المنصرم. تحدث عن انهيار السلطة الفلسطينية، لاسيما في القطاع.
وأضاف "ليس عندنا جواب نوعي على إطلاق الصواريخ الغير موجهة من القطاع. إذا استمر الإطلاق فلن يكون هناك طرف فلسطيني يستطيع وقفه، وستضطر "إسرائيل" إلى الدخول من جديد إلى قطاع غزة. حتى الآن لا حاجة للتدخل "الإسرائيلي"، وفتح ما زالت العنصر الفعال في وجه التطرف الأصولي، ولا يجب أن نشوش”. وأشار رئيس “الشباك” إلى أنه خلال 2006 قامت المقاومة بتهريب 30 طن من المواد المتفجرة عن طريق الأنفاق في خط فيلادلفيا – مقابل 5 أطنان من المواد المتفجرة في 2005، وطن واحد في 2004.
في نهاية المطاف كان الانفصال خطوة سياسية، وكان "شارون" مستعدا لتحمل المخاطر الأمنية، لذلك كان دور الجيش تنفيذي وليس اتخاذ القرارات. النخبة العسكرية استجابت بسرعة للمستوى السياسي.
إن عدم قدرة الأجهزة الأمنية على وضع التقديرات الصحيحة للتطورات السياسية والعسكرية المتوقعة في القطاع بعد الانفصال، لا يجب أن تفاجئ أحد. فالاستخبارات لا يمكنها التنبؤ بالتطورات السياسية والاجتماعية، ولا يمكنها أن تكون بديل للتجربة. يوجد رئيس حكومة ويوجد وزير دفاع، ولم يتم الطلب من الاستخبارات أن تضع رؤية استخبارية مستقلة في القطاع، فرض على "إسرائيل" عدم الهدوء، واللاشرعية الدولية. وفوق كل شيء أربع حروب عسكرية، وقدرات المقاومة العسكرية الآن تصل إلى شمال "غوش دان" وهي مستمرة في التسلح. غزة تحولت إلى جبهة حقيقية ستقض مضاجع الجيش إذا ما حدثت مواجهة على جبهات أخرى – لبنان على سبيل المثال.

