كنيس بجانب الأقصى .. قضية القدس إلى أين؟.. بقلم: ياسر الزعاترة

الثلاثاء 16 مارس 2010

منذ سنوات طويلة ، تحديدا منذ احتلالها في العام 67 ، تحتل القدس الشرقية مكانة بالغة الأهمية والحساسية في الوعي الإستراتيجي وحتى العقائدي لقادة الدولة العبرية ، وعموم الحركة الصهيونية في العالم أجمع ، بخاصة في الدول الكبرى والغنية. نتذكر ذلك بمناسبة الكنيس الذي من المفترض أن يكون قد افتتح بالأمس في المنطقة المحاذية للمسجد الأقصى.

 

لا يتعلق الأمر هنا بمساحة عادية من الأرض ، بل ببقعة تحتل مكانة مقدسة في الوعي اليهودي. ويكشف هذا الأمر مدى الوهن الذي تعاني منه نظرية تفريط العرب بفرص السلام أو الحصول على جزء من فلسطين ، كما هو حال الحديث عن التفريط بقرار التقسيم ، ذلك أن الصهاينة لم يكونوا ليقبلوا أي قرار يفرط بالقدس ، أعني المدينة القديمة ، مهما منحهم من مساحات أخرى أو مزايا سياسية مثل السلام والأمن والتطبيع مع الدول العربية.

 

وإذا كانت نظرية بن غوريون تقوم على مقولة إنه "لا معنى لإسرائيل بدون القدس ، ولا معنى للقدس بدون الهيكل" ، فإن الآخرين من آباء المشروع ورموزه لم يفرطوا يوما بهذه النظرية ، وأي حديث حول مساومة عليها هو محض تخريص لا أكثر.

 

نذكّر هنا بأن ما أفشل مفاوضات كامب ديفيد صيف العام 2000 ، لم تكن قضية المساحة ولا الأرض ولا حتى السيادة ، بل ولا حق العودة ، إذ كان بوسع ياسر عرفات التفاهم معهم عليها جميعا ، وما أفشلها في واقع الحال هي قضية القدس القديمة ، حيث لم يوافق الإسرائيليون سوى على منح مناطق ضُمت إلى المدينة بعد الاحتلال ، أو ما يعرف بالأحياء العربية المحاذية للمدينة القديمة ، أما هذه الأخيرة وتحديدا المربع المقدس الذي يوجد فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة فلم يساوموا عليها.

 

هنا في هذه البقعة لم يُظهر الصهاينة أيّ تنازل يذكر ، فقد طلبوا جزءًا من الشق العلوي للمسجد ، فيما طالبوا بسيادة على الجزء السفلي ، ما يعني أن المطلوب هو الاحتفاظ بحق التخلص منه ، أو من أجزاء منه في حال تم العثور على بقايا الهيكل المزعوم ، أو البحث عن مخرج للأمر من خلال ادعاء العثور على شيء منها.

 

لا يتعلق الأمر بالمسجد فقط ، والذي تواصلت الاعتداءات عليه منذ احتلال عام 67 ، وصار لليهود موطىء قدم فيه ، بل بعموم المدينة القديمة التي تتعرض منذ ذلك التاريخ لعملية غزو بالغة البشاعة ، وبالغة الدقة والتخطيط في آن ، حيث لم تزل المدينة تخسر سكانها العرب لصالح اليهود بالتدريج ، الأمر الذي لم يتوقف فصولا منذ ذلك الحين ، حيث تولت كبر هذا الأمر مؤسسات ضخمة وعدد لا يحصى من أثرياء اليهود ، إضافة إلى سياسات تهجير بشعة استهدفت المقدسيين الذين لا يتمكن أحدهم من بناء غرفة جديدة في بيته ، بينما كانت المستوطنات تزرع تباعا في المدينة.

 

لا تحتمل هذه السطور إجراء رصد للسياسات التي اتبعها المحتلون طوال عقود ، ولا الأرقام المتعلقة بالسكان والبيوت ، وهي عموما متاحة في مواقع الإنترنت لمن أراد الاستزادة ، لكننا نشير إليها مجرد إشارة ، ليس لإدانة الموقف العربي والفلسطيني الرسمي ، بل لنتحدث عن هذه التسوية "الحلم" التي يطاردها قومنا دون توقف ، في حين يدرك العقلاء أنه من دون تنازل حقيقي في ملف القدس الشرقية ، فإن أية حكومة إسرائيلية لن تجرؤ على توقيع تسوية مع الطرف الفلسطيني ، مهما انطوت عليه من تنازلات ، وما جرى بين سلطة رام الله وحكومة أولمرت دليل على ذلك ، وهذا التعنت الصهيوني في رفض تجميد ، مجرد تجميد الاستيطان في القدس ، ولو بشكل مؤقت يؤكد ذلك أيضا.

 

لو كان بوسع الصهاينة تقديم تنازل معقول في هذا الملف ، لما استغرق التفاوض أسابيع بعد التنازلات التي أبدى الطرف الفلسطيني استعدادا لتقديمها ، بما في ذلك الإبقاء على الكتل الاستيطانية في الضفة تحت بند تبادل الأراضي ، وكذلك حال حق التنازل عن حق العودة والسيادة الكاملة.

 

ملف القدس والموقف الصهيوني العام منها يؤكد أن التسوية مع هذا العدو مستحيلة ، اللهم إلا إذا تورط بعض قومنا في قبول ما لا يُقبل ، ما يعني أن مشروع التفاوض لا يعدو أن يكون غطاءً للمزيد من الاستيطان والتهويد ، مع شطب مشروع المقاومة الذي لا يصلح غيره في التعامل مع الاحتلال.