الإعلام الحربي _ غزة
حولت سلطات الاحتلال الصهيونية، وعلى مدار أربعة أيام متتالية، المسجد الأقصى وباحاته إلى مسرح للاعتداءات والتخريب والتدمير، في خطوة تنفيذية لما يحاول قادة الاحتلال تشريعه على أرض الواقع من منع وجود المرابطين في ساحات الأقصى واعتبارهم تنظيماً غير شرعي، وتقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً.
وشهد يوم أمس، مواجهات بالأيدي بين شبان فلسطينيين وحراس المسجد الأقصى من جهة، ومستوطنين وقوات الاحتلال من جهة أخرى، إثر تجدد اقتحام مستوطنين بحماية الشرطة للأقصى صباحا. وأفادت مصادر مقدسية، بأن الناشط اليميني المتطرف يهودا غليك اقتحم منطقة باب السلسلة أحد أبواب الأقصى، تحت حراسة مشددة من قوات الاحتلال، في خطوة هي الأولى منذ تعرضه لمحاولة اغتيال في تشرين اول من العام الماضي.
وأضافت: "إن وصول غليك أثار حالة من الغضب الشديد بين المرابطين والمرابطات المحتشدين في باب السلسلة، حيث تجمعوا أمام رجال الشرطة المحيطين به وهتفوا "الله اكبر".
وواصلت شرطة الاحتلال منع دخول الرجال والنساء إلى الأقصى، وحاولت إبعادهم من باب السلسلة لتأمين خروج المستوطنين منه، إلا أنهم اعتصموا فيه، حيث جلست النساء أرضاً وأقام الشبان أمامهن سلسلة بشرية هاتفين، "بالروح بالدم نفديك يا أقصى".
وتأتي هذه الأحداث في الوقت الذي تحاول فيه سلطات الاحتلال، تأمين اقتحامات نحو 500 مستوطن للأقصى احتفالاً برأس السنة العبرية، بإخراج المصلين والمعتكفين من داخل المسجد وباحاته.
وشهدت أجزاء واسعة من المسجد الأقصى تحطيماً ودماراً من قبل جنود الاحتلال، أبرزها المسجد القبلي الذي حُطمت أبوابه وأجزاء من جدرانه ونوافذه.
وتحولت أصوات المصلين الخاشعين والمرتلين للقرآن، إلى صرخات استغاثة عاجلة لإنقاذ الأقصى من خطر حقيقي يحدق به، وسط دوي القنابل والرصاص الذي أطلقه جنود الاحتلال في باحات الأقصى.
إلى ذلك، قام رئيس وزراء دولة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أمس، وسط حراسة أمنية مكثفة، بجولة وصفها الفلسطينيون بأنها "استفزازية"، إلى محيط بلدة صور باهر، جنوب البلدة القديمة من القدس.
كما جدد رئيس وزراء الاحتلال، تصريحات سابقة، توعد فيها رماة الحجارة بأقسى العقوبات، ثم توجّه إلى تلال، تشرف على بعض الأحياء والبلدات في محيط القدس، من بينها العيسوية إلى الشمال الشرقي من مدينة القدس، وهي واحدة من البلدات التي تعد من نقاط المواجهة الساخنة جداً في القدس.
إلى ذلك، كانت قوات الاحتلال، قد استنفرت عناصرها الأمنية وشددت من إجراءاتها، في محيط البلدة القديمة من القدس والمسجد الأقصى وبواباته وبعض أحياء المدينة المقدسة، تزامناً مع محاولة مقدسيين في البلدة القديمة، الوصول للمسجد، بعد أن مُنع الشبان والنساء من دخوله.
نية مبيتة
من ناحيته، أكد عضو المكتب السياسي لحركة "الجهاد الإسلامي" في فلسطين د. محمد الهندي، على أن ما يحدث في المسجد الأقصى من اقتحامات هو "نية مبيتة عند حكومة الاحتلال لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى، وتقسيمه مكانيًا بتخصيص أماكن خاصة لليهود في باحات الحرم".
وقال الهندي في بيان صحفي وصل "الإعلام الحربي" نسخة عنه أول من أمس: "إن كيان الاحتلال يستغل انشغال العرب والمسلمين بأزماتهم لتكريس هذا الواقع الجديد، والأقصى لا يجد من يدافع عند إلا المرابطين والمرابطات من الرجال والشيوخ والنساء وحتى الأطفال المصلين".
وأضاف: إن "كل من ذكرت لا يجمعهم رابط، وليس هناك منظمة اسمها المرابطون أو المرابطات كما يدعي الاحتلال، ولكن مصلون راعهم ما تخططه حكومة العدو لقبلتهم الأولى و لمسرى نبيهم ومعراجه إلى السماء، فهبوا للمرابطة بالأقصى" وفق تعبيره.
وأشار إلى أن قوات الاحتلال "تحاول الآن ممارسة كل أشكال العنف ضد هؤلاء المصلين، الذين نتوجه إليهم بالتحية والإكبار، وهم ينوبون عن كل الأمة في الدفاع والذود عن الأقصى، ولا يملكون سوى الإيمان والإرادة وروح التحدي للعدو المعتدي".
وحذر العدو الصهيوني من مغبة التصعيد العدواني ضد المسجد الأقصى، معتبراً أن الاعتداء عليه وعلى المرابطين داخله وفي باحاته خطاً أحمراً سيقلب كل حساباتهم.
وطالب الهندي أحرار الأمة، بإظهار غضبهم على انتهاكات العدو للمسجد الأقصى، وتنظيم مسيرات غضب للدفاع عن قبلتهم الأولى، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين.
أحداث متصاعدة
وأكدت الناشطة المقدسية عبير زياد، أن قوات الاحتلال اقتحمت الأقصى من باب المغاربة صباحاً، وقامت باستفزاز المصلين ثم اقتحمت الساحات والمصلى القبلي وأغلقته بالسلاسل الحديدية والأعمدة، وانتشرت في ساحات الأقصى وخاصة عند ساحة المسجد القبلي والمرواني، وأبعدت بالقوة كافة المتواجدين في المنطقة، واعتدت عليهم بالضرب والقنابل الصوتية.
وقالت زياد: "إثر هذا الاعتداء العنيف اندلعت مواجهات عنيفة بين عشرات الشبان المرابطين في المسجد وقوات الاحتلال عند باب مصلى الجنائز، امتدت إلى باحات الأقصى وداخل المصلى القبلي، حيث واجهتهم قوات الاحتلال بقوة باستخدام القنابل الصوتية والدخانية ورش غاز الفلفل".
ولفتت النظر إلى أن أبواب المسجد الأقصى تشهد حصاراً مستمراً ومنع المصلين من دخول الأقصى من خلال عدة أبواب من بينها حطة والمجلس والسلسلة، فيما تواصل سلطات الاحتلال منع النساء وطلبة مصاطب العلم من دخول باحات الأقصى.
وأشارت إلى أن أكثر من 20 مرابطاً داخل المصلى القبلي، أصيبوا بالرصاص المطاطي خلال المواجهات، فيما تصاعد دخان من المسجد القبلي.
وأكدت زياد أن ما يحدث هو مخطط إسرائيلي لتنفيذ ما تم تشريعه خلال الأسابيع الماضية فيما يتعلق بمنع المرابطين من التواجد في باحات الأقصى، وإتاحة الفرصة أمام المستوطنين لاقتحام الأقصى بحرية.
ورأت أن استمرار هذا الاعتداء الصهيوني على الأقصى، من شأنه أن يزيد من المواجهات المندلعة هناك، مؤكدةً أن المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل وحدهم من يتصدون لكل ما يحاك ضد القدس والأقصى دون رعاية أو دعم عربي أو حتى من السلطة الفلسطينية.
واعتبرت زياد هذا الاقتحام "سابقة من نوعها" من حيث مستوى العنف الصهيوني في المسجد الأقصى وباحاته، وما نتج عن ذلك من تكسير وتدمير وخراب واسع، طال النوافذ والمباني التاريخية القديمة.
وقائع على الأرض
مدير عام مركز القدس الدولي للأبحاث حسن خاطر، أكد أن ما يدور في الأقصى الشريف، يعد تنفيذاً عملياً لتوجهات قادة الاحتلال الجادة لتقسيم الأقصى مكانياً وزمانياً، ولتأمين اقتحامات المستوطنين للمسجد دون أي اعتراض من قبل المرابطين.
وقال خاطر: "لا يمكن أن نعتقد أن ما يحدث في الأقصى هو مجرد عنف صهيوني تجاه المقدسيين والمقدسات الإسلامية، بل هو تنفيذ المخطط الموضوع منذ عشرات السنين والرامي لتقسيم الأقصى. لقد بات تقسيم الأقصى حقيقة حتمية ستحدث في حال لم نتحرك بقوة".
وبيّن أن سلطات الاحتلال قامت بخطوة سابقة باعتبار المرابطين تنظيماً إرهابياً وغير شرعي، مؤكداً أنه لا يوجد شيء في الأقصى يسمى منظمة مرابطين، بل هو واجب يقوم به المصلون في الأقصى بمختلف فئاتهم المجتمعية وهو يقتضي الدفاع عن الأقصى من دنس الاحتلال ومستوطنيه.
وأضاف خاطر: "إسرائيل تريد أن تظهر أن المرابطين تنظيم منظم أو إطار مدعوم من الخارج، ولكن الحقيقة غير ذلك هو عمل يشترك به المقدسيون وفلسطينيو الداخل في الدفاع عن الأقصى دون تحديد أشخاص بعينهم أو تحديد قادة للمرابطين. فلا يوجد شيء من هذا القبيل".
ولفت النظر إلى أن هناك علاقة قوية بين أجواء المشهد الإقليمي العربي، وحالة الانقسام الفلسطيني المستمرة مع الخلافات الداخلية، مؤكداً أن مشروع تقسيم الأقصى بات في طور التنفيذ العملي.
وتابع: "هناك خطوات صهيونية ملموسة، تكثفت منذ أسبوعين تقريباً، يتم فرضها على المصلين، مثل استهدافهم والاعتداء عليهم ومنعهم من دخول الأقصى واعتقالهم واحتجاز هوياتهم وفرض قوائم بالممنوعين من الدخول، وفق معايير الاحتلال الأمنية".
وأوضح مدير عام مركز القدس الدولي للأبحاث أن ذلك كله "يتزامن مع تنفيذ الحفريات ومصادرة الأراضي، لاسيما المحيطة منها بالأقصى، وفرض الحدائق التوراتية والاستيلاء على مقبرة الرحمة، ضمن سياق مخطط تهويد القدس المحتلة".
وأوضح أن سلطات الاحتلال تسعى للاستيلاء على مساحات معينة في المسجد، مثل الساحات الفارغة الكائنة بين حائط البراق والمصلى القبلي، والمحاذية لساحة البراق، من أجل تخصيصها للمستوطنين اليهود.
وأكد خاطر أن الاحتلال فشل في إفراغ الأقصى من المصلين، رغم عدوانه وجرائمه واعتداءاته المتكررة ضدّهم، مما دفعه إلى تنفيذ مخطط جديد يعد جزءاً من سياق التهويد، ولكنه الجزء الأخطر منه، والذي يشرع في تنفيذه منذ فترة قليلة بصورة مكثفة.
ردود فعل
إلى ذلك، قوبلت هذه الاعتداءات الصهيونية المتكررة على الأقصى، بردود فعل عربية وفلسطينية مختلفة، حيث حذر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من أن أي "استفزاز جديد" في القدس سيؤثر على العلاقات بين الأردن و(إسرائيل).
من جهتها، طالبت وزارة الخارجية الفلسطينية مجلس الأمن الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه ما وصفته بالعدوان الصهيوني المتصاعد ضد المسجد الأقصى.
ونددت الخارجية الفلسطينية بالإجراءات الصهيونية، مشيرة إلى أن حكومة الاحتلال تتخذ من الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار والإدانة الصادرة عن المجتمع الدولي والإسلامي محفزا لها للمضي قدما في عمليات تقسيم المسجد الأقصى.
المصدر/ الاستقلال

