الإعلام الحربي _ غزة
شهد المسجد الأقصى المبارك خلال الأيام القليلة الماضية، توتراً متصاعداً لم يشهده المصلون والمرابطون منذ فترة بعيدة، تخلله اقتحام المصلي القبلي، وإشعال النيران أمامه، وتدمير أبوابه وجدرانه ونوافذه، الأمر الذي يشير إلى تزايد حدة العنف الذي تنتهجه سلطات الاحتلال لزعزعة الاستقرار وجر المدينة إلى حرب دينية تقود إلى تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود.
وأصيب الاثنين الماضي نحو 30 مصلياً، خلال مواجهات جرت مع قوات الاحتلال في باحات الأقصى، بهدف منع مجموعات من المستوطنين من اقتحام الأقصى، فيما منعت شرطة الاحتلال من هم دون الـ50 عامًا من الرجال والنساء من دخول المسجد الأقصى، بعدما فرضت حصارًا مشددًا عليه ومنعت دخول المصلين وطلاب وطالبات المدرسة الشرعية ،فضلا عن الإجراءات القمعية التي قامت بها داخل الأقصى ومحيطه في سبيل تأمين اقتحامات المستوطنين في ظل ما يسمى عيد العرش التوراتي .
وجددت الجماعات اليهودية المتطرفة اقتحامها صباح أمس الأربعاء ، للحرم القدسي الشريف في ظل إجراءات أمنية مشددة من شرطة الاحتلال الصهيوني، واقتحم المستوطنون الأقصى بلباسهم التلمودي الخاص بعيد المظلة 'العُرش' اليهودي الذي دخل يومه الرابع، ووسط دعوات من جماعات ومنظمات 'الهيكل المزعوم' لأنصارها، للمشاركة الواسعة في الاقتحامات المستمرة منذ عدة أيام.
كما تواجد عدد كبير من المستوطنين في باحة حائط البراق، للمشاركة فيما يسمى 'صلاة الحشد' الكهنوتية، والتي تحدث كل سبع سنوات في هذا العيد، ويشارك فيها كبار حاخامات اليهود في العالم، وأصحاب الأموال، وكذلك رئيس دولة الاحتلال.
واعتدى جنود الاحتلال صباح أمس الأربعاء على إحدى السيدات الفلسطينيات المرابطات في المسجد الأقصى المبارك. وأفادت وسائل إعلام مقدسية أن جنود الاحتلال شتموا وضربوا وسحلوا السيدة الفلسطينية داخل باحات المسجد الأقصى المبارك.
ومن جهة أخرى أحبط حراس المسجد الأقصى المبارك الليلة قبل الماضية، محاولة تسلل لأحد المستوطنين إلى داخل المسجد، من جهة باب الغوانمة.
اقتحام ممنهج
المنسق الإعلامي بمركز شؤون القدس والأٌقصى "كيوبرس" محمود أبو العطا، أكد أن حكومة الاحتلال تسير بوتيرة متسارعة لتنفيذ مخططها القاضي بتقسيم المسجد الأقصى تحت سمع وبصر العالم كله، مشيراً إلى أن اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، "تؤكد منهجية هذه الاقتحامات التي لا تبدو أنها أعمال عشوائية من جماعات استيطانية متفرقة".
وقال أبو العطا "هذه الأعمال والاقتحامات ممنهجة بشكل كبير، وهي عملية منظمة ترعاها حكومة الاحتلال ويحميها الجيش والشرطة وينفذها الجماعات الاستيطانية الصهيونية الهادفة لهدم الأقصى لإقامة ما يسمى بهيكل سليمان".
وأوضح أن الجماعات اليهودية المتطرفة تطالب حكومة الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى المبارك أمام المسلمين، منوهاً إلى أن أطماع المستوطنين لم تتوقف عند هذا الحد بل باتوا يطالبون بِـ"حرية الدخول إلى الأقصى المسقوف ومسجد قبة الصخرة المشرفة والمصلى المرواني وغيرها من المصليات المسقوفة".
ونبه أبو العطا إلى أن هذه الاقتحامات تسير في الأوقات ما بين صلاتي الفجر والظهر (حيث يعد موعد أداء صلاة اليهود في هيكل سليمان على حد زعمهم)، موضحًا أن "إسرائيل" تعتبر الأقصى حقًا من حقوقها، وأنها تسعى إلى ضمه في قائمة التراث اليهودي.
من ناحية أخرى، أكد المنسق الإعلامي بمركز شؤون القدس والأٌقصى "كيوبرس" أن المرابطين في باحات المسجد الأقصى يتعرضون لمخطط صهيوني لاقتلاع صمودهم ووجودهم في القدس، لتفكيك قواعد الرباط والتصدي لاقتحامات المستوطنين المستمرة في الحرم المقدسي.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تحاول عرقلة فلسطينيي الداخل المحتل من التواجد في الأقصى بسن قوانين جديدة، ومن بينها القانون الأخير الذي أصدره الاحتلال مؤخراً والذي يتعلق بعدم السماح لأعضاء الكنيست العرب بزيارة الأقصى إلا بإذن من شرطة الاحتلال وهو الأمر الذي ووجه باستنكار واستهجان كبيرين.
وحذر أبو العطا من خطر قادم وحقيقي ضد الأقصى في حال استمرت مخططات الاحتلال ضد المقدسيين والرموز الإسلامية والمقدسات الإسلامية.
ورأى أن الخطر الذي يتعرض له المسجد الأقصى "يتطلب ثورةً شعبيةً وانتفاضةً تضع حدا لغطرسة الاحتلال الصهيوني، مشيراً إلى أن المقدسيين ومعهم بعض من الداخل المحتل وحدهم يتصدون لكافة إجراءات ومخططات الاحتلال في القدس المحتلة.
واعتبر أبو العطا أن الاستمرار في تصدير المواقف الباهتة رسميا وشعبيا، "لن يجدي نفعاً للأقصى، ولن يقدم أي شيء للمقدسيين"، مطالباً بتقديم الدعم المعنوي والمادي لتعزيز صمود المقدسيين.
تكثيف الرباط
من ناحيته، دان المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية وخطيب المسجد الأقصى المبارك، د. محمد حسين، اعتداءات المستوطنين المتكررة بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية، معتبراً هذه الجرائم بمثابة "محاولات حثيثة لإشعال حرب دينية".
وقال حسين "إن سلطات الاحتلال برعايتها اقتحامات المستوطنين للأقصى، تدعم الحملات التي من شأنها أن تقود المنطقة إلى المزيد من التطرف، وتساهم في خلق صراع ديني في القدس المحتلة".
ولفت النظر إلى أن كافة هذه الإجراءات التي تقوم بها التنظيمات اليهودية في القدس، تهدف إلى سلب القدس من المقدسيين وتحويلها إلى مدينة يهودية عاصمة للشعب اليهودي، تكون خالية من المسلمين والمقدسيين.
ونبه حسين إلى أن الغرض من تكثيف هذه الاقتحامات، هو ترسيخ فكرة تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً بين اليهود والمسلمين، وهذا يعد إصراراً إسرائيلياً على تزوير المقدسات الإسلامية وتحويلها إلى معالم يهودية استناداً إلى أوهام وخرافات قديمة.
وأضاف: "هذه الاعتداءات المستمرة على المقدسات، هي جريمة لا يجب السكوت عليها وهي تدلل على مدى الحقد الدفين في نفوس أولئك المستوطنين ضد العرب والمسلمين"، مؤكداً أن كافة هذه الاعتداءات تتم برعاية وتنسيق وحماية من الجهات الرسمية الصهيونية وخاصة جيش الاحتلال.
وأشار حسين إلى أن الوجود الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه لن يتأثر بمثل هذه الأعمال الإرهابية، مطالباً الكنائس بالتوجه لمحكمة الجنايات الدولية لمعاقبة الاحتلال على إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم الإجرامية.
وحذر المقدسيين من الهجمة اليهودية التي تحضر لها منظمات يهودية في القدس لاقتحام المسجد الأقصى، داعياً كافة الفلسطينيين لتكثيف تواجدهم في باحاته على غرار أيام رمضان والعيد، والتصدي لهذه المحاولات.
وبيّن حسين أن المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل، وحدهم يقفون أمام الاحتلال الصهيوني، دون وجود أي ظهير عربي قوي يساندهم ويعزز صمودهم في التصدي لاقتحامات المستوطنين.
واستهجن خطيب المسجد الأقصى، ضعف الموقف العربي والإسلامي الذي يهبط إلى مستوى التخاذل، داعياً إلى اتخاذ مواقف جادة وحاسمة، والعمل من أجل وقف اقتحامات الأقصى، وإعادة هيبته التي فقدت بسبب الصمت الطويل.
المصدر/ الاستقلال

