الإعلام الحربي _ غزة
أبى مهند حلبي إلا أن يلحق بركب من جعلوا من أنفسهم وأرواحهم وقوداً للانتفاضة الفلسطينية الثالثة، التي لم تعد محجوبة بغربال السلطة الفلسطينية وممارساتها للحيلولة دون اندلاعها، فالصورة في الضفة الغربية والقدس المحتلة اليوم، كافية لإثبات أن نبوءة الانتفاضة قد تحققت.
الشهيد مهند شفيق حلبي من بلدة سردا شمال مدينة رام الله، ابن حركة الجهاد الإسلامي، رحل عنا أول من أمس، بعد أن وضع بصمته الشجاعة في الرد على جرائم الاحتلال، في تنفيذ عملية طعن في القدس المحتلة أسفرت عن مقتل مستوطنين اثنين وإصابة آخرين بجراح حرجة، قبل أن تصيبه رصاصات الاحتلال وترديه شهيداً.
واقتحمت قوات الاحتلال، منزل عائلة الشهيد حلبي لعدة ساعات، واستجوبت والده ووالدته وجدته، وفتشوا المنزل تفتيشاً دقيقاً وصادروا بعض المتعلقات بالشهيد، قبل أن ينسحبوا من البيت.
كما اندلعت مواجهات عنيفة في سردا بين عشرات الشبان وقوات الاحتلال الصهيوني التي اقتحمت القرية بأعداد كبيرة، وأعلن عن وقوع إصابتين بجراح متوسطة بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط.
وأطلق مسلحون فلسطينيون النيران على قوات الاحتلال، التي اقتحمت القرية فجراً، واندلع اشتباك مسلح في المكان.
وكانت عائلة الشهيد قد قامت بإخلاء منزلهم من الأثاث والحاجيات، وانتقلت إلى منزل آخر خشية من إقدام قوات الاحتلال على هدمه.
الجهاد تتبنى
وزفت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ابنها الشهيد البطل مهند حلبي، منفذ عملية القدس البطولية.
وباركت الحركة العملية، معتبرة أنها تطور نوعي للمقاومة الفلسطينية ورد طبيعي على جرائم الاحتلال ضد شعبنا ومقدساتنا.
وكانت حركة الجهاد قد دعت جماهير شعبنا عامة وعناصرها خاصة في مناسبات كثيرة لإعلان النفير والرد على الجرائم الصهيونية، كما أعلن الأمين العام للحركة الدكتور رمضان عبد الله شلح ذلك صراحة في رسالة لعائلة دوابشة.
يشار إلى أن الشهيد مهند حلبي هو من سكان بلدة البيرة قرب رام الله، وهو طالب بكلية الحقوق بجامعة القدس ابو ديس، وهو أحد أعضاء الرابطة الإسلامية، الإطار الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي في الجامعة.
وجاءت عملية الشهيد حلبي، قبل ساعات من استشهد شاب فلسطيني آخر يدعى فادي علون من قرية العيساوية فجر أمس، بالقرب من باب العامود في القدس المحتلة، بعد أن أطلقت قوات الاحتلال عليه النار، بسبب محاولته طعن مستوطن.
وقال موقع "والا" العبري: "إن الفلسطيني هاجم المستوطن بالسكين مما أدى إلى إصابته بجراح متوسطة، فيما جرى إطلاق النار عليه على مقربة من المكان ما أدى لاستشهاده".
وكان مهند حلبي الذي يعد أحد أبرز أصدقاء الشهيد ضياء التلاحمة المنتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي والذي استشهد مؤخراً، كتب عبر صفحته في فيسبوك قبيل ساعات من تنفيذ عمليته: "إلى متى هذا الذل والعار إلى متى؟ هل نبقى صامتين، هل نبقى مذلولين، هل يوجد مجال للطرق السلمية، نعم يوجد فيه مجال فالقانون يمنحك الحق الكامل للدفاع عن نفسك ضد من يشهر السلاح في وجهك بأي وسيلة، فالمقاومة هي ضمن حدود وإطار القانون وهي مشروعة فما بالكم؟".
كما تحدث عن انتفاضة ثالثة قد انطلقت، وأن ما يجري للأقصى هو ما يجري لمقدساتنا ومسرى نبينا، وما يجري لنساء الأقصى هو ما يجري لأمهاتنا وأخواتنا".
تطور الأحداث في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بدأ عقب انتهاء عيد الأضحى المبارك، حيث كثفت قطعان المستوطنين اقتحام المسجد الأقصى، وجرى إبعاد العشرات من النساء والمرابطين من ساحاته، ومنع المصلون من الصلاة في باحاته، وجرى اعتقال وضرب المقدسيات لتصديهن لهذه الاقتحامات، وانتقال هذا الإجرام الصهيوني إلى الضفة الغربية، حيث شهدت الضفة خلال الفترة الماضية تطوراً كبيراً وتصعيداً خطيراً في مستوى جرائم المستوطنين الذين كانوا ينفذون عمليات بربرية مثل مهاجمة القرى الفلسطينية والمركبات والممتلكات العامة، وحرق المحاصيل الزراعية، ودهس المواطنين وغيرها.
وفي عملية سبقت هاتين العمليتين في أقل من 24 ساعة، قُتل مستوطنان قرب حاجز بيت فوريك جراء اطلاق الرصاص على المركبة التي كانا فيها.
وذكرت وسائل إعلام عبرية أن مستوطناً وزوجته قتلا في اطلاق الرصاص، حيث تبين لاحقا انه ضابط كبير في استخبارات الاحتلال، فيما لم يصب أي من أطفاله الأربعة في المركبة بأي جروح.
ويبدو أن منفذي العملية الذين لاذوا بالفرار، قد تأكدوا من مقتل المستوطنين من مسافة صفر، حسب ما ذكرت وسائل الإعلام العبرية.
انتفاضة مشتعلة
المحلل السياسي حسن عبدو يقول: إن "الانتفاضة الفلسطينية الثالثة بدأت فعلاً، ولا يمكن لأحد أن يوقفها، فحالة الاشتباك الحالية في الضفة الغربية والقدس تشير بشكل واضح إلى أنها بدأت".
وأوضح عبدو أن الانتفاضة في مدلولها تعني حالة اشتباك دائم مع الاحتلال، دون التوصل إلى افق للحل، وما يجري في أزقة وشوارع القدس والضفة هي حالة اشتباك دائم مع هذا العدو الذي يستهدف الأرض والإنسان والمقدسات.
وأوضح أن إرهاصات هذه الانتفاضة عديدة، ومنها العمليات الفدائية التي ينفذها شبان بشكل تلقائي ودون تخطيط مسبق، وتشكيل لجان شعبية للدفاع عن القرى الفلسطينية في وجه المستوطنين بشكل عفوي وغير منظم، في سلسلة ردود على عمليات القتل والإجرام الصهيوني الذي يستهدف الفلسطينيين.
وأضاف: "كل هذه المؤشرات خلقت حالة لم تصل إلى حالة نخبوية تقودها الفصائل الفلسطينية، بل نحن أمام عمل عفوي شعبي يلقى تأييداً ومؤازرة شعبية، وبالتالي من هنا نطلق على ما يجري في الضفة الغربية انتفاضة، ولكن تثبيتها بحاجة إلى أجماع وطني".
وشدد على ضرورة تحقيق هذا الإجماع من أجل احتضان المقاومة، وتابع: "الانتفاضة الأولى انطلقت بالقوى الإسلامية ولم تسم انتفاضة إلا بمشاركة القوى الأخرى، وكذلك الانتفاضة الثانية انطلقت بالقوى غير الإسلامية ولم تسم انتفاضة إلا بمشاركة القوى الإسلامية، لذلك الإجماع هو أمر ضروري ومطلوب".
واستطرد عبدو بالقول: "حتى الآن لم نر انخراطاً من القوى الفصائلية إلى جانب الخيار الشعبي الذي اندلع للدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات، ولكن لا يوجد خيار بديل أمام هذه القوى إلا الانخراط في هذه الانتفاضة، وهذا لا يتم في العادة إلا بعد التأكد أن هذا الحراك الثوري سيحدث تغييراً في المستقبل الفلسطيني".
ولفت النظر إلى أنه رغم عدم رغبة السلطة الفلسطينية باندلاع هذه الانتفاضة، "إلا أن موقف هذه السلطة من الأحداث في القدس والضفة هو تطور نوعي، حيث بقيت صامتة ولم تدن هذه العمليات، وهذا يتم تفسيره صهيونياً بأنه حالة رضا، وفلسطينياً بأنه تطور إيجابي خاصة انه حمل (إسرائيل) مسئولية التصعيد".
تخوف صهيوني
وعلى المستوى الصهيوني، يرى المحلل السياسي الخبير في الشؤون الصهيونية، إبراهيم جابر أن الأحداث والعمليات الشعبية التي تجري في القدس المحتلة، وضعت حكومة نتنياهو في مأزق حقيقي، وأمام فرضية واقعية تشير بشكل واضح إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة.
وقال جابر: "اعتقد أن ما يجري هو انتفاضة، وليس مجرد هبة شعبية صغيرة، لأن من شروط الانتفاضة هو اتساع المساحة الجغرافية، والديمومة، وما نراه اليوم من عمليات ومواجهات في مدن الضفة والقدس يظهر أن الغضب يعم أجزاء جغرافية كبيرة، كما أنها دائمة لا تخمد".
وأوضح أن (إسرائيل) تخشى بشكل كبير من هذه الانتفاضة، كونها نابعة من رغبة شعبية بحتة وليس من تنظيم فصائلي، وهو الأمر الذي لا يتيح مجالاً أمام أي وسيط داخلي أو خارجي أن ينقذ (إسرائيل) من تدهور الأوضاع.
ولفت النظر إلى أن نتنياهو يحاول اتهام السلطة الفلسطينية في هذا التوتر القائم، بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة، في محاولة من نتنياهو لتصدير أزماته على السلطة الفلسطينية.
وبيّن أن تصاعد الأوضاع في الضفة الغربية "ليست بيد أحد. بل هي إرادة شعب"، مؤكداً أن استمرارها على هذا النهج سيجعل جيش الاحتلال يفكر باتخاذ إجراءات أمنية شبيهة بالإجراءات الأمنية التي اتخذت خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
المصدر/ الاستقلال

