الإعلام الحربي _ خاص
في السادس من أكتوبر للعام 1987 كان فلسطين على موعد مع نقطة تحول كبرى في مسيرة العمل الجهادي.. كان موعد أربعة من أقمار الجهاد الإسلامي في فلسطين مع الله.. كان هذا اليوم هو المحطة الأخيرة في حياتهم.. لكنه كان بمثابة يوم لميلاد خيار الوعي والإيمان والثورة الذي أثمر ولا زال قوافل الطهر والنقاء من الشهداء.
ثلاثون عاماً مرت على ذلك المشهد التاريخي الفذ والذي لا زال ينبض بالحياة مع كل فجر جديد.. ففي الوقت الذي كان فيه العمل الوطني الفلسطيني (قبل الانتفاضة) يدخل عنق الزجاجة ويعاني من إحباطات متعددة كانت حركة الجهاد الإسلامي تقود الجهاد المسلح وتنفذ أهم العمليات العسكرية معلنة ميلاد جيل جديد من الاستشهاديين الذين عشقوا الشهادة والجهاد وفلسطين.
في حي الشجاعية .. التقت مجموعة جهادية فذة من أبطال حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين على دوار الشجاعية وهم (محمد الجمل ، سامي الشيخ خليل ، زهدي قريقع، أحمد حلس) وكان قد سبقهم مصباح الصوري شهيدا قبل ذلك بأيام ، وجهاً لوجه مع جنود العدو ورجال مخابراته، واشتبكوا معهم بعد شهور من الملاحقة والمطاردة التي أثخنت الاحتلال وعملائه. فارتقى الشهداء إلى علياء المجد مسطرين أروع آيات العز والفخار. فتوزع دمهم على جداول وأنهار فلسطين معلنا بدء فيضان وطوفان الثورة المباركة.
تلك الثلة المؤمنة والمجاهدة، والتي تمكن بعضها الإفلات من قبضة السجان الصهيوني في سجن غزة المركزي المحصن في يوم من أيام العزة من ربيع ذلك العام وانضم إليهم آخرون.. كان لها دور كبير في إشعال فتيل الانتفاضة الأولى وذلك بحسب اعترافات العدو نفسه.
وفور شيوع نبأ استشهاد تلك الثلة المؤمنة دخلت الأراضي الفلسطينية في حالة من التململ والتحرك في وجه قوات الاحتلال تمهيدا للانفجار الكبير والذي كان بعد حوالي شهرين من المعركة الخالدة، ذلك الانفجار الذي استمد قوته من دماء الشهداء الأخيار أبناء الإسلام العظيم.
كان الشهداء الأربعة ومن قبلهم بأيام الشيخ المجاهد مصباح الصوري، يختزنون في دمهم الطاهر، ويطوون على القلب أحزان الأمة وفرحها وطموحها وحبها للموت والحياة، كانوا يختزنون في دمهم الطاهر تلك الانتفاضة المعجزة التي لا زالت نجمة مضيئة على جبين الشعب والوطن والأمة.
لقد كان أبطال الشجاعية هم الذين قادوا عملية الفرار الكبير من سجن غزه المركزي في 17/5/1987 وهو السجن الذي كان يعتبر من أبرز سجون الوطن المحتل وقلعة لكل من الجيش والشرطة والمخابرات الصهيونية.. ولذا كان تمكن ستة من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي الأوائل من هذا السجن ـ القلعة ـ ضرباً من ضروب المعجزة ورغم محاولات العدو المستميتة للبحث عنهم إلا أنهم ضربوا جذورهم في أعماق الشعب الذي احتضنهم لخمس شهور كاملة وهم ينفذون أخطر العمليات العسكرية على أبواب الشجاعية.
وكانت الملحمة
الشبان المؤمنون الأطهار وحفظة القرآن والذين كان الناس يتسابقون للصلاة من ورائهم، التقوا وجهاً لوجه مع العدو الصهيوني، رفعوا سلاحهم وبنادقهم وحدقوا في عين عدوهم وأطلقوا النار، فكان دمهم إيذاناً بدخول الشعب مرحلة جديدة، ودخول حركة الجهاد الإسلامي مرحلة جديدة هي الانتفاضة.
وللشهيد الشقاقي كلمة
وقد ألقى الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي مؤسس حركة الجهاد الإسلامي كلمة له بمناسبة مرور ثماني سنوات على معركة الشجاعية، جاء فيها: ثمانية أعوام تمر اليوم على ذكرى الرجال المؤمنين الذين واجهوا العدو واقفين فكانوا شرارة الانتفاضة التي اندفعت ببركة دمهم المقدس لتستمر كل تلك الأعوام الشامخة عنواناً لشعب حي وعزيز لا يمكن نفيه أو تجاوزه أو اقتلاعه ، عنوانا للقطع الحاسم مع العدو واستحالة التعايش معه ، عنوانا للإسلام الحي المتجدد القادر على انتشال الأمة من وهدة اليأس وعبثها من جديد عنوانا جوهرياً لمشروع النهوض ضد مشاريع الاحتلال والنهب والاستلاب والإذلال والاستعباد والتبعية.
اليوم نطوي مع الأمهات الجليلات والأبناء الشاخصين إلى صور آبائهم، نطوي القلب حزناً وافتخاراً باستشهاد محمد سعيد الجمل وسامي الشيخ خليل وزهدي قريقع "الغرابلي" وأحمد حلس ومصباح الصوري الذي كان سبقهم بأيام قليلة، هؤلاء الشهداء الذين أعطونا الحياة لنستمر أكثر.
ما يدمى القلب في ذكرى شهداء الشجاعية البواسل وكل شهداء فلسطين في صراع المئة عام أن الوطن يبتعد عن مسار دمهم ، وأن الاحتلال الذي قاوموه يتكرس أكثر تنظيماً وبأساً ودلالة بعدما تحرر العدو من لعنته ومأزقه (الاحتلال) دون أن يتخلى عنه ، وأن المشروع الوطني الفلسطيني قد انقسم إلى تابع ومقاوم، إلى ظالم ومظلوم ورفاق الأم الثوار قد أصبحوا الحزب الحاكم أو حزب الحاكم أو الحزب النائب عن الحاكم ، لا فرق طالما أن الحاكم معروف.
ما يدمى القلب أن العدو التاريخي والحضاري والقومي للشهداء والأمة قد أصبح شريكاً وحليفاً ضد دم الشهداء وضد الأمة وأنه يدخل تحت رايات التسوية الزائفة والموهومة إلى نسيج وبنية المنطلقات بثبات.
ما يدمي القلب تزييف الوعي بلا حدود، ليس ذلك الذي يمارسه العدو وكنا له بالمرصاد ، بل ذلك الذي تمارسه النخب المهزومة التي تخفي هزائمها وانكساراتها وعوراتها بالثرثرة حول انكسار المشروع الصهيوني وصولاً إلى التناقض الداخلي في المجتمع الإسرائيلي الذي سينفجر بعد أن تم إنجاز السلام الذي لا يحتمله اليهود المغفلون! ، وحينها سيرحلون بلا قتال ببركة أوسلو (خسرت الكيان الصهيوني من المقاطعة العربية المباشرة عشرين مليار دولار وخسرت من المقاطعة غير المباشرة عشرين مليار دولار ورفع المقاطعة سيعطيها ضعف ذلك، كما أنها تصدر لليابان سنويا بمليار دولار وتستورد من اليابان بربع هذا المبلغ)، ومع تقدم لعبة التسوية سيصبح الكيان الصهيوني طفل العالم المدلل أكثر وأكثر. فأي تناقض سيتفجر داخل أربعة أو خمسة ملايين ، سيكون أقلهم سيداً في المنطقة بكل معنى الكلمة.
في السادس من أكتوبر (تشرين أول) يذكر شعبنا شهداء الشجاعية البواسل وهو أكثر وعياً إصراراً على كنس حالة الإحباط المبرمج باتجاه أُفُقٍ مشرق لا يفتحه سوى دم الشهداء.

