"فتحي الشقاقي".. ثورة تجوب الوطن.. وفكرة تزداد توهجاً

يُصادف يوم السادس والعشرين من أكتوبر/ تشرين أوَّل من كل عام ذكرى رحيل الشهيد المعلِّم فتحي الشقاقي الذي امتطى صهوة العز والفخار نحو علياء المجد والخلود، تعود الذكرى اليوم لتذكرنا بالثائر والسياسي الفذ، فضلًا عن المفكّر والشاعر والكاتب والأديب الذي كان وما زال بنيانًا صلبًا يقاوم الأعداء في كل حين، وصولًا لتحرير فلسطين السليبة التي عشقها ودفع دمه من أجلها، على اعتبار أنها قضية الأمة المركزية، ومركز الصراع الكوني مع العدو الصهيوني.

في يوم رحيله ولُد "الشقاقي" من جديد في فردوس السماء وعلى فمه ابتسامة مُشرقة بعدما استقرَّت رصاصات الغدر الصهيونية بجسده الطاهر اعتقادًا من الكيان الصهيوني أنه بتصفيته سيطمس صوابية فكره الثائر الذي يرسم معالم الوطن الحر المستقل، ويخمد لهيب المقاومة ويستأصل نبضها.

ميلاده ونشأته
وُلد الشهيد فتحي الشقاقي في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين جنوبي قطاع غزة في الرابع من يناير/ كانون الثاني من العام 1951م، لأسرة تعود لقرية "زرنوقة" بالقرب من يافا في فلسطين المحتلة عام 1948م، فقد أمه وهو في الخامسة عشرة من عمره، وكان أكبر إخوته، و درس في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية وتخرج من قسم الرياضيات، وعمل لاحقاً في سلك التدريس بالقدس في المدرسة النظامية، ثم انتقل إلى جامعة الزقازيق لدراسة الطب، وعاد إلى الأراضي المحتلة ليعمل طبيباً في مشفى المطلع بالقدس، وبعد ذلك عمل طبيباً في قطاع غزة.

رفيق درب الشهيد د. فتحي الشقاقي نصر هويدي، قال: "ما من شخص التقى الدكتور فتحي - رحمه الله - إلَّا وتأثر به، حتى الذين اختلف معهم شهدوا له بقدرته على التأثير وإبداعه في التفكير والتحليل للآخرين، وبسبب ثقافته العالية وأسلوبه الرائع في المناظرة والنقاش كان يأسر قلوب مستمعيه فيمتلك عقولهم وأفئدتهم".

وأوضح هويدي أن من أهم الجوانب التي اهتم بها الدكتور أبو إبراهيم لا سيما في فتره وجوده في مصر أواخر السبعينات، وهو طالب في جامعة الزقازيق، هو اهتمامه ببناء الإنسان، وكيفية تعبئته فكرياً وثقافياً وتربوياً من خلال تنظيم الحلقات الثقافية، والدينية، والتربوية.

مكتبة متنقلة
وتابع: "عندما التقيناه بجامعة الزقازيق في مصر عام 1980 جلسنا معه، وعندما كنا نزوره في شقته نجد بيته مليء بالكتب، كان الدكتور الشقاقي موسوعة كاملة، حيث كان قارئاً من الدرجة الأولى، يهتم بالدين، والفقه، والأدب، والروايات، والشعر، والاقتصاد، واصفاً إياه بـمثابة "المكتبة المتنقلة"؛ نظراً لإلمامه بكافة المجالات، "فكانت هذه الكتب "مديونة" للدكتور فتحي؛ بسبب أن كل هذه الكتب قد قرأها الدكتور".

وأضاف رفيق درب الدكتور الشقاقي إنه "إضافة إلى اهتمامه بتلك الجوانب؛ كان الدكتور يولي اهتماماً كبيراً بالجانب الديني، إذ كان ملتزماً بالدين والعبادة، حيث كان يسبقنا إلى صلاة الفجر، أضف إلى ذلك اهتمامه الكبير بالرياضة، فكنا ننزل مبكراً بعد صلاة الفجر لممارسة الرياضة، حيث كان من الواجب علينا التواجد بشكل يومي لممارستها ليس لهدف الرياضة فقط، بل لكي يختبر مدى التزامنا وقوة تحملنا، لدرجة أننا نصل لمرحلة لا نستطيع فيها استكمال الرياضة؛ ليغرس فينا رحمه الله أن بناء "العقل السليم يكمن في الجسم السليم".

وأردف: "الدكتور فتحي إذ لم نلمس لديه أي تعصُّب حزبي أو فكري، حيث كان يتلقى الآراء ممن يخالفونه الرأي بكل سعة صدر وترحاب، مؤكداً أن تلك الميّزات آنفة الذكر، والعقلية المتفتحة التي تمتع بها جعلته يحظى باحترام وحب الجميع".

واعتبر هويدي أن من المراحل التي غيَّرت مسار الحركة الإسلامية في فلسطين هي مرحلة العودة إلى قطاع غزة، إذ يقول: "بعد عودة الدكتور فتحي الشقاقي سراً إلى قطاع غزة عام 1981، بعد أن اعتُقل مرتين في مصر على خلفية انتمائه السياسي والإسلامي، بدأ رحمه الله بتنظيم الحلقات والجلسات والدروس الدينية في مساجد عدة كنواة أولى لانطلاقة العمل، مبيناً أن "تلك الحلقات التي كانت تنظم بإشراف مباشر من الدكتور فتحي، كما أنه تم إنشاء "المؤسسة الإسلامية للشباب الفلسطيني" كانت بمثابة الحاضن للحركة الإسلامية في حينه.

في العام 1983 كان اعتقال سلطات الاحتلال الصهيوني للدكتور أبو إبراهيم وكل من تربطه علاقة بـمجلة "الطليعة الإسلامية"، التي كانت تُطبع وتوزع في قطاع غزة والضفة والقدس المحتلتين.

وكان "الشقاقي" قد اعتقل في معتقل غزة المركزي عام 1983 لمدة 11 شهراً، ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى عام 1986، وحُكم عليه بالسجن الفعلي لمدة أربع سنوات وخمس سنوات أخرى مع وقف التنفيذ؛ لارتباطه وقبل انقضاء فترة سجنه أبعدته سلطات الاحتلال إلى خارج فلسطين بتاريخ الأول من أغسطس (آب) 1988م بعد اندلاع انتفاضة الحجارة الأولى.

وتابع: بعد اعتقال دام 11 شهراً للدكتور فتحي الشقاقي على خلفية طباعة مجلة "الطليعة الإسلامية" خرج الدكتور من السجن، وبعدها التحم مع الجماهير، وبدأ الإعداد لانطلاق لمرحلة جديدة وتشكيل المجموعات الخاصة بالعمل الجهادي التي كان يشرف عليها بشكل مباشر حيث كانت مرحلة فارقة في تاريخ حركة الجهاد والقضية الفلسطينية.

وأضاف "وبعدها بقليل تفجرت انتفاضة الحجارة المباركة؛ ليخرج اسم حركة الجهاد الإسلامي يعلن بيانات النعي والتبني بشكل رسمي وعلني، ولتبدأ حينها مرحلة جديدة تمثلت بانتفاضة الشعب الفلسطيني كله في وجه الاحتلال الغاصب لأرضنا، مضيفاً "وعلى خلفية الانتفاضة التي لم يتحملها الاحتلال؛ فقد أقدم على شن حملة اعتقالات واسعة في حركة الجهاد الإسلامي على رأسهم الدكتور فتحي الشقاقي، وفي عام 88 عمل الاحتلال على ترحيله إلى "مرج الزهور" في لبنان برفقة قادة وكوادر من الفصائل الأخرى كان أبرزهم من حركتي "الجهاد" و"حماس".

ونوّه إلى أنه وبعد انتهاء فترة ترحيل هؤلاء القادة عاد معظمهم إلى غزة

مرحلة "أوسلو"
وبعد دخول مرحلة "أوسلو" وعودة السلطة الفلسطينية للأراضي المحتلة وخروج الاحتلال من قطاع غزة وانتهاء إدارته العسكرية له؛ رفضت حركة الجهاد الإسلامي تلك الاتفاقية باعتبارها اتفاقية مذلة للشعب الفلسطيني وتنتقص من حقوقه المشروعة، مشدداً على أن الأمين العام الراحل أبو إبراهيم وازن بين العمل السياسي والعسكري، وبفضل ذلك ارتفعت أسهم حركة الجهاد، وتزايدت رقعة حضورها في مختلف الساحات سواء الداخلية أو الخارجية إلى أن أصبح لها قاعدة جماهيرية واسعة.

وأردف: "إن العمليات الاستشهادية النوعية التي نفذتها حركة الجهاد، كعمليات: أنور عزيز، والاستشهادي هشام حمد في نيتساريم، وكوسوفيم التي نفذها الاستشهادي خالد الخطيب، إضافة إلى عملية "بيت ليد" التي نفذها الاستشهاديان أنور سكر وصلاح شاكر، استطاعت أن تقلب الكيان الصهيوني رأساً على عقب، بعد مقتل العشرات من الجنود والصهاينة خلال تلك العمليات، مبيناً أن تلك العمليات النوعية التي كانت بتخطيط من الشقاقي غيرت مسار القضية الفلسطينية .

وأكمل: " بعد فضل الله، أعاد الدكتور المفكِّر فتحي الشقاقي القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعد أن غُيِّبت لفترة طويلة، وحمل همّ القضية على عاتقه ولم يهدأ إلَّا بإبقاء جذوة الصراع مشتعلة بيننا وبين الاحتلال؛ لتكون فلسطين هي مركز الصراع الكوني.

من جهته، رفيق درب الدكتور الشقاقي، الشيخ عمر فورة تحدَّث في ذكرى رحيل المعلّم عن شخصيته الفذّة وعن علمه وثقافته وأدبه وفكره المنير قائلاً: "الإسلام وفلسطين كانا محور ارتكاز فكر الدكتور الشقاقي ، وكانت فلسطين بالنسبة له همه الأول والأخير، وكان يسعى وراء إنشاء جيل مبني على الثقافة الإسلامية وأن تكون قضية فلسطين التي دفع دمه وحياته من أجلها قضية هذا الجيل المركزية".

وأضاف فورة إنه "عندما التقيت للمرة الأولى بالدكتور فتحي في بيته الواقع في منطقة المساكن بالزقازيق في القاهرة، أُصبت بالانبهار الشديد من ثقافته ومن مكتبته التي كانت تحوي عددًا كبيرًا من الكتب في شتى المجالات والعلوم، وكان لقاؤنا الأول يتحدث عن دور الدين في تحرير فلسطين ونهضة الأمّة وإقامة وإعادة الحضارة الإسلامية"، لافتًا إلى أن لقاءه المتكرر به جعله يتوجه إلى جمع الكتب وقراءتها، وتأسيس مكتبة للكتب تحتوي ما يزيد عن 2500 كتاب.

على ذات الخطى
وتابع: "كان الدكتور يلفت أنظارنا إلى قراءة الكتب وكان يبين لنا أننا امتداد للمجددين الأوائل أصحاب الخط المستنير أمثال محمد رشيد رضا، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبدو، والإمام حسن البنا، وسيد قطب"، موضحًا أن إكرام الآخرين واحترامهم وزرع الفضائل في نفوسهم، وعدم التعصب، واحترام الوقت واستغلاله، صفات اتسم بها الشهيد المعلم أبو إبراهيم.

ويعد الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي أحد أبرز رموز التيار المستنير داخل الحركة الإسلامية لما يتمتع به من ثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الحركات الإسلامية وقضاياها في العالم العربي والإسلامي، كما يعتبر مجددا للحركة الإسلامية الفلسطينية وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الجهاد المسلح، فدخلت بذلك طرفاً رئيسياً ضمن قوى الإجماع الوطني الفلسطيني.

وقال الشيخ فورة: "في ذكرى استشهاده ها هي الحركة مستمرة على ذات الخطى؛ إذ أصبحت رقمًا صعبًا في الساحة الفلسطينية لا يمكن تجاوزه بامتلاكها الآن عشرات الآلاف من الكوادر والمؤيدين لنهجها والمحبِّين لها، فضلًا عن امتلاكها جيشًا قويًا، مشددًا على أن حركته لم تنكسر باستشهاد أمينها العام، وإنما أصبحت أكثر صلابة نتيجة تمسك قادتها وحفاظهم على فكره وإنجازاته التي نمت بفضل الله".

وعن مرحلة وجود المعلم الدكتور فتحي الشقاقي في الأسر، من جهته، مفجر "ثورة السكاكين" الأسير المحرّر في صفقة وفاء الأحرار خالد الجعيدي الذي قضى ربع قرن داخل سجون الاحتلال، قال: "عشت مع الدكتور أبي إبراهيم في مختلف محطات الأسر، ابتداءً من الالتقاء في سجن غزة المركزي ثم في عسقلان، مروراً بسجن "نفحة" الصحراوي، حتى جاءه قرار الإبعاد إلى لبنان عام 1988م"، منوهاً إلى أن أول مرة يسجن فيها كان في استقباله الدكتور فتحي وبعض من الشباب في سجن غزة المركزي.

وأضاف الجعيدي أن "أول ما دخلت السجن وبعد فترة التحقيق كان باستقبالي الدكتور أبو إبراهيم، ومجموعة من الأصدقاء، منهم من استشهد ومنهم من خرج، وبدأ الدكتور يعلمنا الدروس التوعوية والدينية في ذلك الوقت"، لافتاً إلى أن الشقاقي هو من جعل قضية فلسطين القضية المركزية للأمة، وكانت كلمته المشهورة "أُعيد إلى فلسطين خصوصيتها المنسية".

اهتمام بالوحدة
وأشار إلى أنه كان يولي قضية الوحدة الوطنية داخل السجون اهتماماً كبيراً وكان من روادها الأوائل، وداعياً لها في جميع خطاباته ومواقفه، مؤكداً أن كان حريصاً على وحدة الصف الفلسطيني ووحدة الفصائل الفلسطينية داخل سجون الاحتلال، كانت له نظرة عميقة في هذا الاتجاه أنه بالوحدة الوطنية نستطيع أن نواجه الاحتلال ونواجه السجان".

وأوضح مفجّر ثورة السكاكين أن موقف الشقاقي من عدم قبول انتقال أسرى من تنظيمات أخرى للجهاد الإسلامي، كان هذا من المنظور الحفاظ على الوحدة الوطنية في سجون الاحتلال، ووحدة الحركة الأسيرة في السجون، وهذا أكبر دليل على الوحدة الوطنية التي كان يدعو لها.

شعبية كبيرة
وبيّن أن شعبية الدكتور كانت كبيرة بين جميع الفصائل الفلسطينية أكثر من قيادات التنظيمات نفسها، فكانت شخصيته محبوبة من الجميع داخل السجن، و"كان دوما حريصاً على طرح القضايا الوطنية التي تهم المجموع الفلسطيني، والكل يشهد بعلاقاته الوطنية الطيبة مع مختلف الفصائل"، مشيراً إلى أنه كان داخل السجون "بمثابة الأب والأخ والصديق وخير قدوة للجميع".

وكانت أجهزة الموساد الصهيونيــة اغتالت الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا، يـوم الخميس 26/10/1995 وهـو في طريق عودته من ليبيا، بعد جهود قام بها لدى القيادة الليبية بخصوص الأوضــاع المأساويـــة للجاليــــة الفلسطينية في ليبيا آنذاك.

وفي فجر الواحد والثلاثين من تشرين/ كانون أوَّل استقبل الشعب الفلسطيني مع حشد كبير من الحركات الإسلامية بكل فصائلها واتجاهاتها في كل الوطن العربي الشهيد الشقاقي الذي وصلت إلى مقبرة الشهداء في مخيم "اليرموك" بدمشق، وسط هتافات تتوعد بالانتقام والثأر لاغتياله، والزغاريد التي تبارك الاستشهاد، فيما أعرب حينها "إسحاق رابين" عن سعادته باغتيال الشقاقي، بينما رأى "الموساد" أن عملية اغتيال الشقاقي تعد من أنجح العمليات التي قام بها.

disqus comments here