الإعلام الحربي _ غزة
يصادف اليوم الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الشهيد القائد هاني عابد أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وصاحب معادلة ما تتطلبه "المعركة" في وجه الاحتلال، المكونة من عنصرين، الأول هو الدم ويكون في الميدان، والآخر على الورق والأثير حيث يصنعه جنود الحقيقة من الرجال حتى يؤرخوا للمرحلة.
والشهيد عابد أستاذ الكيمياء بدأ رحلته الدراسية بشهادة البكالوريوس في الجامعة الإسلامية بغزة عام 1985، وواصلها بشهادة الماجستير في جامعة النجاح بنابلس، في الضفة المحتلة عام 1988، إذ لم يكن "قلمه العلميّ" يقل في تألقه عن نظيره "الأدبي" أو "الصحافي".
إنه الشهيد "هاني عابد – أبو معاذ" الذي امتطى صهوة الجهاد نحو علياء المجد والخلود بعد أن طالته يد الموساد الصهيوني في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة؛ بعد تفجير سيارته، اعتقادًا من الاحتلال أنه بتصفيته سيكسر بنيان صحيفة "الاستقلال" الصلب التي أسسها وعمل مديراً لها، وسيخمد لهيب شعلتها التي أُوقدت لمقارعة الاحتلال في كل آن، وصولاً للاستقلال الحقيقي، المتمثّل في حرية فلسطين المحتلة بحدودها الجغرافية والتاريخية، دون تنازل أو تفريط بأي شبر من ترابها الطاهر المُقدَّس بعيدًا عن معاهدات الذل والهوان.
ميلاد قائد
في مخيم جباليا الثورة، وُلد الشهيد هاني عابد في عام 1962م، لأسرة فلسطينية تعود أصولها إلى قرية "سمسم" الواقعة في الشمال الشرقي لقطاع غزة والتي هُجِّرت منها إبّان عام 1948م إلى أن استقر بهم المقام في قطاع غزة.
"ماذا نفعل في هذا اليوم ؟ لابد لنا أن نُستشهد" بتلك الكلمات التي خطّها الشهيد هاني عابد قُبيل استشهاده بساعات في مقدمة بيان حركة الجهاد الإسلامي في ذكرى "وعد بلفور المشؤوم" عام 1994م، تستذكر أم محمود شقيقها هاني الذي كان بالنسبة لها وحسب وصفها من علمها أبجديات الحياة، إذ تقول: "تعلمت من شقيقي هاني الكثير، لقد علمني حب الله تعالى والتقرب منه، وأن يكون لي بصمة في هذه الحياة، كذلك علمني وزرع في قلبي وعقلي حب الجهاد والمقاومة المتمثل في نهج حركة الجهاد"، مؤكدةً أنها ستبقى على ذات الطريق والنهج الذي استُشهد من أجله.
وهي تتنقل بين صفحات ذاكرتها، أضافت أم محمود في حديثها:" اتصف هاني ومنذ نعومة أظافره بالذكاء والشجاعة وتحمل المسؤولية، فضلًا عن خُلقه الرفيع والتزامه بأداء الصلوات الخمس في المسجد، وتميزه وتفوقه الدراسي في مراحل دراسته بدءًا بالمرحلة الابتدائية ومرورًا بالمرحلتين الإعدادية والثانوية ووصولًا إلى المرحلة الجامعية، مبينةً أن ذكاءه الشديد تمثل في سرعة حسابه للمعادلات الرياضية، وإتقان حفظه لآيات القرآن الكريم والأناشيد الإسلامية.
عمل الشهيد محاضرًا في كلية العلوم والتكنولوجيا بخانيونس منذ عام 1993م وحتى تاريخ استشهاده، كما يعتبر قياديًا بارزًا في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وأحد المسؤولين فيها إذ تنقّل في عدة مواقع قيادية منها إدارة صحيفة "الاستقلال".
وأكّدت أم محمود أن صحيفة "الاستقلال" كانت تعني له الشيء الكثير إذ أولاها جل وقته واهتمامه، موضحةً أن إصراره على تسميتها بهذا الاسم جاء ليبين للجميع أن "الاستقلال" الحقيقي للوطن السليب لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال السير على درب المقاومة والجهاد والاستشهاد بعيدًا عن معاهدات الذل والخنوع.
على ذات الخطا
من جانبه، رفيق درب الشهيد عامر خليل، قال: "يعتبر الشهيد هاني عابد من الأذرع الأولى التي انضمت لحركة الجهاد الإسلامي في بداية عقد الثمانينات، فقد كان على رأس العديد من الأنشطة التي رعتها حركة الجهاد منذ ذلك الوقت في العديد من المجالات، الأمر الذي أهله ليصبح أحد القيادات البارزة للحركة في مطلع التسعينات، ويكون على اتصال مباشر مع الأمين العام الراحل الدكتور فتحي الشقاقي".
وأوضح خليل "أن الشهيد عابد ترك أثرًا كبيرًا في مشروع حركة الجهاد الإسلامي، ومعه بدأت المؤسسة الحقيقية لانطلاق العمل الإعلامي المميّز للحركة والذي بدأ بصحيفة الاستقلال"، مؤكدًا على أنه سيبقى علامة فارقة في مسيرة حركة الجهاد في شتى مجالات عملها وأنشطتها المختلفة.
وأضاف رفيق درب الشهيد عابد أن "صحيفة الاستقلال كانت بالنسبة للشهيد هاني مشروع حياة حيث كان يريد من خلال هذا المشروع أن يعبر عن مضمون المشروع الذي تحمله حركة الجهاد الإسلامي في المقاومة والجهاد والعمل من أجل فلسطين، كما أنها رسّخت نهج وفكرة مقاومة الاحتلال الصهيوني، لافتًا إلى أن الصحيفة ما زالت تسير على خطا الشهيد هاني عابد في مقارعة الاحتلال الصهيوني ونشرها للفكر الجهادي المؤسس لجيل الإيمان والوعي والثورة.
الاعتقال
كانت محطته الأولى في الاعتقال سنة 1991م، على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني بتهمة إيواء أحد أقربائه وحكم عليه بستة أشهر ورحل إلى معتقل النقب الصحراوي، وفي أعقاب قيام أعضاء الجناح العسكري للجهاد الإسلامي بتنفيذ عملية عسكرية شمالي قطاع غزة قتل خلالها اثنين من الجنود الصهاينة، قام الكيان الصهيوني باتهام الشهيد بالمسؤولية عن العملية والتخطيط لها وتعرض بعدها لمحنة القيد على أيدي السلطة الفلسطينية وليكون أول معتقل سياسي في سجونها.
في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1994م، يخرج شهيدنا كأجمل ما يكون الشهداء متوجهاً إلى كلية العلوم والتكنولوجيا حيث يعمل محاضراً هناك، وفي الساعة الثالثة عصراً من ذات اليوم، أدار مقود سيارته فانفجر به ليصاب إصابات خطيرة وينقل على إثرها إلى مستشفى ناصر بمدينة خانيونس ليلقى الله شهيداً مخضبًا بدمائه.
وفي أول رد فعل على جريمة الاغتيال أقدم الاستشهادي هشام حمد من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي في حي "الشيخ رضوان" بمدينة غزة على الثأر لعابد وفي الحادي عشر من نوفمبر من العام 1994، قام بتفجير الدراجة الهوائية التي كان يقودها في مجموعة من جنود الاحتلال على حاجز "نتساريم" العسكري جنوب المدينة؛ ما أسفر عن مصرع خمسة من جنود الاحتلال وإصابة 10 آخرين.
المصدر/ الاستقلال

