عملية "كوسوفيم" البطولية

الإعلام الحربي _ خاص

في مهرجان الشهادة يلتقي المجاهدون ليؤكدوا أن الشهيد لا يذهب إلى الموت، بل يذهب إلى الاشتباك المستمر، ولا ينهي الانفجارُ أو الرصاصة ُدوره في المقاومة.

فالشهداء يعيدون تشكيل الحياة بزخم أكبر وبإبداع أعظم لتبقى الشهادة هي المعادل الموضوعي للحياة، فلا حياة ولا تاريخ لنا بدون الشهداء، ولا ماض ولا مجد ولا عبرة، فهم الذين يصنعون لنا المستقبل وليس المرجفون والمعاهدون على الصمت والنكوص، وتجارة الأوطان وبيع المقدسات.

سنبحر في سيرة أسطورتين في عالم الجهاد والاستشهاد. جعلا من جسديهما قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.. فكانا رد الجهاد الإسلامي الأول والسريع على جريمة اغتيال الشهيد المؤسس د. فتحي الشقاقي في جزيرة مالطا بتاريخ 26-10-1995.

إنهما قمرا فلسطين رغم كل ما يحمله تشرين من حزن ممزوج بنصرٍ مجبول بدماء الأطهار، فأي عاشق لوهج الشهادة لم يسمع عن الزاهد العابد الصَّوام ربحي أحمد الكحلوت ابن مخيم جباليا الثورة ، ومن منّا لم يقرأ عن الشاب المهذب المتسامح محمد عبد الرحيم أبو هاشم ابن قلعة الجنوب الصامد "رفح"؟!

إليكم سنصوغ كلماتنا البالية، لعلنا نقترب منكم ونقتبس من وهج ضيائكم، ونلتمس دربكم .. نخط سيرتكم لتكون نبراساً لنا يهدينا إلى طريق العزة والكرامة والنصر بإذن الله.

الرد الجهادي الموجع
في صبيحة يوم الخميس الموافق الثاني من نوفمبر 1995م، كانت فلسطين على موعد مع الفرح للانتقام لدم الشهيد القائد فتحي الشقاقي، وكانا الشهيدان ربحي الكحلوت ومحمد أبو هاشم على موعد مع الانعتاق إلى السماء حيث جنان النعيم التي وعد الله بها عباده الصادقين والشهداء.

حيث فجر كلٌ منهما نفسه في قافلة من قوافل العدو وسط قطاع غزة في الغدة الاستيطانية المسماة "غوش قطيف".

وقد أسفرت العملية حسب بيان الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، آنذاك القوى الإسلامية المجاهدة (قسم) عن مقتل " 12" جندي صهيوني وإصابة عدد آخر بجروح مختلفة.

ربحي الكحلوت.. توّاق للشهادة
الشهيد ربحي أحمد الكحلوت
السكن: مخيم جباليا للاجئين.
البلدة الأصلية: نعليا قضاء المجدل المحتلة عام 1948م.
تاريخ الميلاد: عام 1973م.
الدراسة: كلية الشريعة وأصول الدين.
تاريخ الاستشهاد : الخميس 2/ 11/ 1995.

الشهيد ربحي الكحلوت كان من التوّاقين إلى الشهادة، وكان دائم الحديث عنها وعن الأجر الذي ينتظر الشهيد في الآخرة، حيث جنان الله الفيحاء وما فيها من نعيم مقيم، فعلى الرغم من حصوله على شهادة الثانوية العامة من الفرع العلمي بمعدل يؤهله للالتحاق بأيٍ من الكليات العلمية، إلا إنه آثر الالتحاق بكلية الشريعة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، ممتثلاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، ولكنه سرعان ما فضّل الشهادة في سبيل الله على كل نعيم دنيوي، مترجماً مقولته التي كان يرددها دوماً (وعجلت إليك ربّ لترضى) بدمائه وأشلائه لا بلسانه وأقواله.

يقول والده الحاج أحمد "أبو ربحي":" كانت حياته كلها ذكريات جميلة لن تمحوها الأيام وتقلبات السنين، كان النسيم العليل الذي يشفي الجروح بابتسامته، وكلماته النابعة من الكتاب السنَّة".

وأضاف والده :" بكل صدق كان مثالاً للعابد الزاهد في الدنيا راهبا في الليل وفارسا في النهار، كثير التجوال على المساجد لعقد الندوات وحضور مجالس التحفيظ"، مؤكداً أن نجله الشهيد كان مدرسة في بيته وحيه ومخيمه وفي حياة كل من عرفه بالجامعة أو في سجون والاحتلال.

بعد لحظة صمتٍ بدأ والد الشهيد ربحي يتحدث عن بر نجله وتأدبه وخوفه وإشفاقه عليه من العمل الشاق الذي كان يقوم به بجمع وتوزيع اسطوانات غاز الطهي، مؤكداً أن "ربحي" فضّل العمل كأجير في أحد مصانع الخياطة بـ "عشرة شواقل" ليساعده على تحمل أعباء أسرته الكبيرة التي تتكون من والدته (رحمها الله) وسبعة شقيقات، وأربعة من الأخوة.

وأشار أبو ربحي خلال حواره المقتضب إلى أحد المواقف التي لا زالت عالقة في ذهنه، قائلاً:" في أحد الليالي الرمضانية توجهت وإياه إلى المسجد الأقصى للاعتكاف به، وأثناء رحلة سفرنا شاهدنا المستوطنين وهم يتجولون في محيط بيت المقدس بكل أريحية، فيما يتعرض أصحاب الأرض والتاريخ الأصليون للتفتيش والمنع والتضييق من الجنود المدججين، فتأثر ربحي بشكل كبير".

وأعرب أبو ربحي عن استغرابه الشديد من إصرار الاحتلال الصهيوني على الاحتفاظ بجثمان نجله الطاهر في مقابر الأرقام..!!.

رحل العطاء والدم
وحول بداية انطلاقته الجهادية، قال شقيقه محمد:" نحن من أسرة لاجئة تعود جذورها إلى قرية نعليا، ونعيش الآن حياة البؤس في مخيمات اللجوء، على أمل العودة إلى ديارنا التي شردنا منها عنوة".

وتابع حديثه قائلاً:" مع بداية انطلاقة انتفاضة الحجارة المباركة، كان ربحي من أوائل الذين امتشقوا السلاح المبارك –الحجر- كما كل أبناء المخيم ليواجهوا به أسطورة الجيش الذي لا يقهر"، لافتاً إلى أن الشهيد تعرض لإصابات عدة في المواجهات التي خاضها ضد قوات الاحتلال.

وكما جرت سنة الله على نبيه يوسف عليه السلام بأن امتحنه الله بالسجن، فقد تعرض "ربحي" لهذا الابتلاء مرتين، فكان الابتلاء الأول عام 1992، حيث أمضى 16 شهراً في سجن النقب الصحراوي، بين صفوف إخوانه من أبناء حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الذين شملوه بالرعاية وأحاطوه بالعناية.. فتشرب منهم الإيمان والوعي والثورة، فخرج من السجن أكثر إيماناً بصواب خيار الجهاد الإسلامي وأشد تصميماً على المضي في نهجه والسير على طريق ذات الشوكة، وبعد شهرين من الإفراج عنه عادت قوات الاحتلال لاعتقاله في العام 1994م، ووجهت له تهمة الانضمام لجهاز القوى الإسلامية المجاهدة (قسم) الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وأخضعته للتحقيق في سجن المجدل لمدة ثلاثة وأربعين يوماً، لكنه لم يُدل بأي معلومة للمحققين، فحكموا عليه بالسجن لمدة ستة أشهر أمضاها في سجن النقب الصحراوي أيضا.

محمد أبو هاشم..عاشق الجهاد والاستشهاد

الشهيد محمد عبد الرحيم أبو هاشم.
السكن: مدينة رفح جنوب قطاع غزة.
البلدة الأصلية: قرية (يبنا) في فلسطين المحتلة عام 1948.
تاريخ الميلاد: 28/ 8/ 1977.
مكان الاستشهاد: مغتصبة " غوش قطيف" البائدة.

بدأ الشهيد محمد عبد الرحيم أبو هاشم خطواته الأولى نحو الشهادة بقيام الليل وقراءة القرآن وصيام النوافل قبل استشهاده… كان طامحاً للقاء ربه بعملية استشهادية نوعية ينتقم من خلالها لأبناء شعبه ولإخوانه في الحركة الذين اغتالهم الاحتلال الصهيوني، حيث كتب محمد في وصيته: "إنني كنت أعد نفسي للانتقام للشهيد محمود الخواجا، ولكن الله سبحانه وتعالى ادّخرني لأنتقم لسيد شهداء المقاومة الإسلامية في فلسطين الدكتور فتحي الشقاقي "رحمه الله".

شعور الأم
وتضيف والدته أم الحسن، بينما كنت وعائلتي نشاهد تفاصيل العملية عبر أحد المحطات التلفزيونية، شاهدت حذاء محمد، فانتابني شعور قوي بالقلق من أن منفذ العملية هو ابني"، مشيرةً إلى أنها وعائلتها لم يتأكدوا من صحة الخبر، إلا بعد أن أعلن ملثمان من القوى الإسلامية المجاهدة " قسم" في حفل تأبين الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي بعد العملية بيومين اسمي محمد أبو هاشم، و ربحي الكحلوت.

وتضيف الأم الصابرة :" كانت الشهادة حاضرة في وجدان محمد، كما يتمنى العدو الصهيوني الحياة، فمنذ إيمانه العميق بفكر وخيار الجهاد الإسلامي في فلسطين لم تعرف نفسه التواقة للجنة الراحة، وإنما كان همه وشغله الشاغل العمل الجهادي الذي يثخن في العدو ويشفي الله به قلوب قوم مؤمنين مظلومين".

وتتابع الأم قائلة: "كل شيء يذكرني بنجلي الشهيد محمد، فصورته لم تغب عني للحظة منذ استشهاده"، معربةً عن أملها أن تتمكن من الحصول على جثمانه الذي يأسره العدو، لتقر عينها برؤية قبره، كما كل أمهات الشهداء، مرددةً كلمات الحمد والثناء، والإيمان بقضاء الله وقدره وحتمية زوال المحتل الغاصب عن أرضنا ومقدساتنا.

كان الشهيد محمد متمثلاً الإسلام دستوراً ومنهاج حياة.. فكان نعم القدوة للشباب المسلم المجاهد في سبيل الله.. وكان أبر ما يكون بوالديه وأرفق ما يكون الرفق بالفقراء والمساكين وأشد ما تكون الشدة على المعتدين..وكان رحمة الله كثير الخطى إلى المساجد لاسيما مسجد "الهدى"القريب من منزله.. كما كان صوّاماً.. قوّاماً معطاءً.. شجاعاً.

كان للحس الإسلامي دوره في تحديد وجهة الشهيد محمد نحو حركة الجهاد الإسلامي… ومع تفتّح وعي الشهيد على أصوات الرصاص الذي كان صداه يتردد في أذنيه حيث المواجهات الدامية في مخيمه، بدأ محمد يدرك من هم أعداء شعبه… كان عمره في ذلك الحين خمسة عشر ربيعاً… كان وعيه يسبق عمره… فالتحق باللجان الشعبية للجهاد الإسلامي في العام 1992 وكان يرسم بخطه الجميل شعارات الانتفاضة المجيدة التي كانت تزداد اشتعالاً بدماء الشهداء.

وفي العام 1993 تعرض الشهيد محمد مع مجموعة من اخوانه في حركة الجهاد الإسلامي إلى الاعتقال بتهمة الانتماء للحركة، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة خمسة أشهر مضاها في معتقل أنصار على شاطئ بحر غزة، حيث رفضت إدارة السجون استقباله في معتقل النقب لصغر سنه، وكان للاعتقال دور كبير في زيادة وعيه وإدراكه الكبير على مستوى التفكير والسلوك… ومع نهاية فترة اعتقاله خرج أبو هاشم بخطوط واضحة للطريق التي اختارها وأدرك الشهيد أن الدم وحده هو قانون المرحلة… وأن دماء الشهداء تصنع أضعاف ما تصنعه الكلمات… شاهد إخوانه في حركة الجهاد ينطلقون نحو لقاء ربهم يوماً بعد يوم… شاهد إسلام حرب وأشرف حرب وشريف الشيخ خليل… وأحمد وأيمن وآخرهم صلاح شاكر منفذ عملية بيت ليد مع الشهيد أنور سكر… شاهد هؤلاء وغيرهم الكثير، فأيقن أن الشهادة دربه والجهاد سبيله.

disqus comments here