الإعلام الحربي _ غزة
بالزغاريد والتبريكات والورود استقبلت مدينة الخليل جثامين خمسة من أبنائها، بعد أن احتجزها الاحتلال ما يزيد عن عشرة أيام، وكأنهم يقيمون عرسا فلسطينيا, وليس تشييع جثمان شهداء فارقوهم إلى الأبد ووضعوا في قلوبهم غصة.
مدينة الخليل التي استقبلت يوم السبت الماضي الجثامين الخمسة، بعد إعدامهم برصاص جنود الاحتلال والمستوطنين بدم بارد، علت في سمائها زغاريد أمهات الشهداء وذويهم فرحاً بشهادتهم، فأبكين من سمعهن وبقين هن الصابرات المبتسمات المؤمنات بقضاء الله وقدره.
خمسة جثامين حمل كل واحد منها حكاية تروي فصول قصص وشهادات عن غطرسة احتلال يمعن في شعب أعزل، فوالد الشهيدة بيان عسيلة وهو أيمن عسيلة ( 44 عاما) من سكان منطقة الغروس في مدينة الخليل، أوضح أن استشهاد ابنته بيان التي لا تتجاوز 16 ربيعا كان جللاً بالنسبة لهم, وأثر على الناس بالمدينة بشكل عام وليس على ذويها فقط، فقاموا باستقبال الجثمان بالزغاريد ورش الورود عليه ليوصلوا رسالة للاحتلال بأننا شعب أصحاب حق لابد يوماً أن يعود إلى أهله.
صلابة الموقف
وقـال عسيلة: "ما دفعنا ودفع الناس لفعل ذلك أيضا صلابة موقفنا نحن كأهالي الشهداء, لكوننا نؤمن أن الشهيد حي لا يموت لما جاء في قوله تعالى: " بل أحياء عند ربهم يرزقون", فهذا ما أثلج صدورنا ونحن نعلم أنهم في جنات عليين وسيشفعون لنا يوم القيامة".
وأضاف "من أصعب اللحظات التي مرت في حياتي عند دخولي لسيارة الإسعاف, قمت بإغلاق نوافذها ورفعت الغطاء عن وجه ابنتي الشهيدة فشاهدت الأنوار البهية التي كانت تخرج من وجهها فانتابني حينها شعور غريب لم استطع وصفه, فسجدت شكرا لله ودعوت لها ولكافة شهدائنا الأبرار".
عروس الحرم
وعلى الجانب الآخر لا يمكن أن تغيب صورة الوالد المكلوم الذي ذاق مرارة السجون فترة ما وابتعد فيها عن عائلته, ينظر إلى وجه ابنته الشهيدة دانية ارشيد يغطيها الكفن وعليه ورود ومصحف, فقام بمعانقة جثمانها وبلله بالدموع وبعبارات خرجت رغما عنه في موقف مهيب, فكانت الغصة لديه غصتين الأولى استشهاد أبنته والثانية احتجاز جثمانها حسب ما تحدث.
ولفت والد الشهيدة، جهاد أرشيد أنه بالرغم من هذه الغصات التي كانت في قلبه إلا أن استقبلها بفرحة, لكونه أطلق عليها لقب " عروس الحرم " بعدما سال دمها الطاهر على درج الحرم الإبراهيمي, فبالفعل كان اللقب يليق بها بعدما قام والد الشهيد رائد جرادات بطلب يدها لابنه الشهيد, وكانت زفتهما على غير العادة .
واعتبر أرشيد أن هذه الزغاريد وهذا العرس الفلسطيني لهؤلاء الشهداء يثبت للاحتلال مدى صمودنا وصبرنا, ويبين له شدة إيماننا العميق بالله تعالى, وأنه مهما حصل لن نركع, وسنواصل مسيرة الأفراح ولن نبكي عليهم, لأنهم في جنان الخلد عند رحمن رحيم, وسنرش الورد على قبورهم وعلى قبور كافة شهدائنا الأبرار .
ولم يكن حال والد الشهيد رائد جرادات أفضل من سابقيه, والذي استقبل جثمان ابنه وهو شامخ وابتسامته الممزوجة بدموعه وحزنه كانت واضحة على وجنتيه, فلم يعلم أنه سيكون في موقف صلب كهذا, موقف سيودع فيه نجله.
وبين جرادات، أنه ابنه "عريس فلسطين " وهو فخور به للأبد, وما فعلوه عند تشييع جثامينهم من زغاريد نساء المنطقة ورش الورود والفل عليهم لا يوفي حقهم, فقد بينوا مدى صبرهم وصمودهم أمام هذا الاحتلال الغاشم بالرغم من أنه حرمه من رؤية فلذة كبده إلى الأبد .
جائز شرعا
الداعية الإسلامي عبد الفتاح غانم رئيس لجنة الإفتاء بجامعة الأقصى، أكد أن ما فعله ذوي الشهداء باستقبال أبنائهم وتشييع جثامينهم بالزغاريد ورش الورود عليهم جائز شرعا, ويدلل على قوة إيمانهم, لأن الموت سماه الله تعال مصيبة وله تأثير كبير, فعندما يقابلونه بالفرحة فهذا يظهر مدى صبرهم على عكس ما كان يفعل الناس قديما فكانوا يستقبلون الشهيد بالبكاء والنواح .
وذكر غانم أن الشهادة لا ينالها أي إنسان, ونحن كمسلمين لا نهاب الموت ونشعر بالعزة والفخر من هؤلاء الشهداء, فبالرغم من وجود بعض الآلام على فراقهم إلا أننا نفرح لكونهم ضحوا في سبيل الله, ولأنهم سيكونوا في مكانة عظيمة عند الله في الجنة, ويكفيهم فخرا أن من أسماء الله تعالى الشهيد " .
ووجه غانم رسالة فخر وعز لذوي هؤلاء الشهداء يحييهم فيها على صبرهم وقوة إيمانهم, بالرغم من فقدانهم لأعز ما يملكون, فهذا ما عهدناه من أبناء شعبنا الفلسطيني, لا ينصاع للاحتلال الغاشم, ويدافع عن أرضه ووطنه ومقدساته الإسلامية, والأهم أنه يطبق شرع الله تعالى .
المصدر/ الاستقلال

