بقلم د. وليد القططي.. أكاديمي وكاتب فلسطيني
ذكرت صحيفة معاريف الصهيونية في إحدى تقاريرها أنه بعد انتهاء الحرب على غزة 2014 انتحر ثلاثة جنود من لواء جفعاتي الذي شارك في الحرب على غزة، وذلك بعد عدة أسابيع من انتهاء الحرب. وفي الحقيقة هذه الحالات هي جزء من ظاهرة موجودة في الجيش الصهيوني ربما منذ نشأته ولكنها زادت في العشر سنين الأخيرة، حيث ينتحر سنوياً ثلاثين جندياً صهيونياً في المتوسط، وهي من الظواهر التي يحاول الجيش الصهيوني التكتم عليها وعدم الإعلان عن الأرقام الحقيقية لحالات الانتحار، وهذا الرقم لا يشمل محاولات الانتحار الفاشلة التي تصل إلى أضعاف هذا الرقم، وعلى سبيل المثال نذكر بعض التقارير أن 188 جندياً صهيونياً قد حاولوا الانتحار عام 2009 فقط نقلاً عن الصحافة العبرية .
ولقد ضاعفت قيادة الجيش الصهيوني محاولاتها لفهم واستيعاب هذه الظاهرة لخفض الجنود المنتحرين أو الذين يحاولون الانتحار، ولقد زادت عدد المرشدين والأخصائيين والأطباء النفسيين في صفوف الجيش الصهيوني، وأصدرت أوامر للقادة العسكريين الصهاينة للتقّرب من الجنود لمعرفة الجنود الذين يعانون اضطرابات نفسية وتحويلهم إلى الخدمات النفسية في الجيش قبل استفحال أزماتهم النفسية. كما أنها منعت الجنود الذين يعانون من اضطرابات نفسية من أخذ سلاحهم الشخصي إلى بيوتهم خوفاً من استخدامه في عملية الانتحار، إذ أن الانتحار بإطلاق النار من السلاح الشخصي يحتل المرتبة الأولى في طريقة الانتحار تليها الانتحار شنقاً ثم إلقاء النفس من مكان مرتفع .
وعند دراسة السبب في عمليات الانتحار داخل الجيش الصهيوني يقول أحد الكتاب الصهاينة في صحيفة يديعوت احرنوت " إن انتحار الجنود هو نتيجة محنة حقيقية يمرون بها، وأنه يوحي بالأزمة النفسية العميقة التي خلفتها داخلهم حكومتهم، وأنظمتهم العسكرية حيث تنتهج سياسة وحشية ضد الفلسطينيين " والسبب الذي يتحدث عنه الكاتب الصهيوني يشير إلى التناقض بين المفاهيم النظرية التي يتلقاها الجندي الصهيوني حول احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والقيم الليبرالية الغربية وما يمارسه فعلياً على الأرض من ممارسات تناقض ذلك من قتل وقمع وانتهاك لحقوق الإنسان وكرامته، فتصبح الفجوة بين صورة الجيش الأخلاقي التي تعلمها والحقيقة الصادمة على الأرض كبيرة بحيث لا يستطيع استيعابها فينتحر.
ومن الأسباب الأخرى للانتحار هو أن الجندي الصهيوني كبقية اليهود يحب الحياة ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) ويكره الموت ويحرص على متاع الحياة الدنيا، بينما الوضع في الجيش بخلاف ذلك فهو معرّض للموت ومضطراً أن يعيش أوضاعاً قاسية في الجيش سواء في التدريب أو العملة الميداني العسكري فلا يستطيع احتمال ذلك مما يصيبه بحالة من الصدمة والاكتئاب قد تؤدي ببعض الجنود إلى وضع حد لحياتهم للتخلص من هذه الحالة المؤلمة من الصراع والإحباط .
ومن الأسباب الأخرى للانتحار بين صفوف الجنود الصهاينة هو عدم القدرة على التأقلم والتكيف داخل صفوف الجيش خاصة للمهاجرين الجدد الذين يضطروا أن يعيشوا في بيئة تختلف تماماً عن بيئتهم الأصلية، وقد يلجأ إلى تعاطي المخدرات وشرب الكحول حتى يصل إلى حالة من الإدمان التي تؤدي إلى تدهور صحته العضوية والنفسية، فتزداد الضغوط النفسية عليه، ويعاني من الانعزال واليأس والاكتئاب التي قد تؤدي إلى الانتحار .
وفي الختام إذا كان الجنود الصهاينة ينتحروا فراراً من الحرب وأهوالها، فإن جنود الإسلام يستشهدون حباً في لقاء الله – تعالى- ودفاعاً عن الوطن , وشتان بين هؤلاء وهؤلاء .

