باحث لـ"الإعلام الحربي": إرادة الشعوب لا تغلب ولا تسلب ولا يمكن حبسها طويلاً

الثلاثاء 08 ديسمبر 2015

الإعلام الحربي _ خاص

من جديد، يتصدر اسم الانتفاضة الفلسطينية عناوين الصحف والمجلات، وتترأس تفاصيلها مطالع الأخبار والبرامج.. ويتمكن المشهد الفلسطيني اليوم من صنع الحضور رغم الانشغال العربي والدولي بقضاياهم التي سرقت الأضواء عن القضية المركزية والأساس، قضية العرب والمسلمين "قضية القدس وفلسطين".

بهذا الإطار وتفنيداً لمشهد الانتفاضة آثرنا بالإعلام الحربي على تفصيل المشهد الفلسطيني، وتسليط الضوء على الانتفاضات الفلسطينية الثلاث انتفاضة (الحجارة-الأقصى-القدس) كي يتسنى للمتابعين والقراء الإلمام بتلك الحقب التاريخية الهامة التي مرت بالقضية الفلسطينية وكيف أثرت وتأثرت بالواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه أبناء الشعب الفلسطيني.

وفي تتبع دقيق ورصد للواقع الذي اكتنف الانتفاضات الثلاث والأسباب التي مهدت الطريق لانطلاقتها أجرى الإعلام الحربي لقاء مطولاً مع الكاتب والباحث الفلسطيني " محمد زين " وأحد الرموز المعاصرين لانتفاضات الشعب الفلسطيني الذي أكد في معرض حديثه بأن إرادة الشعوب لا تغلب ولا تسلب ولا يمكن حبسها طويلاً.

وتابع " الثورة الفلسطينية المديدة في عمرها، والمجيدة في عطاءها، والعظيمة في غاياتها، مرت عبر عقود من الزمن بجولات مختلفة في نمطها، وموحدة في عللها، وغاياتها ، فالهبات والانتفاضات الشعبية المتتابعة كانت كتعبير صادق عن ضمير الشعب الوطني الحر والمبدع، وكانت بمثابة إجابة وافية وواعية لما يطرح عليه من تخلقات وأفانين تنتجها عقول متآمرة مجرمة، ومتخاذلة متساقطة.. تلك الإرادة التي لا يمكن أن تجرها عربة المصالح الحزبية المجتزأة، ولا أن تدفعها مقطورة المنافع الآفلة".

وأضاف قائلاً :" إذا تتبعنا مجموع انتفاضات شعبنا؛ فسيظهر لنا بأن الإرهاصات التي سبقت كل منها متماثلة إن لم تكن متطابقة، وأن نمطها ومسارها كان موائماً مع المراحل التي تمر فيها، و كأن العقل الجمعي الشعبي خرج بمقررات حكيمة وواعية مبنية على دراسة مستفيضة خلص إلى اختيار الوقت والطريقة المناسبين؛ ليبدأ جولاته النضالية مع عدوه، وكأنه قد جهز لها جيشاً نظامياً تم تدريبه وإعداده مسبقاً ليقوم بواجبه، ويخوض غمار المعارك التي ستشكل بمجموعها فعلاً سيتجاوز في أثره وحجمه حدود المتوقع، وسيترتب هذا الفعل في سمفونية معجزة في ترابطها، وعظيمة في ما تهبه من إحساس لمن يسمعها".

وبين الأستاذ " محمد زين " بأننا كفلسطينيين إذا أردنا أن نتحسس بأيدينا معالم هذا الإبداع الإنساني، و نرى بأعيننا ملامحه الخلابة، فإن ذلك يتطلب منا تعميق النظر في كل ما أحاط الانتفاضات من ظروف مباشرة وغير مباشرة كانت السبب وراء ولادة هذا الفعل الشعبي واستمراره، وأن نعاين النمط الثوري الذي اختاره المجموع الفلسطيني في مجابهة عدوه ، وأن نحدد المؤثرات التي كانت عبارة عن نقاط مشتركة وموحدة بين مجموع الانتفاضات الشعبية من حيث الأسباب والأنماط والغايات أهمها:

١- انسداد الأفق السياسي بسبب العنجهية الصهيونية، ومحدودية العقل السياسي الفلسطيني في إدارة قضاياه.

٢- غياب الدور الريادي للنخب و أصحاب الرأي.

٣- ضراوة الهجمة بسبب التعديات على المقدسات، واشتداد حدة الصراع بسبب المخططات الاستيطانية والممارسات الإجرامية بحق شعبنا.

٤- الإدراك الواعي للواقع، والإيمان العميق بالواجب، وخاصة من شريحة الشباب التي تعتبر هي وقود كل الثورات وزادها الذي يهبها الاستمرار والبقاء والديمومة .

٥- سقوط النماذج التقليدية واستبدالها بالنماذج الخلاقة في رؤيتها وفعلها وصلابتها وبذلها وتضحياتها.

واستطرد المزين في حديثه قائلاً: "بأن الانتفاضات الفلسطينية التي سبقت الوجود الصهيوني ككيان مسيطر ومحال، كثورة 1936م، أو تلك الانتفاضات الشعبية وخاصة انتفاضة الحجارة 1987م وانتفاضة الأقصى 2000م، وانتفاضة القدس2015م، أكثر ما هو واضح في زمن انبعاثها كان وصول الجماهير لإدراك واعي ويقين راسخ بأن العناوين السياسية التي يقدمها الوجود العربي الرسمي، أو الوجود الفلسطيني التمثيلي ليس إلا حلقة أخرى في مسلسل التآمر، والمخططات التي لا تضع أمامها هدفاً سوى طمس الحق الفلسطيني، وشطب القضية وتغييبها ونزعها من موقع الأولوية العالمية، الذي يفضح ويُعري سوءة النظام العالمي المهيمن وتتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأم لكل جريمة بحق شعوب العالم".

وأكمل قائلاً: " الجماهير عندما تنفض أيديها من كل ما هو مطروح و تصل حد الاختناق من كآبة المشهد السياسي، فإنها تدفع بذخائرها، ومقدراتها لميدان الرفض لتعلن سيادتها التي يراد تجاوزها والقفز عليها من قِبل الكيانات البغيضة، التي لا ترى أمامها إلا مصالحها، موضحاً بأن الانتفاضة الأولى كانت الحالة الفلسطينية الرسمية من جهة تعاني من العجز، وعدم القدرة على تقديم برنامج وطني يعيد للقضية أصالتها وموقعها الريادي، وكان الصهاينة في أعلى هرمهم الوجودي من خلال فرض معادلاتهم، وتمدد استيطانهم، واستئسادهم على محيطهم، فجاءت الانتفاضة وتقدم شعبها في ميدان الفعل، وأشعل النار في وجه العدو الصهيوني، معلناً بذلك أن كل الأراجيف والمشاريع التي كانت رائحتها تزكم الأنوف لن تكون خاتمة الرواية الفلسطينية، وأن وجودها لن يعدوا عن كونه صفحة أخرى يستطيع المجموع الفلسطيني أن يمزقها بفعله الحر والثوري".

وعند سؤال الإعلام الحربي الأستاذ "محمد زين" عن دور الفئة النخبوية في شحن الأجواء ودفع الجماهير لتصعيد الحالة الثورية؟ أجاب.. "الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) غيب فيها الدور السياسي الرسمي، والذي كان مكبلاً بأصفاد الواقع المتردي، بيد أنها أفرزت أنموذجاً فريداً من القادة والرياديين، دشنه شهداء معركة الشجاعية البطولية في ملحمة تشرين الشهادة، التي أعادت للمجموع الفلسطيني روحه السليبة في المنافي والشتات، وأحالت المناضل إلى موظف يتقاضى راتبه من ريع البترول الخليجي".

وأشار إلى نمط الفعل الشعبي البسيط الذي انطلق بتجرد كامل نحو هدفه، حيث كان بمثابة الاستفتاء على أن الشعب هو من يخوض المعركة، وأن على التشكيلات المنظمة الطامحة البقاء في مربع التأثير واللحاق به.. وفي المقابل كان العدو الصهيوني يمارس أعتى أشكال التعدي من خلال الانتهاكات التفصيلية للحياة الفلسطينية، والتي توجها بعدة مجازر أدمت قلوب الفلسطينيين، كان أبرزها قتل مجموعة من العمال الفلسطينيين في إحدى نقاط التجمع داخل الكيان الصهيوني، وغيرها من المجازر والتعديات الخطيرة، الأمر الذي أسهم في إنضاج الوعي الفلسطيني وتصعيده، وإكسابه حصانة تقيه من كل عمليات الاستهداف والاغتيال للشعور الوطني، الذي اخترقها العدو من خلال إيجاد شريحة تعتمد في حياتها، وأرزاقها على الكيان الصهيوني، حيث فوجئ الجميع أن هذه الشريحة ذاتها كان لها الدور الفاعل والكبير في تأجيج الانتفاضة، وأن أبناؤهم الذين كانوا في سن الفتوة أضحوا وقود الانتفاضة وحاملين لوائها المظفر، لولا حلقات المؤامرة التي تواصلت لسلب الفعل الشعبي ديمومته وتأثيره عبر الحلول السلمية والمهادنات والاتفاقيات المذلة.. فكانت " أوسلو " التي أجهضت الانتفاضة الأولى وقضت على خلاياها المقاومة، هي ذاتها علة لانبعاث موجة جديدة وهدارة من الفعل الشعبي المقاوم، متناسبة في نمطها مع حجم الكارثة التي حلت بشعبنا نتيجة ورقة المبادئ المسماة بـ "أوسلو".

ولفت الباحث "محمد زين" أن الانتفاضة الثانية كانت استجابة شعبية وفصائلية لحالة شعورية التحق بها الكل الفلسطيني، حتى تلك القوى التي وقع قادتها على أوراق مزورة للتخلي عن أجزاء من الحق الفلسطيني، موضحاً بأن " أوسلو " ليست محطة في تاريخ النضال الفلسطيني لكونها إنتاج تسويقي للعدو الصهيوني منتهي الصلاحية، ولا يرقى لأن يكون تتويجاً لكل النضالات والتضحيات المبذولة على مر سنوات الصراع، فكانت الانتفاضة بمثابة استفتاءً شعبياً وإعلاناً لورقة مبادئ وطنية مقابل ورقة المبادئ الانهزامية التي وقعت في " أوسلو"، حيث كان الفعل الوطني، وحجمه وتطوره دليلاً على أن القرار الشعبي لا تقف في وجهه إرادات منسلخة عن أصالة قضيتها، فالانتفاضة الثانية التي تطابقت في مسبباتها مع الانتفاضة الأولى، وتماثلت في إرهاصاتها، وتمايزت في نمطها المسلح المتطور، وتعددت في ميادينها ،كانت شريحة الفتوة والشباب الغير المؤطرين هم من أشعلوا نارها الضارمة المتوهجة، وكانت إعادة لإنتاج نفس مدخلات الانتفاضة الأولى ولكن بأنماط مختلفة متناسبة مع ما وصلت إليه القضية الفلسطينية، وصنّاعها من تطور على الصعيد العملي، ومن جهوزية نفسية ساهمت في تصعيد الصراع لطور جديد، قوامه الكفاح المسلح بعد أن كان الفعل الشعبي هو الحاضر الأبرز في ميدان المواجهة.

وألمح بأن انتفاضة الأقصى التي انطلقت بعد أن أقدم الإرهابي " شارون " على تدشين مرحلة جديدة من التعديات على الأقصى والمقدسات، جاءت في سياق التأكيد على جهوزية الجماهير دوماً للقيام بواجبهم نحو مقدساتهم بغض النظر عن أي ظروف سياسية تم حشرهم بين زواريبها أو أيّة أوضاع اقتصادية تم صياغتها لتكون في خدمة الاحتلال واستمراره، مشيراً بأن شريحة العمال الفلسطينيين في الكيان الصهيوني التي كانت تعمل بمختلف القطاعات قد تم ضربها أثناء الانتفاضة الأولى من خلال تخفيض أعداد العمال الذين لم يكن لهم أي خيار معيشي سوى سوق العمل داخل الكيان، وقد أعاد الصهيوني استغلال الوضع الاقتصادي المتردي الذي لم تسعفه إصلاحات السلطة بعد مجيئها إلا في نطاق محدود، وقام بتوجيه ضربة أخرى قاصمة من خلال قطع أرزاق عشرات آلاف العمال الذين يعيلون أسراً كبيرة، واستبدالهم بعمال من جنسيات أخرى، وخصوصاً بعد العمليات التفجيرية الكبرى التي سبقت الانتفاضة، ودخول العمل المقاوم مرحلة هدم البناء الأمني الذي كان تتويج لإتفاق التسوية، والذي تكاثفت قوى كثيرة فلسطينية منها وعربية لمنحه مجاناً للصهاينة.

وأكمل بالقول "حتى الفصيل المركزي في عملية التسوية، تميز بحضوره اللافت في مشاركته نظرائه من فصائل المقاومة ساحات المواجهة، وكان هذا بمثابة إعلان موت لهذا الاتفاق وقبره عملياً، وإن لم يكن ذلك رسمياً، ما حدا بقيادة العدو الزعم بعدم وجود شريك فلسطيني في ما أسموه "عملية السلام "، ومن ثم ذهبوا لأبعد من ذلك، وهو حصار الشهيد " ياسر عرفات " وقتله لرفضه مخرجات مشئومة تمالأ عليها شياطين الأرض، وأرادوا من خلالها إدخال القضية الوطنية في محرقة التنازل والتفريط التي لم ولن يوقفها عهد ولا حبر ولا أوراق كتبت في محفل أقامه هذا الكيان ودعى إليه شهود الزور ليشهدوا ذبح شعب بتاريخه وحاضره ومستقبله تحت عباءة السلام المزعوم، فكانت "أوسلو" إيذان بانتهاء فصل وبداية فصل جديد لخلق مناخ موائم لما كان يُعد له من تغيير الخارطة السياسية، ليس على مستوى فلسطين بل على امتداد المنطقة، وعندما أحبطت المحاولة الآثمة وأجهضت بفعل الرفض الشعبي الحاضر، والرفض الرسمي الذي لن يستطيع تسويق هذا الحل ولن يفلح في إقناع المجموع بصلاحيته فضلاً عن إقناع نفسه، ولكن أمام ضربات المقاومة وحربها المستمرة في غزة على وجه الخصوص اضطر العدو لتسجيل هزيمة جديدة بحق نفسه هروباً من جحيم ذكّره بما قاساه في الجنوب اللبناني، ودفعه للانسحاب من طرف واحد، في خطوة أعادت للشعب الفلسطيني ومقاومته ثقتهم بأنفسهم، لكن سرعان ما تبدل الحال وأسدل الفرح ستاره وتحول الانتصار الذي جنيناه إلى انقساماً مزمناً كئيباً كابوسياً مازال المجموع الفلسطيني يرزح تحت ويلاته التي لا تنقطع.

وأفصح بأن الشعب الفلسطيني بمجمله استفاق بعد فترة من الزمن على ما نحيا فصوله اليوم، من فعل مقاوم عظيم يتقدم فيه البسطاء والأحرار؛ ليعيدوا للوطن بهاءه و جماله، ويمسحوا عنه عار من لحق به من تعثر وسقط، مبينناً بأن "انتفاضة القدس" صوت الحق الهدار الذي أخمد كل أصوات النشاز، وأزاح عن كاهل فلسطين ثقل المسالمين والانهزاميين.

وأختتم الكاتب " محمد زين " حديثه لـ"الإعلام الحربي" بالقول: " انتفاضة القدس فاجأت الكيان الصهيوني وأفقدته أوراق القوة التي كان يتوهم بامتلاكها، حيث كانت كالصاعقة التي أطاحت بحلمه في الأمن والاستقرار الذي ظن في لحظة من اللحظات بأنه اقترب كثيراً من تتميم جريمته بقبول صاحب الحق أن يحيا تحت قدميه، دون أن ينازعه أو يرمي بنظره أبعد من يومه وأن يستسيغ السيادة الصهيونية كواقع لا يقبل المناقشة، موضحاً بأن انتفاضة القدس الإلهية التي دفعت بجيل لم يعش أو يعرف معنى البذل والتضحية، كان أكثر الأجيال قوة وصلابة وفدائية وثبات، وككل الانتفاضات السابقة تترنح العقول المهادنة أمام الصور العظيمة، التي قدمها الشباب الفلسطيني الحر، والذي أظهر وعياً مبهراً وإرادة قهرت وداست كل المخططات التي استهدفت قضيتنا من خلال إدخال المنطقة ككل في أتون لهيب مستعر للقضاء على كل القوى والأحزاب التي مازالت تشير بوصلتها إلى القدس".