سمير القنطار.. مقاوماً.. أسيراً.. محرراً.. شهيداً على أعتاب فلسطين

الثلاثاء 22 ديسمبر 2015

الإعلام الحربي _ خـاص

بين سراديب القدر اختار البطل " القنطار" أن يقضي حياته بطلاً ثائراً.. ثلاثون عاماً قضاها وراء قضبان الظلم والجور والعذاب والتهمة " فلسطيــــن".. عاش "سمير القنطار" حياته يحلم بحلم الصغار ويستشعر ألم الجيل الذي أرقه قبح السياسة والسياسيين.. ظل قلبه معلق بالعودة إلى فلسطين، هو عاد ولكن عاد شهيداً على أعتاب بيت المقدس.

إنه "القنطار" العاشق، والشاب الثائر والابن البار الوفي، رفض عرضاً بالاعتذار لـ "إسرائيل" ويخلى سبيله فرفض، أصرّ على أن يحصن قلاع رجولته فأفلح، ظنّ سجانه بأن جسد " القنطار" قد تهالك، ولم يكن يعلم أن عبق الحرية أعاد لروحه الحياة وأضحى مبارزاً صلباَ مستلاً لسيفه في وجه صهيون.

استشهد " القنطار " لكن هل أقفل الحساب؟!

وفي رحاب الدم سلط "الإعلام الحربي" الضوء في هذا التقرير على حياة شهيد فلسطين الشهيد القائد" سمير القنطار"، حيث التقى عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي الشيخ نافذ عزام معقباً على جريمة اغتيال القيادي في حزب الله الشهيد القائد "سمير القنطار" قائلاً : " إن جريمة اغتيال القائد سمير القنطار هي استمرار لسياسة صهيونية ممنهجة تجاه كل من يقف في وجهها أو يفكر في استعادة حقوقه ومقدساته، وقد مارست "إسرائيل" هذه السياسة طوال العقود الماضية، واستطاعت تصفية كبار قادة المقاومة في فلسطين ولبنان، مستفيدة من أجواء المنطقة ومستندة إلى الدعم الأمريكي الواضح لكل ما تقوم به من ممارسات".

ولفت إلى أن غياب الموقفين العربي الحازم والدولي الرادع شجّع " إسرائيل " على المضي في سياسة القتل والتدمير، مبيناً بأن جريمة اغتيال القائد "القنطار" كانت فرصة سانحة لـ "إسرائيل" مستغلة لحالة الفوضى الحاصلة في الاقليم والانقسام الواضح حول ما يجري لتنفيذ الاغتيال وتسوية الحساب، كما يدور في بعض وسائل الإعلام "الإسرائيلية " مع مناضل وقائد كبير.

وتوجه الشيخ " عزام " بالتحية لروح الشهيد القائد "سمير القنطار" الذي امضي سنوات عمره من اجل هذه القضية المقدسة قضية كل الأمة .. ثلاثون عاما أمضاها القنطار في الزنازين ولم يضعف ولم يستسلم ولم ينكسر وواصل الطريق حتى نال الشهادة التي سعى إليها منذ الصغر.
بدوره أوضح الأسير المحرر الأستاذ جبر وشاح صديق الشهيد " سمير القنطار" ورفيق دربه لفترة كبيرة داخل السجون بأن بداية معرفته بالشهيد "القنطار" في عام 1986م كانت بسجن " نفحة" بعد أن تم نقله من سجن عسقلان مباشرة، حيث تم تقديم " سمير" حينها على أساس أنه مناضل عربي من أسرى الدوريات اللبنانية، الأمر الذي حدا بـ "وشاح" لأن يتقرب منه ويحادثه لاسيما بعد معرفته بأنه منفذ عملية " نهاريا" البطولية والتي نفذت بتاريخ 22/4/1979م.

وتابع " توطدت علاقتي بـ " سمير القنطار" بعد تبني والدتي له، فكنا نعمل سوياً في اللجان الوطنية بقيادة الحركة الأسيرة للإضرابات، وكان "سمير" بمثابة الشخص الجامع الذي لا يختلف عليه الكل الفلسطيني بشقيه الوطني والإسلامي، حيث تم تقديمه وانتخابه ليمثل شريحة الأسرى أمام مصلحة السجون في التفاوض مع قيادة الإضرابات ، نتيجة الثقة والكفاءة التي كان يتمتع بها سمير رغم صغر سنه".

وبين " وشاح" أن الشهيد " القنطار" كان قريباً جداً إليه لاسيما أثناء فترة عملهم المشترك في اللجان والحوار والتفاوض، وقويت العلاقة بينهم حين تم عزلهم في قسم 8 بـ سجن السبع، والذي أمضيا فيه فترة ثلاث سنوات داخل زنزانة واحدة، الأمر الذي جعل كل منهم يكتشف الآخر وينسج علاقة وطيدة مع الآخر.. وهذا ما عززته الحاجة " أم جبر وشاح" التي كانت تعمل كحلقة وصل بين "القنطار" وأسرته في لبنان عبر الرسائل ونقل المعلومات الأسرية بينهم.

وقال " في العام 1999م صدر قرار صهيوني يقضي بإطلاق سراحي، وكان "سمير القنطار" يشعر بنوع من الغصة والألم لأنه تم استثنائه من كافة عمليات التبادل التي تمت طوال فترة اعتقاله، لكن تفاؤله وصلابته وإصراره على المضي في مقارعة العدو والسجان كان يشكل عنصر داعم لصموده داخل السجن، وأذكر بأنه قبيل إطلاق سراحي بيوم أصررت على أن أودعه في الزنزانة رقم 5 قسم 3 في سجن نفحة لكني لم استطع الحديث معه نتيجة منعي من قبل إدارة السجون، ولكن في محصلة الأمر كان دائماً ما يدعمنا ويزرع الأمل فينا قائلاً لنا " كما تحررتم سأتحرر وسألتحق بك قريباً إن شاء الله تعالى".

وأشار " وشاح" إلى أن العلاقة بينه وبين " القنطار" استمرت إلى أن أطلق سراحه ضمن صفقة التبادل التي أجراها حزب الله في العام 2008م برعاية ألمانية، حيث أعتزم المحرر " وشاح" الذهاب إلى لبنان هو ووالدته بنية حضور فرح الشهيد " سمير القنطار"، لكن نتيجة حالة الإغلاق والتضييق المفروضة على قطاع غزة لم يتمكنا من الوصول وحضور المناسبة، وبعد فترة ليست بالكبيرة تمكنا من الالتقاء به وبأسرته وبكافة الأسرى العرب المتواجدين في لبنان التي كانت تتبناهم الحاجة "أم جبر وشاح" أثناء فترات اعتقالهم، موضحاً بأن علاقته مع " سمير" مثلت تاريخ طويل من الصداقة والأخوة استمرت قرابة الـ 15 عاماً ،علاقة تخطت حدود العادة وجمعت بين " سمير" مع والدته علاقة أمومة بالتبني، جعلت منه فرداً من أفراد الأسرة بعد أن أثبت نفسه فلسطينيته بجدارة واقتدار وعلى هذا الأساس كان لزاماً علينا كفلسطينيين أن نقدم لهذا الإنسان لمسة حب ووفاء باسم الشعب الفلسطيني في يوم استشهاده، رغم إيماننا بأن اغتياله وغيابه جسداً لن يفنيه، ولن يلغي فكرته التي زرعها في نفوس الفلسطينيين واللبنانيين والعرب قاطبة.

واستطرد بالحديث أكثر عن حياة الشهيد القائد " سمير القنطار" قائلاً: " تفتحت عيون الشهيد "سمير" على القضية الفلسطينية بشكل مبكر، وعلى الرغم من نصائح والده -رحمه الله- له بأن يهتم بدراسته ومستقبله، إلا أن انجذابه للقضية الفلسطينية والمقاومة بشكل عام كان أقوى وأكبر، فحاول عدة مرات الدخول إلى الأراضي الفلسطينية عبر الحدود للقيام بعمليات مسلحة ضد الصهاينة، لكنه لم يكن يوفق في محاولاته الدؤوبة والمستمرة، والتي تكللت بالنجاح في المرة الأخيرة عندما قام بالعملية البحرية بمدينة نهاريا بتاريخ 22/4/1979م، مبيناً أنه لم يلمس طوال فترة معرفته بالشهيد "القنطار" إلا التزامه بالقضية الفلسطينية وإيمانه الراسخ بتحرير فلسطين، وهذه كلمة حق يجب أن تقال.

وأكمل: " التزام الشهيد "سمير" بقضية فلسطين كان التزام عميق، فـكان دائماً ما يقول بأن القضية الفلسطينية ستكون بوابة تحرير الوطن العربي بأكمله وتحقيق الوحدة العربية.. وربما الرمزية التي حملتها عملية نهاريا والتي أطلق عليها اسم "جمال عبد الناصر" كانت تحمل الكثير من الدلالات على عمق الانتماء القومي العربي لدى الشهيد "سمير" وكان دائماً ما يترجم ذلك عملاً لا قولاً.. ويأتي استشهاده على سياج فلسطين على أرض سوريا ليس كما تدعي "إسرائيل" بأنه إقفال لحساب سابق مع الشهيد "سمير القنطار" على العكس تماماً بل هو إدراك لخطورة ما يقوم به الشهيد "القنطار" من إعداد سواء في الجولان أو فلسطين من قادم الأيام، ومن هنا كان تكالب قوى الأمن والمخابرات والجيش في "إسرائيل" ووضعه على قوائم الاستهداف بصورة جادة؛ هو لإدراكهم الحقيقي بأن ما يقوم به الشهيد "سمير" ويطمح إليه يشكل خطراً حقيقياً على الكيان الصهيوني وأمن مواطنيه .

واختتم المحرر" وشاح " حديثه للإعلام الحربي بأن التفاؤل المتأصل في شخص الشهيد " سمير القنطار" هو أحد السمات التي اتسم بها، وعززت بداخله حالة الصمود والثبات طوال فترات اعتقاله، مشيراً إلى أنه لولا الثقة الكبيرة التي كانت بداخله بيوم التحرر والإفراج عنه لما أكمل دراسته الجامعية وحصل على درجة البكالوريوس، ولا عزم على نيل درجة الماجستير التي رفضتها إدارة السجون لمنحه إياها.. لولا الأمل والاطمئنان بأنه سيتحرر في كل يوم، لما كانت هذه المسيرة الطويلة من العطاء والتفاؤل والأمل.. كان مقتنع أشد الاقتناع بأنه في كل يوم جديد ممكن أن يحمل له بشرى بالتحرر والإفراج، حتى تحقق الحلم وأطلق سراحه وعاد إلى أهله ومحبيه وغادرهم شهيداً.

وفي سياق متصل سردت الحاجة " أم جبر وشاح" والدة الشهيد القائد " سمير القنطار" بالتبني قصتها الطويلة مع ابنها الشهيد وقد بدت علامات الحزن واضحة على وجهها وامتلأت عيونها بالدموع حزناً على فراق الشهيد لأهله وأصدقائه ومحبيه قائلة: " كان ابني "جبر" في سجن غزة المركزي بانتظار محاكمته ومن ثم نقله إلى سجن نفحة الصحراوي، وأثناء زيارتي الأولى له في السجن التقيت بشاب لم أكن أعرفه بجانب ابني " جبر" وقد جلس برفقة امرأة عجوز ظننتها للوهلة الأولى بأنها والدته، و أثناء جلوسي سمعت هذا الشاب الذي عرفته فيما بعد بأنه " سمير القنطار" يتحدث مع هذه المرأة ويطلب منها بأن لا تتعب نفسها في زيارته مجدداً لأنها أصبحت في غنى عن زيارة السجن.

وتضيف الحاجة " أم جبر" تعجبت لحديث الشاب وتقصد به الشهيد "سمير" فدفعني الفضول لأن أعرف القصة وحقيقة ما يطلبه هذا الشاب من هذه المرأة، فأجابني الشاب بأن هذه المرأة ليست والدته وإنما هي أم لأحد الأسرى " الغزيين" المطلق سراحهم حديثاً بمحكومية مخففة ، وقد أخذت على عاتقها أن تأتي لزيارته في كل موعد زيارة وتقدم له ما يلزمه.. وتقول الحاجة أم جبر طلبت من هذه المرأة أن تكف عن زيارة هذا الشاب وأخبرتها بأن ابنها وتقصد " جبر" قد حوكم بمحكومية عالية وتستطيع هي أن تقدم الخدمة وتقوم بمراعاة احتياجات هذا الشاب الذي لا يتمكن أهله من زيارته.. قبلت المرأة بطلب الحاجة " أم جبر" بعد أن تأكدت بأن هذا الشاب سيتلقى الخدمة من إحدى عوائل الأسرى ولن يترك وحيداً، ومن هنا كانت بداية الرحلة مع الحاجة " أم جبر وشاح" الفلسطينية مع ابنها بالتبني " سمير القنطار" اللبناني .

وأكملت الحاجة "أم جبر" حديثها للإعلام الحربي قائلة: " تلقيت خبر استشهاد "سمير القنطار" بحالة من اللوعة والألم، لم استطع منع نفسي من بكاء "سمير" الذي أمضى عمراً داخل السجن أكثر من خارجه".

وذكرت بأنه قبيل استشهاد القائد " سمير القنطار" بثلاثة أيام، كانت قد رأته في منامها شهيداً مدرجاً بدمائه ولم يساورها الشك للحظة أن " القنطار" سيكون على موعد مع الشهادة بعد ثلاثة أيام.

وبينت أنها رأت في الشهيد "سمير" شخصاً قوياً عزيزاً لم تهزّه ظلمة السجون ولا قسوة السجان وهذا ما جذب الكثيرين إليه وحببهم فيه، مشيرة في الوقت ذاته أنها في الفترات الأخيرة لم تكن على علم بطبيعة عمل الشهيد المقاوم، إلا أنها كانت تدرك جيداً أنه يتربص بأعداء الله ويتربصون به دون معرفة التفاصيل.

واسترجعت الحاجة "أم جبر" إحدى المواقف من ذاكرتها الممتلئة مع الشهيد" سمير القنطار" أثناء فترة اعتقاله بسجن السبع قائلة: " بعد أن أنهيت بإحدى المرات زيارتي للشهيد " سمير القنطار" كنت قد هممت بتقبيله، ولا أدرى ما الذي دفع شرطة السجن للشك من تقبيلي إياه، فحاولوا استثارته وافتعال مشكلة معه، فجابههم بقوة وقد أحمرت عيناه غضباً من تصرفات الشرطة الاستفزازية حتى قاموا باستدعاء مدير السجن لحل المشكلة، والذي لم يجرؤ على الاقتراب منه أيضاً إلا بعد أن قطع وعداً بأن يوصلني شخصياً إلى مكان الحافلات ويتأكد من مغادرتي فعلاً للسجن".

وتمنت الحاجة في ختام حديثها من الله أنها لو كانت قريبة من عائلة "سمير قنطار" لتتبنى ابنه " علي" وترعاه إلى جانب والدته وأعمامه وأهله.

واختتمت الحاجة " أم جبر وشاح" حديثها بعبارات الترضي على روح شهيد فلسطين "سمير القنطار" سائلة المولى عز وجل أن يجمعها به عما قريب في مستقر رحمته وأن يمن على باقي الأسرى بالإفراج العاجل.

يذكر أن سمير سامي القنطار من مواليد عام 1962م في بلدة عبيه الجبلية من أسرة لبنانية مناضلة أحب فلسطين وانتمى إليها ولقضيتها العادلة عمل في صفوف الجبهة العربية لتحرير الفلسطينية وأُسر في "اسرائيل" لمدة ثلاثين عاماً بعدما قاد عام 1979م، عملية نفذتها مجموعة من "جبهة التحرير الفلسطينية" في مدينة "نهاريا"، الساحلية شمالي فلسطين المحتلة، وتم الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى بين حزب الله و"إسرائيل" برعاية ألمانية عام2008م.

بعد تحريره من قبضة السجان عمل ضمن صفوف المقاومة الإسلامية اللبنانية وكان العدو يحسب له ألف حساب.. تمكن العدو من رصد تحركاته على الأراضي السورية واستهدفت مكان تواجده بعدد من الصواريخ ارتقى على إثرها شهيداً بحي الحمصي في منطقة جرمانا بـ سوريا، وأسفرت هذه العملية عن استشهاد مواطنين وإصابة 12، إضافة إلى انهيار المبنى السكني بالكامل.