الإعلام الحربي _ غزة
ربما توقعت سلطات الاحتلال الصهيوني، أن يمثل المنخفض الجوي القطبي الذي مر نهاية الأسبوع الماضي في المنطقة، حالة هدنة يرجى من خلالها أن تتوقف العمليات البطولية التي ينفذها الفلسطينيون منذ مطلع أكتوبر الماضي في إطار انتفاضة القدس، إلا أن الحسابات جاءت فاشلة تماماً كما كافة الإجراءات الأمنية التي يضعها الكيان الصهيوني لمنع وقوع هذه العمليات.
وقُتل ثلاثة صهاينة وأصيب 10 آخرون بجراح 4 منهم في حال الخطر، الجمعة الماضية، في عمليتي إطلاق نار في ملهى وأخرى في أحد شوارع (تل أبيب) المحتلة.
ووقعت العملية البطولية في شارع "ديزنغوف" في (تل أبيب) المحتلة، سيء السمعة بالنسبة إلى الصهاينة، حيث لا يزال الصهاينة يذكرون تفاصيل عملية استشهادية نفذها الاستشهادي البطل "رامز عبيد" ابن حركة الجهاد الإسلامي في ذات الشارع في عام 1996، وأدت إلى مقتل 13 جندياً صهيونياً وجرح 120 آخرين .
وقرر الكيان الصهيوني حظر نشر تفاصيل العملية، هذا وما زالت قوات كبيرة من الشرطة الصهيونية تحاول الوصول إلى منفذ العملية، حيث تم توسيع رقعة البحث عنه بنشر مزيد من القوات الشرطية، بمساندة ضباط من "الشاباك" في محاولة للوصول إليه.
وذكرت القناة الثانية الصهيونية الأحد أن الأجهزة الأمنية الصهيونية كثفت من حراساتها للمؤسسات التعليمية في "تل أبيب" بعد فشلها في اعتقال منفذ عملية إطلاق النار في "تل أبيب" الجمعة الماضية.
وبحسب معطيات بلدية "تل أبيب" تغيب نصف طلبة مدارس شمالي المدينة عن مدارسهم وروضاتهم، فيما بلغت نسبة الحضور بمدارس جنوبها 90%، و70% بوسطها.
ويعيش الشارع الصهيوني، وفقا لوصف وسائل الإعلام العبري، حالة من الخوف والرعب بعد أن تحولت مدينة "تل أبيب" إلى أشبه بمدينة الأشباح.
وزعمت قوات الاحتلال أن منفذ عملية إطلاق النار في "تل أبيب" هو نشأت ملحم من سكان وادي عارة في منطقة المثلث الشمالي في الداخل الفلسطيني المحتل.
وأوعز رئيس حكومة الكيان بنيامين نتانياهو السبت، لجيش الاحتلال بتنفيذ عمليات دهم واسعة في المدن والقرى داخل الأراضي المحتلة العام 1948، بحثا عن أسلحة ومنفذ عملية "تل أبيب".
تزايد العمليات
ويرى المحلل السياسي عبد الستار قاسم، أن عملية (تل أبيب) أصابت المنظومة الأمنية الصهيونية في مقتل، وهي امتداد لعمليات الشعب الفلسطيني في إطار انتفاضة القدس، مؤكداً أن تزايد عدد العمليات المنفذة في العمق الصهيوني بات يقلق جهات اتخاذ القرار في الكيان الصهيوني بشكل كبير.
وقال قاسم: "سلطات الاحتلال تخشى بشكل كبير انتقال العمليات إلى العمق الصهيوني بشكل مستمر، وإن كان قد حدث ذلك في عمليات بطولية سابقة جرى تنفيذها في (تل أبيب) إلا أن سلطات الاحتلال تخشى أن تنفلت الأمور من بين أياديها، وأن تشهد عملية يومية في مدينة صهيونية".
وبيّن أن هذه الانتفاضة تعد الثالثة في تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني الحديث، وهي الخامسة والعشرون منذ عام 1920 حيث قام الشعب الفلسطيني بانتفاضات كثيرة في عهد الاحتلال البريطاني والإسرائيلي، مشدداً على أن هذا المسلسل سيستمر حتى نهاية الاحتلال وجلاء المستوطنين من كامل الضفة الغربية والقدس المحتلة.
ولفت قاسم النظر إلى أن كافة الإجراءات الأمنية الصهيونية لن تجدي نفعاً في وقف الانتفاضة والعمليات البطولية، وأضاف: "إن كافة الإجراءات التي تتخذها سلطات الاحتلال الصهيوني، لن تؤثر على سير الانتفاضة الفلسطينية".
وتابع: "الانتفاضة لا يمكن أن تمنح (إسرائيل) تهدئة، فهي مسيرة من الله وليس من أي فصيل سياسي أو حزب، وأتوقع أن نشهد المزيد من العمليات في العمق الصهيوني"، مشيراً إلى أن استمرار هذه العمليات سيؤدي إلى انهيار حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، ومنح الفلسطينيين حقوقهم التي يطالبون بها منذ عقود.
وعما إذا كان هناك احتمالية لاحتواء الانتفاضة من خلال الجهود الدبلوماسية والسياسية الدولية، قال قاسم: "لقد كانت هناك محاولات منذ اللحظة الأولى من انطلاق انتفاضة القدس في أكتوبر الماضي، فكانت هناك زيارات متعددة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ومحاولات من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ولكن لم تنجح أي من هذه المحاولات بالمطلق في وقف الانتفاضة".
حرب مفتوحة
المحلل السياسي المتخصص في الشأن الصهيوني، انطوان شلحت، يرى أن الكيان يتعامل مع "حرب مفتوحة"، لا تتوقف عند حالة مناخية معينة، ولا يمكن توقع أين ستكون الضربة المقبلة، بسبب شعبية المقاومة وعدم وجود عنوان معين لها يمكن أن يسهل على الاحتلال مهمة القضاء على هذه الانتفاضة.
وقال شلحت: "إن مسئولين في الحكومة الصهيونية، يعتقدون أن الانتفاضة ستستمر ولن تهدأ في القريب، واعتقدوا أن الحالة المناخية العاصفة والماطرة سوف لن تسمح بتوتر الأوضاع الأمنية، ولكن هذه الحسابات كانت مضروبة تماماً".
وأوضح أن من دلائل وضع الكيان اعتباراً قوياً للحالة المناخية والرهان عليها بأن تتسبب في خفض مستوى استعداد الفلسطينيين لتنفيذ عمليات بطولية جديدة، هو إقدام السلطات على الإفراج عن 23 جثمان شهيد فلسطيني 17 منهم من الخليل وحدها، في ظل جو ماطر وعاصف من أجل ضمان عدم تصعيد الأوضاع واتساع المواجهات.
وبيّن شلحت أن الانتفاضة الفلسطينية تخطت كافة حسابات الكيان بعد أن باتت العمليات البطولية تحدث في العمق الصهيوني وليس في المناطق المحتلة عام 1967، كما أن إتباع وسيلة إطلاق النار في العملية ضرب العنصر الأمني في مقتل.
وأضاف المحلل السياسي المتخصص في الشأن الصهيوني: "الجمهور الصهيوني يدرك شيئاً فشيئاً أن نتنياهو لا يستطيع التعامل مع هذا الأمر وبات فاقداً للسيطرة على اتساع المواجهات ومدى العمليات البطولية (الطعن والدهس وإطلاق النار)، وبالتالي فإن شعبيته باتت تنخفض في الشارع الصهيوني".
ولفت شلحت النظر إلى أن تطور أساليب المقاومة خلال هذه الانتفاضة آخذ بالصعود، الأمر الذي ينذر بشتاء جحيمي على الكيان الصهيوني، لم يمر على الصهاينة منذ عام 2005.
ونوه إلى أن الكيان الصهيوني سيكون أمام خيارين، الأول: تصعيد الإجراءات القمعية ضد الفلسطينيين في محاولة لوأد الانتفاضة، وهو الأمر الذي سيولد المزيد من الكراهية والحقد تجاه الاحتلال وبالتالي المزيد من العمليات البطولية، والثاني: التخفيف من هذه الإجراءات واستبدالها بتسهيل ظروف الحياة الفلسطينية وهو ما لا يصل إلى مستوى أحلام وطموحات الشعب الفلسطيني الذي يطالب بإنهاء الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
المصدر/ الاستقلال

