الإعلام الحربي _ غزة
على الرغم من حالة الإجماع الصهيوني على سفك الدماء الفلسطينية، وقتل الفلسطينيين المنتفضين بدماء باردة في عمليات إعدام ميدانية مؤلمة، إلا أن اختلافاً عميقاً يدور بين المستويين السياسي والأمني في (إسرائيل) بات واضحاً في كيفية التعامل مع انتفاضة القدس التي قلبت كافة الموازين والمعايير الصهيونية.
وبحسب صحيفة "يديعوت أحرنوت" فإن الخلافات تصاعدت بين رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير الأمن موشيه يعالون من جانب، وقيادة الجيش الصهيوني وجهاز الأمن العام (الشاباك) من الجانب الآخر، حول كيفية معالجة ما أسمته بـ(الإرهاب الفلسطينيّ).
وقالت الصحيفة: "إنّ نتنياهو ويعالون يقولان، في نهاية الأمر سننجح في استنزاف الإرهاب وقمع السكان الفلسطينيين، بما في ذلك من خلال الاغتيالات الفورية للمقاومين، بوقف العمليات، ولكن الأجهزة الأمنيّة الصهيونية ترى أنهما مخطئان".
ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية قولها: "ليس هناك أي مؤشر لانخفاض مستوى العمليات وإنما العكس صحيح". وأشارت المصادر عينها إلى أنّ هناك ارتفاعاً حاداً في العمليات، موضحةً بشكلٍ غيرُ قابلٍ للتأويل بأنّه لا يمكن معالجة عمليات من هذا النوع بالوسائل العسكرية.
إرباك وتخبط
المحلل السياسي المتخصص في الشأن الصهيوني، محمود يزبك، يرى أن هذه الخلافات بدأت مع أول أيام الانتفاضة الفلسطينية، حيث بدا الإرباك واضحاً في كيفية تعامل جهات اتخاذ القرار الصهيوني مع الانتفاضة، وكان هناك تخبط من خلال إصدار قرارات تنم عن العشوائية والضبابية.
وقال يزبك: "انقسمت جهات اتخاذ القرار السياسية والأمنية في (إسرائيل) إلى قسمين، الأول يريد المزيد من العنف والبطش والقتل من أجل تخفيض نسبة العمليات البطولية ضد أهداف صهيونية، والثاني يريد مجاراة هذه الانتفاضة من خلال السياسة والدبلوماسية وتسهيل ظروف الحياة".
وأوضح أن ذلك برز من خلال عدة قرارات صدرت عن قيادة الكيان الصهيوني، من بينها قرار هدم المنازل كوسيلة للعقاب الجماعي لعائلات منفذي العمليات، وقرار فرق تسد والقائم على ممارسة البطش والعنف في الأحياء التي تشهد توتراً مستمراً، وتقديم تسهيلات حياتية وتصاريح عمل للأحياء الفلسطينية التي تشهد هدوءاً.
وبيّن يزبك أن الجهات الأمنية الصهيونية ترى أن سياسات المستوى السياسي غير فعالة لإنهاء الانتفاضة، وأن هذه الجهات تخشى بشكل كبير انتقال العمليات البطولية من الضفة الغربية إلى الداخل المحتل دون القدرة على السيطرة عليها بسبب امتيازها بأنها عمليات فردية لا تستطيع هذه الأجهزة الكشف عنها مسبقاً.
وأضاف: "الجهات العسكرية والاستخباراتية لدى الكيان الصهيوني ، حذرت في أكثر من مرة أن ما اسمته (الإرهاب) سينزلق إلى داخل الخط الأخضر، كما أنها تخشى بشكل كبير أن تأييد حركة فتح المعلن لهذه الانتفاضة الأمر سيساهم في زيادة أعداد العمليات البطولية ضد الصهاينة".
وعلى الرغم من أن المستوى السياسي يفضل التدخل وقتل الفلسطينيين والاشتباك معهم- وفقاً ليزبك- إلا أن المستوى الأمني يفضل فرض إغلاق شامل على كافة المناطق الفلسطينية ومنها شرقي القدس، لفترة غير محدودة، ونصب وسائل إلكترونية في كافة أماكن وجود الجيش الصهيوني من أجل كشف الحركات المريبة، وتكثيف وضع الحواجز على الطرقات وخاصة حول المستوطنات.
ولكن المحلل السياسي يرى أن المستوى السياسي يرفض هذه الخطة، بسبب الحاجة لتجنيد قوات الاحتياط الأمر الذي سيكلف الحكومة ميزانية مضاعفة، وهذا الأمر لا ترغب حكومة نتنياهو بدفعه في هذا الوقت .
وتابع يزبك: "الجهات الأمنية لا تريد الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين، بل عرض خيارات أمام الفلسطينيين، إما أن تتوقف هذه العمليات، أو سحب تصاريح العمل وتسهيلات الحياة ومصادر الدخل، ولكن الجهات السياسية ترفض هذه المقترحات خشية من أن يعتبرها الفلسطينيون إعلان حرب الأمر الذي سيزيد من تعقيد الأمور".
ضغوط متبادلة
المحلل السياسي المتخصص في الشأن الصهيوني إبراهيم جابر، يتفق مع يزبك فيما قال سابقاً، مؤكداً أن (إسرائيل) تستعد لوصول العمليات البطولية الفلسطينية لكافة المدن الإسرائيلية.
وقال جابر: "على الرغم من أن المستوى السياسي الصهيوني الذي يتصدره نتنياهو يرفض الإغلاق الكامل والشامل للأراضي الفلسطينية، إلا أنه قد يجد نفسه مضطراً لفعل ذلك عندما يرى أن الأمور قد انفلتت تماماً وأنه لم يعد قادراً على السيطرة على الوضع".
وأوضح أن هذا الاختلاف في وجهات النظر الأمنية والسياسية في التعامل مع الانتفاضة، بات جلياً من خلال انعكاساته على أرض الواقع، حيث يمارس الجانب السياسي الصهيوني ضغوطاً على الأجهزة الأمنية الصهيونية من أجل الحد من العمليات البطولية الفلسطينية، فيما يمارس الجانب الأمني على جهات اتخاذ القرار السياسي ضغوطاً أخرى من أجل وقف هذه الانتفاضة.
وبيّن جابر أن عشوائية الانتفاضة وعدم تبنيها من قبل المنظمات الفلسطينية وفردية عملياتها، جعلت من قوى الأمن الصهيوني بلا فائدة، بل تحولت إلى أهداف لعمليات الطعن والدهس الفلسطينية.
المصدر/ الاستقلال

