الأسير القائد "ثابت مرداوي".. صقر السرايا وأحد المطلوبين العشرة للتصفية

الثلاثاء 02 فبراير 2016

الإعلام الحربي _ غزة

غرفةٌ صغيرة, هواءٌ قليل، نافذةٌ لا تسمحُ بتسللِ خيوطِ الشمسِ منها، تحتضنُه أربعةُ جدرانٍ بسريرين وخزانةٍ ومساحة فارغة بالكادِ تتسعُ للصلاة.

هو صقر السرايا كما أطلق عليه الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلح, هو ثابت؛ الصامدُ البطل المجاهدُ القائد, الذي أذاق المحتلَ أشكالاً من بأسِ السرايا, كان اسمُه صفةً وعنوانًا له, فكان ثابتاً بقوتِه وعزيمتِه وإرادتِه, هو الأسيرُ البطل ثابت عزمي سليمان مرداوي, المولودُ في الحادي عشر من يوليو عامَ ألفٍ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وسبعين في بلدةِ عرابة قضاءَ مدينةِ جنين بالضفةِ الغربيةِ المحتلة .

كباقي أطفالِ البلدة كانت طفولتُه, تميز بالجرأةِ والعنادِ منذ الطفولة, درسَ في مدارسِ القرية و كان متفوقًا جدًا ويعدُ من أوائلِ الطلبة, بذلك شهد مدرسوه.

باندلاعِ انتفاضةِ الحجارةِ عامَ سبعةٍ وثمانين كان ثابت شبلاً صغيرًا, و لكنّ عقلَه وشجاعتَه ميزته باكرًا مما لفت أنظارَ المناضلين إليه, مما دفع قادةَ الفهدِ الأسود ( الجناح العسكري لحركةِ فتح ) إلى استقطابِه وإدراجِه ضمن المناضلين معهم, وعند حسنِ ظنِهم كان, فقام بمساعدتِهم وخدمتِهم, وعلى عادةِ المناضلين الذين يعرفون مآلاتِهم كان الاعتقالُ نهايةَ عملِه مع الفهدِ الأسود وبدايةَ مرحلةٍ جديدة.

ففي أبريل عامَ ألفٍ وتسعمائةٍ وأربعةٍ وتسعين كان اعتقالَه الأول لمدةِ أربعةِ أعوام حصل خلال أسرِه على شهادةِ الثانويةِ العامة بتفوق، توسعت آفاُقه ومداركُه حيث كان الأسرُ بمثابةِ نقلةٍ نوعيةٍ لأسيرِنا البطل الذي تعرف على حركةِ الجهادِ الإسلاميِ من خلال الشهداءِ الأطهار أمثال القائد نعمان طحاينة والشهيد القائد أنور حمران والشهيد القائد إياد حردان والشيخ المجاهد عبد الحليم عز الدين.

أصبح أسيرنا ثابت من المثقفين بين الأسرى حيث كرس وقتَه وما زال للدراسةِ والمطالعةِ والكتابةِ طوالَ فترةِ اعتقاله, ثم أُفرج عنه في فبراير عامَ ثمانية ٍ وتسعين ليتابعَ دربَ الجهادِ والمقاومةِ بكلِ الطرقِ و الوسائلِ فكان أحدَ الذين عملوا في إدارة التنظيمِ على مستوى الضفةِ ومحافظةِ جنين.

التحق بجامعةِ القدسِ المفتوحةِ لدراسةِ الاقتصاد, وقبل أن يكملَ دراستَه ويحصلَ على شهادتِه تعرض للاعتقالِ على يدِ أجهزةِ السلطةِ مع باقي رفاقِ الدربِ من الشهداءِ قادةِ حركةِ الجهادِ الإسلامي في الضفة, ثم خرج من سجونِها مع اشتعالِ انتفاضةِ الأقصى الثانية عامَ ألفين .

مع اندلاعِ انتفاضةِ الأقصى عامَ 2000م تقدم ثابت مرداوي كأحدِ أهمِ المجاهدين, ليكونَ مشاركًا في تأسيسِ سرايا القدس في الضفةِ ومحافظةِ جنين وبعد اغتيالِ الشهيدِ القائد أنور حمران والشهيد القائد إياد الحردان أصبح ثابت قائدًا لسرايا القدس في مدينةِ جنين ومخيمِها وبعضِ قراها.

قاد سرايا القدس في شمالِ الضفةِ الغربية وأبلى بلاءً حسنًا, حتى أطلقت عليه قواتُ الاحتلالِ المطلوب رقم واحد للتصفيةِ والاغتيالِ ضمن أخطرِ عشرةٍ مطلوبين في الضفة, وقد عمل معه مجموعةٌ من المجاهدين الأبطال الشهيد القائد إياد صوالحة والشهيد القائد محمود طوالبة والشهيد القائد محمد العانيني والشهيد القائد طه زبيدي, وثلةٌ مباركةٌ أيضا من الأسرى الأحرار.

أشرفَ القائد ثابت مرداوي على عدةِ عملياتٍ عظيمٍة نفذتها سرايا القدس منها عملياتٌ استشهادية ومنها الاشتباكاتُ المسلحة وتفجيرُ العبواتِ الناسفة, وبعضُ هذه العمليات كان يقودُ تنفيذُها بنفسِه هو وباقي أفراد المجموعة.

تعرض أسيرنا البطل لعدةِ محاولاتِ اغتيالٍ ونجا من تلك الاغتيالاتِ بلطفِ اللهِ سبحانه وتعالى, عمل ثابت هو والمجاهدون في مخيمِ جنين يتقدمُهم القادةُ العظام من الشهداءِ والأسرى بالتصدي لقواتِ الاحتلالِ التي حاولت مرارًا وتكرارًا اقتحامَ مخيمِ جنين للنيلِ منهم وذلك بسببِ العملياتِ البطوليةِ التي نفذها هؤلاء الأبطال حيث كان مخيمُ جنين بمثابةِ مركزٍ ونقطةِ انطلاقٍ لمعظمِ العملياتِ البطوليةِ في انتفاضةِ الأقصى.

عامَ ألفين واثنين رفض قائُدنا ثابت ورفاقُه الخروجَ من مخيمِ جنين والاختباءَ خارجَه رغم علمِهم أن الهدفَ من اقتحامِ المخيم هو رأس المقاومةِ وفي مقدمتهِم ثابت وطوالبة والسعدي وآخرون وقالوا نحن لن نتخلى عن أهلنا الذين شكلوا حاضنةً لنا وصبروا وتحملوا اعتداءاتِ الاحتلالِ معنا فلن نتركَهم لقمةً سائغةً للاحتلالِ وبطشِه.

قاموا بالإعدادِ والتجهيزِ للتصدي لقواتِ الاحتلالِ التي قررت اجتياحَ الضفةِ الغربيةِ فأعدوا العدةَ ورصوا الصفوفَ ووضعوا الخططَ والإمكانات البسيطةَ المتوفرةَ لهم والتي سيواجهون بها قواتِ الاحتلالِ وأعتى قوة في الشرقِ الأوسط .

وأثناء تصديه ورفاقِه لقواتِ الاحتلالِ التي كانت تحاصرُ مخيمَ جنين وتعملُ على اقتحامِه, فيما عرف بعمليةِ السور الواقي التي أعلنها المجرمُ شارون فاستشهد القائد محمود طوالبة والشيخ رياض بدير وأبو جندل وأصيب القائد ثابت مرداوي برصاصتين في قدمِه, وبقي ينزفُ لساعاتٍ طويلة ثم اقتحم جنودُ الاحتلالِ المخيمَ بعدما هدموا أحياء بأكملِها.

اعتقله الاحتلالُ ومجموعةً من المجاهدين المقاومين الأبطال وفي مقدمتِهم الحاج على الصفوري بتاريخِ الحادي عشر من ابريل عام ألفين واثنين وذلك بعدما قاموا بعملية ٍ عسكرية ٍ هي الأكثرُ وحشيةً لاقتحامِ المخيم, وقد ظلَّ المجاهدُ مرداوي يطلقُ الرصاصَ حتى نفذت ذخيرتُه, وكان شعارُه في تلك المعركة " اليوم كرٌ و كر " ذلك الشعار الذي أطلقه الشهيد محمود طوالبة وعمّدَه بدمَه ودماءَ إخوانَه, وما انقشع غبارُ تلك المعركةِ الباسلة في المخيمِ إلا والعدوُ يعلنُ عن مقتلِ خمسٍة وعشرين من جنودِه على أيدي ثابت ورفاقِه, وكانت أعظمَ المفاخرِ التي شارك فها الأسير ثابت مرداوي ورفاقُه.

تعرض القائد ثابت أبا أسامة لجولاتٍ عنيفةٍ من التحقيقِ العسكري على أيدي ضباطِ مخابراتِ الاحتلال, كونَه كان القائدَ العسكريَ لسرايا القدس وابرزَ المطلوبين لهم على مستوى الضفةِ والمشرفَ على العشراتِ من العملياتِ البطولية .

صدر الحكمُ عليه بعد ثلاثةِ أعوام من اعتقالِه، واحدٌ عشرون مؤبدًا وأربعون عاماً، بتهمةِ قيادةِ سرايا القدس الجناحِ العسكريِ لحركةِ الجهادِ الإسلاميِ في الضفةِ المحتلةِ والتخطيطِ وتنفيذِ سلسةِ عملياتٍ استشهاديةٍ واشتباكاتٍ أدت إلى عشراتِ القتلى والجرحى في صفوفِ جنودِ الاحتلال.

وفي أسرِه مارس العدوُ الصهيونيُ صنوفًا من الإجراءات القمعيةِ والتعسفيةِ على أسيرِنا وذلك من خلالِ وضعِه في العزلِ الانفراديِ في سجنِ بئرِ السبع وهداريم سجن نفحة ومجدو وباقي السجونِ حيث أمضى غالبيةَ فترةِ سجنِه في العزلِ الانفرادي, ورغم ذلك يعتبرُ ثابت مرداوي أحدَ قادةِ الحركةِ الأسيرة.

وفي سجنِه كان الأسير البطل ثابت من الأسرى الذين يتمتعون بالحكمةِ والوعيِ والثقافةِ الفكريةِ والسياسية, حيث يعتبرُ من أصحاب الكتابِ والقلم, فقام بتأليفِ مجموعةٍ من الكتبِ كان من أبرزها توثيقُ قصةِ ما حصل في معركةِ مخيمِ جنين البطولية.

تدهورت حالةُ ثابت الصحية كثيرًا بسببِ الإهمال الطبيِ الذي تعرض له من قبلِ إدارة سجونِ الاحتلال, وهو ما يزالُ يطالبُ بإدخالٍ طبيبِ أسنانٍ لمعالجتِه، وفي كلِ مرة بعد طولِ معاناةٍ توافق سلطاتُ الاحتلالِ على ذلك، وعندما يصل ُالطبيبُ الخاص ويقررُ البدءَ بعلاجِه تعودُ إدارة السجنِ تتراجعُ عن قرارِها بالسماحِ للطبيبِ بعلاجِه.

منع ثابت من زيارةِ ورؤيةِ عائلتِه وابنِه الوحيد أسامة سنواتٍ طويلة ولا زالت والدتهُ المريضةُ تعاني من قلةِ الزياراتِ بذريعةِ الأسبابِ الأمنيةِ التي اعتبرتها مبرراتٍ واهية وغيرَ قانونية تستخدمُها المخابراتُ الصهيونيةُ للانتقامِ منه بسببِ تكريسِه حياتَه ونفسَه لخدمةِ شعبِه وقضيتِه العادلة والمشروعة.

كان ولا يزالُ ثابت مرداوي ثابتَ العزيمةِ والإصرار، ثابتَ التحدي والإيثار، مرابطًا بقوة ٍونضال في سجونِ الظلمِ والطغيان منتظًرا فجرًا جديدًا يلوحُ بالأفقِ ليحظى بفرصةٍ يحتضن فيها ولدَه أسامه تحت ظلِ شجرةِ الليمون في ساحةِ منزلِهم المتواضع في بلدتِه عرابة.