الانتفاضة متواصلة.. وقادة الاحتلال يتخبطون في قراءة أسبابها

الخميس 11 فبراير 2016

الإعلام الحربي _ غزة

تتخبط "إسرائيل" في قراءة وفهم انتفاضة القدس ومحاولة استنباط الأسباب التي تدفع الشعب الفلسطيني الى الاستمرار فيها دون أن تفهم وتعي أن هذا الاحتلال هو السبب الرئيس لتفجرها لا سواه، وهي تمارس شيئا من الخداع الذاتي عندما تحاول أن تقنع نفسها بأسباب أخرى تقف وراءها على غرار التحريض الموجود في الإعلام والمدارس الفلسطينية كما تزعم دون الإدراك بأن المحرض الأساس لما يحدث الاحتلال نفسه عبر عمليات القتل التي يمارسها بدم بارد بالإضافة الى الاستيطان وهدم البيوت والتنكيل على الحواجز.

وقد شهد هذا الأسبوع عمليات هدم متعددة في الضفة والقدس المحتلة طال بيوتا ومنشآت زراعية واقتصادية، وقد صدر الشهر الماضي ما مجموعه 82 إخطارا من هذا النوع 12 منها في مدينة القدس والباقية في الضفة المحتلة نفذ منها ما يقارب 51 بيتا ومنشأة للسكن أو لتربية الماشية حتى الآن.

رئيس أركان جيش الاحتلال غادي ايزنكوت ذهب إلى نفس سياق تجاهل الاحتلال كعامل أساس لتفجر الانتفاضة حين قال إن «هناك ثلاثة أسباب مركزية للتصعيد: لا يوجد استقرار، تراجع مكانة القيادة الفلسطينية وواقع مدني اقتصادي صعب»، وهو يقصد بذلك الأوضاع غير المستقرة في الإقليم العربي وضعف القيادة الفلسطينية في ضوء فشل مسار المفاوضات والواقع الاقتصادي الصعب في القدس والضفة المحتلتين والذي لا يرجعه إلى واقع الاحتلال وقيوده وتحكمه بمفاصل الاقتصاد الفلسطيني، وأيضا فإن رأس الهرم في جيش الاحتلال يتهرب من قول الحقيقة ويذهب في أعقاب رئيس وزرائه نتنياهو الذي امتطى مقولة التحريض الفلسطيني كسبب لانتفاضة القدس فآيزنكوت يدعي أن تحريض القيادة الفلسطينية هو السبب رغم ان رأس القيادة ممثلا بالسيد محمود عباس أرسل في الأيام الأخيرة بإشارات واضحة بمعارضته للعنف ودعا الى المفاوضات والتسوية مع الحكومة الصهيونية.

للقفز على الواقع الذي يذهل "إسرائيل" وجمهورها فان تمسك الفلسطينيين بحقوقهم وعلى رأسها العودة إلى بيوتهم وأراضيهم التي اقتلعوا منها قبل 69 عاما يعتبر تحريضا ورغبة في القضاء على "إسرائيل"، وهم يقفون مندهشين أمام جيل فلسطيني صغير لم يشهد نكبة 48 ولا نكسة 67 ولا أياً من الحروب والمواجهات الأخرى على امتداد العقود الماضية سوى ما تفتحت عليه عينان في الأعوام القليلة الماضية من قتل وإذلال واستيطان في عهد «أوسلو»، ويسمى القادة الصهاينة تمسك الفلسطينيين بحق العودة إلى يافا وحيفا بالتحريض وينسبونه إلى التحريض الذي يتم في المدارس الفلسطينية، وكأن الطلاب يتعلمون فقط موضوع العودة في كل دروسهم فالذي يستعصي على فهمهم أن العودة باتت جزءاً من الثقافة الفلسطينية المتعاقبة ينقلها الإباء إلى الأبناء، ثم الأحفاد فكل فلسطيني يعرف اسم البلدة أو القرية أو المدينة التي هجر منها أبوه أو جده وبالتالي فان ما يريده الصهاينة وقادتهم هو الوهم الكبير بولادة جيل فلسطيني يقبل بالتنازل عن حق العودة والحقوق الأخرى ويرضى بالعيش في ظلال الاحتلال مع تحسين وضعه الاقتصادي.

القفز عن أسباب الانتفاضة الحقيقية يؤدي إلى الإخفاق الصهيوني في وقفها عبر كل الإجراءات التي تتخذها حكومة الاحتلال، وآخر ما تفتفت عنه ذهنية رئيس أركان جيش الاحتلال الفصل بين ما اسماه الأحداث القاسية بين السكان والمقاومين، والسماح بكسب الرزق والأمل لمن ليس ضالعا في عمليات الانتفاضة، ومن اجل ذلك فانه سيصدر 30 ألف تصريح للعمل في الداخل باعتبار ان الفلسطيني الذي يعمل بالداخل يحرص على الا يشارك هو أو أبناؤه في الانتفاضة حتى لا يسحب تصريحه وهو ما ثبت عدم صحته؛ فهناك عمليات نفذها أبناء يعمل آباؤهم بالداخل كما ان هذا القطاع من الفلسطينيين ليس الوحيد المشارك في الانتفاضة فما يميز الانتفاضة ان الجيل الصغير في العشرينات من عمره هو الذي يبادر بنفسه دون ان يبلغ احدا حتى احد أفراد أسرته بما سيقوم به، ويأتي هذا التوجه بعد إجراءات قامت بها سلطات الاحتلال ولم تنجح في وقف الانتفاضة على غرار الاعتقالات وهدم البيوت والتي ولدت حالة شعبية متضامنة معهم وتجمع الأموال لإعادة بناء بيوتهم.

ما تخلقه انتفاضة القدس في الوعي ذو دلالة هامة فهي تكسر المقدسات التي يرددها الصهاينة وقادتهم وعلى رأسها القدس. فالانتفاضة التي بدأت بالقدس مست "التابو" الصهيوني حول القدس الموحدة وعدم تقسيمها فـ 90% منهم كان يؤمن بذلك إلى أن جاءت الانتفاضة التي جعلت 62% من الصهاينة يؤيدون فكرة الانسحاب من قرى فلسطينية في القدس المحتلة بينهم 57% من ناخبي اليمين، و61% مما يسمى «اليمين المعتدل»، ونشأت حركة صهيونية جديدة، باسم «إنقاذ القدس اليهودية»، تدعو إلى بناء جدار بهدف فصل 28 قرية فلسطينية عن القدس تخضع حاليا لمنطقة نفوذ بلدية الاحتلال وذلك من اجل توفير الأمن للصهاينة، وتضم الحركة وزراء سابقين وضباطاً متقاعدين في جيش وشرطة الاحتلال.

لا يمكن لكل الإجراءات الصهيونية الحالية أو القادمة ان تخفي الحقائق عن كون "اسرائيل" دولة احتلال تمارس القمع والعنف وترتكب جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني وهو ما يدركه جميع دول العالم التي يشتكي نتنياهو انها لا تدين ما اسماه الإرهاب الفلسطيني وهو موقف يدلل على عمق الفهم الدولي بكون "اسرائيل" دولة محتلة رغم جهودها لإظهار غير ذلك وكونها تواجه ارهابا على غرار الدول الأخرى وهو ما لم يقتنع به احد، والانتفاضة تجعل القضية الفلسطينية حاضرة في كل مكان ومحفل لا يمكن ان تتجاوزها "اسرائيل" بعدما روجت أوهاما عن قضايا أخرى يجب ان يهتم بها العالم لأنها تهدد "اسرائيل"، وكما قال الجنرال الأسبق في جيش الاحتلال أيال بن رؤوبين فإنه ليس هناك حل عسكري لانتفاضة السكاكين، مشيرا الى ان "إسرائيل" تمضي في اتجاه سيء جدا نتيجة الاحتلال.

المصدر/ الاستقلال